وذلك أنها أمة ورثت الرسل في القيام بهداية البشرية ودعوتها إلى ما دعا إليه سائر الرسل من الإيمان بالله وعبادته وحده؛ فهي ذات رسالة تبلغها، وتستمر في إبلاغها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ولذلك ما كان لهذه الأمة أن تضل عن مهمتها ورسالتها مهما طال عليها الأمد، وامتد بها الأجل؛ لأنها إن ضلت هي فلن يهتدي أحد، لانقطاع الوحي والرسالة.
وقد يضل بعض أفراداها وطوائفها عن الحق؛ بل قد يكفر ويلحد وينافق طوائف منها ولكنها لا تجمع ولا تجتمع على ذلك أبدًا. بذلك أخبرنا الصادق المصدوق ﷺ؛ فقال فيما رواه أنس بن مالك ﵁: "إن الله قد أجار أمتي أن تجتمع على ضلالة" ١، بخلاف من قبلها من الأمم؛ فإنه كان الحق يغلب فيهم حتى لا تقوم به طائفة منهم، فهؤلاء أهل الكتاب، اليهود منهم
_________________
(١) ١ ابن أبي عاصم: السنة ١/ ٤١، وحسنه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني بمجموع طرقه. انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة ٣/ ٣١٩- ٣٢٠، ح ١٣٣١.
[ ٢١٨ ]
والنصارى، اندثر الحق والدين الصحيح بينهم وانقرضت الفرقة التي كانت على الحق أو انحرفت، وأصبحت فرقهم كلها على ضلال وكفر وشك وشرك؛ فهاهم اليوم بسائر فرقهم وطوائفهم قد أجمعوا على الضلالة والكفر وأعرضوا عما جاء به الإسلام من الحق؛ فليس منهم رجل رشيد.
أما هذه الأمة؛ فإنها والحمد لله لا تجتمع على ضلالة أبدًا؛ بل لا بد أن يبقى منها طائفة على الدين الصحيح ظاهرة قائمة به، كما قال ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون" ١، وفي رواية أخرى: "لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة" ٢.
فأمة تثبت على الخير والإيمان ولا يضمحل فيها نور النبوة والإسلام، بل يبقى مشتعلًا مضيئًا في يدها تحمله جيلًا بعد جيل إلى أن تلقى الله به آخر طائفة منها، لا شك أنها خير الأمم التي عرفتها البشرية، بما لم توغل، كما أوغل الكثير من الأمم قبلها في الكفر والضلالة، وبما بقي بها من الخير والهدى ما لم يبق في غيرها من الأمم.
_________________
(١) ١، ٢ تقدم تخريجهما انظر: ص ١٢٢.
[ ٢١٩ ]