اصطفى الله هذه الأمة لحمل الرسالة الخاتمة، وألقى على عاتقها مهمة القيام بواجب البلاغ، وجعلها قيمة على ذلك؛ إذ لا رسول بعد رسولها محمد ﷺ؛ لذلك أناط الله بهذه الأمة مسئولية استمرار هذه الدعوة وإبلاغها للناس، وجعل هذه الأمة شاهدة وحجة على البشرية، تبلغهم وتشهد لهم بالإجابة، أو عليهم بالتمرد والعصيان.
ولما كان من شرط قبول الشهادة أن يكون الشاهد عدلًا خيارًا مرضيًا جعل الله هذه الأمة، خير أمة وجلعها عدلًا وسطًا بين الأمم ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾؛ فكما أن الرسول ﷺ شاهد عدل على هذه الأمة، كذلك أمته من بعده شاهد عدل على البشرية، تشهد على الأمم السابقة كما تشهد على الأمم اللاحقة.
تشهد على الأمم السابقة حين تنكر وتنكر تلك الأمم لرسل الله إليها وتفتري عليهم الكذب، وتدعي أنه ما جاءها من بشير ولا نذير؛ فيستشهد الرسل بهذه الأمة فتشهد لهم.
أخرج البخاري ﵀ من حديث أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "يدعي نوح يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك يا رب! فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم؛ فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير. فيقول: من يشهد لك فيقول: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ، ويكون الرسول عليهم شهيدًا؛ فذلك قوله جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، والوسط العدل" ١.
_________________
(١) ١ خ: كتاب التفسير، باب ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ٨/ ١٧١، ح ٤٤٨٧.
[ ١٧٥ ]
وهكذا يشهدون لجميع الأنبياء ﵈ على أممهم١، وقبول الشهادة دليل العدالة، يقول الحافظ ابن كثير ﵀: وشهادة أمة محمد ﷺ على جمع الأمم يوم القيامة برهان على عدالة هذه الأمة وشرقها، ومضمون هذا أن هذه الأمة يشتهد بهم الأنبياء على أممهم، ولولا اعتراف أممهم بشرف هذه الأمة لما حصل إلزامهم بشهادتهم"٢.
وشهادة هذه الأمة على الأمم شهادة حق وعدل؛ لأنها ما شهدت إلا بما علمت وإن كانت لم تشاهد ولم تحضر، لكنها شهدت بشهادة كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ. شهد لديها بصدق الرسل وتبليغهم أممهم دعوة ربهم؛ فشهدت بذلك. أخرج ابن ماجه من حديث أبي سعيد؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "يجيء النبي ومعه الرجلان، ويجيء النبي ومعه الثلاثة، وأكثر من ذل وأقل، فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم فيدعي قومه، فيقال: هل بلغكم؟ فيقولون: لا؛ فيقال: من شهد لك؛ فيقول: محمد وأمته فتدعي أمة محمد فيقال: هل بلغ هذا؟ فيقولون: نعم. فيقول: وما علمكم بذلك؟ فيقولون: أخبرنا نبينا بذلك، أن الرسل قد بلغوا فصدقناه. قال: فذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ٣.
وكما تشهد هذه الأمة على الأمم السالفة في الآخرة فتقبل شهادتها، كذلك يشهد بعضها على بعض، فتمضي وتعتبر عند الله ﷿ كما هي ماضية معتبرة عند خلقه؛ لأن الله جعلها شاهدة على خلقه.
_________________
(١) ١ كما جاء في روايات أخرى. انظر: نفس الصفحة. ٢ النهاية في الفتن والملاحم ٢/ ٩. ٣ جه: كتاب الزهد، باب صفة أمة محمد ﷺ ٢/ ١٤٣٢، ح ٤٢٨٤. وقال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني: "صحيح". انظر: صحيح سنن ابن ماجه ٢/ ٤٢٥.
[ ١٧٦ ]
أخرج البخاري ﵀ من حديث أنس بن مالك ﵁: "مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال النبي ﷺ: وجبت، ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرًا؛ فقال: وجبت، فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت؟ قال: هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض"١.
وقال ﷺ: "أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة" قال عمر: فقلنا: وثلاثة؟ قال: "وثلاثة"، فقلنا: واثنان؟ قال: "واثنان". ثم لم نسأله عن الواحد٢.
وكذلك عمر ﵁ إذا مرت به جنازة وأثنى عليها الحاضرون خيرًا قال: وجبت، وإذا أثنوا عليها شرًا قال: وجبت. يصنع كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم٣.
لقد فهم عمر الفاروق ﵁ أن شهادة هذه الأمة مقبولة عند الله، لفضلها.
_________________
(١) ١ خ: جنائز، باب ثناء الناس على الميت ٣/ ٢٢٨، ح ١٣٦٧. ٢ نفس المصدر والجزء ص ٢٢٩، ح ١٣٦٨. ٣ خ: جنائز، باب ثناء الناس على الميت ص ٢٢٩، ح ١٣٦٨.
[ ١٧٧ ]