وذلك أن هذه الأمة لما قامت بواجب الأمر بالمعورف والنهي عن المنكر، وكان من أعظم المعروف الذي تأمر به الإيمان بالله ﷿ وعبادته وحده، ومن أنكر المنكر الذي تنهى عنه وتحذر الناس منه: الإشراك بالله وعبادة غيره من دونه، كما قال عبد الله بن عباس ﵄: "تأمرونهم بالمعروف؛ أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، والإقرار بما أنزل الله، وتقاتلونهم عليه، و"لا إله إلا الله" هو أعظم المعروف، وتنهونهم عن المنكر، والمنكر هو التكذيب، وهو أنكر المنكر"١؛ إنما كانت في الواقع تدعو الناس إلى ما فيه نفعهم ونجاتهم، وتنهاهم عما فيه هلاكهم، بأذلة في سبيل ذلك النفس والنفيس، ليس لها هدف إلا القيام بما أوجبه الله عليها من هداية الخلق إلى طريق النجاة، وإخراجهم
_________________
(١) ١ ابن جرير الطبري، جامع البيان ٧/ ١٠٥.
[ ٢١٤ ]
من ظلمات الجهل والشك، والوثنية، إلى نور التوحيد والإيمان، وتحريرهم من عبودية العباد إلى عبودية الخالق جلا وعلا، كما قال ربعي بن عامر١ ﵁ لرستم٢ قائد الفرس لما سأله: ما جاء بكم؟ قال: "الله ابتعثنا، والله جاء بنا، لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام؛ فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه؛ فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه ورجعنا عنه، وتركناه وأرضه يليها دوننا، ومن أبى قاتلناه، حتى نقضي إلى موعود الله. قال: وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي"٣.
لقد كان هذا الصحابي الجليل خير سفير لهذه الأمة إلى رستم وقومه، ترجم لهم مهمة هذه الأمة، وهدفها، وهو أنها لم تخرج لطلب مال، أو ملك، أو أرض، وغنما أخرجها الله، وابتعثها، كما قال ﷿: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ بالبناء للمجهول للدلالة على أنها لم تخرج بنفسها لهوى أو مصلحة ذاتية؛ وإنما أخرجت للناس، الله هو الذي أخرجها؛ لتدعوا بنفسها لهوى أو مصلحة ذاتية؛ وإنما أخرجت للناس، الله هو الذي أخرجها؛ لتدعو الخلق إلى عبادة الخالق دون المخلوق، ليس لها هدف سوى ذلك. فإن هو تحقق كان ذلك غاية ما تطمح إليه وتسعد به "فمن قبل منا ذلك، قبلنا ذلك منه ورجعنا عنه، وتركناه وأرضه يليها دوننا".
من أجل ذلك كانت هذه الأمة خير الأمم للناس؛ لأنها تدعوهم إلى
_________________
(١) ١ هو: ربعي بن عامر بن خالد، أمد به عمر المثنى بن حارثة، وكان من ِأشراف العرب، وكان على مجنبه جيش أبي عبيدة إلى العراق، وله ذكر في غزوة نهاوند، وولاه الأحنف بن قيس لما فتح خراسان على طخارستان. قال ابن حجر: "وقد تقدم غيره مرة أنهم كانوا لا يؤمرون إلا الصحابة". الإصابة ١/ ٥٠٣. ٢ وهو: رستم بن الفرخزاذ الأرمني، قائد الفرس في القادسية. انظر: ابن كثير، البداية والنهاية ٧/ ٣٨. ٣ ابن جرير، تاريخ الأمم والمملوك ٣/ ٥٢٠. وانظر: ابن كثير، البداية والنهاية ٧/ ٤٠.
[ ٢١٥ ]
الخير، ولا ترجو منهم ثمنًا له؛ بل تجاهد من يحول بينها وبين تبليغ عباد الله دين الله، حتى يخلي بينهم وبينه، ثم بعد ذلك من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، إذا تبين للناس الرشد من الغي كما قال ﷿: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ ١. ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ ٢.
لكن هذه الأمة بما أوتيت من حب الخير للغير، تكره للناس أن ينتهوا إلى هذا المصير الرهيب، وتجهد نفسها -في غير ولا أذى- في سبيل أن تحول بينهم وبينه.
إن أمة تحمل للبشرية كل هذا الخير، غير مبالية بما تلقى من عنت، وسغب، ونصب، بما في ذلك القتل والقتال، وفراق المال والعيال. لهي بحق خليفة بأن تكون ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾؛ لأنها تسعى لنفعهم وهدايتهم وإنقاذهم من العذاب والعقاب الذي ينتظرهم.
يقول الصحابي الجليل أبو هريرة ﵁ في هذا المعنى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾؛ لأنها تسعى لنفعهم وهدايتهم وإنقاذهم من العذاب والعقاب الذي ينتظرهم.
يقول الصحابي الجليل أبو هريرة ﵁ في هذا المعنى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: "خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلون في الإسلام"٣.
وكذا قال غير واحد من السلف كابن عباس٤، ومجاهد، وعكرمة، والربيع بن أنس وغيرهم٥.
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية ٢٥٦. ٢ سورة الكهف آية ٢٩. ٣ خ: تفسير، باب ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ٨/ ٢٢، ح ٤٥٥٧ موقوفًا. ٤ انظر: السيوطي، الدر المنثور ٤/ ٢٩٤. ٥ انظر: ابن كثيرِ، تفسير القرآن العظيم ٢/ ٧٧.
[ ٢١٦ ]