وهذا من أعظم ما به كانت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس؛ فهو من أظهر خصائصها، وأبرز ما تتيمز به عن سائر الأمم، ولذلك قدمهما الله ﷿ في الذكر على الإيمان به تعالى، مع كونه -أي: الإيمان- متقدمًا عليهما في الوجود والرتبة؛ فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، وقد أمر الله هذه الأمة بأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وأن يكون فيها من يقوم بذلك فقال ﷿: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١، كما أوجب النبي ﷺ ذلك على أمته على حسب الاستطاعة وهي مراتب فقال: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" ٢.
_________________
(١) = ١- أنه أخر الإيمان عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع تقدمه عليهما وجودًا ورتبة؛ لأن دلالتهما على خيريتهم أظهر من دلالته عليها.
(٢) وقيل: للتعريض بأهل الكتاب الذين كانوا يدعون الإيمان، ولا يقدرون على ادعاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنهم كانوا في مجموعهم لا يتناهون عن منكر فعلوه فهما من خصائص هذه الأمة المميزة لها.
(٣) ولأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سياج الإيمان، بهما يستمر نقاؤه وصفاؤه وتوهجه، بل واستمراره، وكلما ضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ضعف الإيمان، ودخلت عليه البدع والمعاصي التي تحول دون تمامه وقوته. وراجع: تفسير أبي السعود ٢/ ٧١، وتفسير المنار ٤/ ٦٤، بتصرف. ١ سورة آل عمران آية ١٠٤. ٢ م: إيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان ١/ ٦٩، ح ٧٨.
[ ٢١٢ ]
قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث: "وأما قوله ﷺ: "فليغيره"؛ فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة، وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وهو أيضًا من النصيحة التي هي الدين ولم يخالف في ذلك إلا بعض الرافضة، ولا يعتد بخلافهم، ثم إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به بعض الناس سقط الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه بلاد عذر ولا خوف"١.
ولما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بهذه المثابة، عدهما كثير من السلف شرطًا في استحقاق الخيرية المشار إليها في الآية، مع إيمان بالله ﷿: كما روى ابن جرير ﵀ بسنده عن عمر بن الخطاب ﵁؛ أنه في حجة حجها قرأ هذه الآية: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية، ثم قال: "يا أيها الناس! من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله منها"٢.
وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وأخرج عن مجاهد في قوله ﷿: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، يقول: "على هذا الشرط: أن تأمروا باملعروف، وتنهوا عن المنكر وتؤمنوا بالله"٣.
ولقد كانت هذه الأمة أكثر الأمم قيامًا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل لم يكن في أمة من الأمم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مثل ما في هذه الأمة؛ إذ كانت أعظم الأمم التي قبلنا وهم بنو إسرائيل مفرطين فيهما غير قائمين بهما كما قص الله ﷿ علينا خبرهم في قوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ
_________________
(١) ١ شرح النووي على صحيح مسلم ٢/ ٢٢- ٢٣. "ط. الثالثة ١٤٠٤ هـ. دار إحياء التراث العربي". ٢ جامع البيان ٧/ ١٠٢. ٣ نفس المصدر والجزء والصفحة.
[ ٢١٣ ]
بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ١.
فلما قامت هذه الأمة بهذا الأمر مع تقصير غيرها من الأمم وتفريطها فيه، كانت جديرة بما أثبته الله ورسوله لها من الخيرية؛ إذ خير الناس آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر، كما جاء عن النبي ﷺ فيما رواه الإمام أحمد في مسنده عن درة٢ بنت أبي لهب قال: "قام رجل إلى النبي ﷺ وهو على المنبر فقال: يا رسول الله! أي الناس خير؟ فقال ﷺ: خير الناس أقرؤهم، وأتقاهم، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم "٣.
_________________
(١) ١ سورة المائدة آية ٧٨- ٧٩. ٢ وهي: درة بنت أبي لهب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمية، ابن عم النبي ﷺ، أسلمت وهاجرت. انظر: ابن حجر، الإصابة ٤/ ٢٩٧. ٣ حم: ٦/ ٤٣٢.
[ ٢١٤ ]