لقد بين الله ﷿ في كتابه الكريم أنه فضل بعض الرسل والأنبياء على بعض؛ فقال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ ١، وقال في آية أخرى: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ ٢.
قال الإمام ابن كثير: "ولا خلاف أن الرسل أفضل من بقية الأنبياء وأن أولي العزم منهم أفضلهم، وهم الخمسة المذكورون نصًا في آيتين من القرآن في سورة الأحزاب: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ٣، وفي الشورى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ٤، ولا خلاف أن محمدًا ﷺ أفضلهم ثم بعده إبراهيم ثم موسى على المشهور"٥.
_________________
(١) ١ سورة البقرة: آية ٢٥٣. ٢ سورة الإسراء: آية ٥٥. ٣ سورة الأحزاب: آية ٧. ٤ سورة الشورى: آية ١٣. ٥ تفسير القرآن العظيم ٥/ ٨٥.
[ ٢٢٦ ]
فنبينا ﷺ أفضل الخلق قاطبة، وهو سيد البشر، كما أخبر عن ذلك ﷺ في قوله: "أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون بم ذاك؟ " ١، ثم بين ﷺ أنه يشفع للخلق يوم القيامة حين لا يشفع هذه الشفاعة العظمى غيره من الأنبياء والرسل عليهم أفضل الصلاة والسلام.
وقال ﷺ في حديث آخر: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع" ٢.
وهو ﷺ حين يقول ذلك ويخبر به لا يقوله من باب التفاخر والتعالي؛ فقد صرح بنفي الفخر في رواية أخرى فقال: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" ٣؛ وإنما قاله لوجهين:
أحدهما: امتثال قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ ٤.
والثاني: أنه من البيان الذي يجب عليه تبليغه إلى أمته ليعرفوه ويعتقدوه ويعملوا بمقتضاه ويوقروه ﷺ بما تقتضي مرتبته، كما أمرهم الله تعالى٥.
ولأنه لا يمكننا معرفة ذلك إلا بخبره ﷺ؛ إذ لا نبي بعده يخبرنا بعظيم قدره عند الله٦.
_________________
(١) ١ م: كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة ص١٨٤، ح ٣٢٧، وص١٨٦، ح ٣٢٨. ٢ م: كتاب الفضائل، باب تفضيل نبينا ﷺ على جميع الخلائق ص١٧٨٢، ح ٢٢٧٨. ٣ جه: كتاب الزهد، باب ذكر الشفاعة ٢/ ١٤٤٠، ح ٤٣٠٨. وصححه الألباني، انظر: صحيح ابن ماجه ٢/ ٤٣٠، "شرح الطحاوية ص ١٧٠. ٤ سورة الضحى: آية ١١. ٥ النووي، شرح صحيح مسلم ١٥/ ٣٧. ٦ انظر: ابن أبي العز، شرح الطحاوية ١٧٤.
[ ٢٢٧ ]
ولا يشكل على تفضيله ﷺ على غيره من الأنبياء والمرسلين، ما ورد من قوله ﷺ في حديث أبي هريرة: "لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون فأكون أول من يفيق فإذا موسى باطش بجانب العرش؛ فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي أو كان ممن استثنى الله" ١، وقوله ﷺ في رواية أخرى: "لا تفضلوا بين الأنبياء" ٢، وقوله ﷺ: "لا ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس بن متى" ٣.
فإن المراد بالنهي: التفضيل المؤدي إلى تنقص المفضول من الأنبياء وهذا غير لازم لتفضيل النبي ﷺ؛ لأنهم أفاضل وهو أفضلهم من غير نقص أو تنقص لمكانتهم صلوات الله وسلامه عليهم.
وقال بعض أهل العلم: "المراد بالنهي: التفضيل المؤدي إلى الخصومة والتنازع، وقال بعضهم: أنه ﷺ نهى عن تفضيله على موسى أو غيره من الأنبياء تواضعًا وتأدبًا؛ وإلا فهو أفضلهم"٤.
عموم رسالته:
وإن من أعظم ما به فضل نبي هذه الأمة صلوات الله وسلامه عليه، ما خصه الله به، من عموم البعثة، وشمول الرسالة لجميع الأمم، وليس ذلك لأحد قبله من إخوانه الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
_________________
(١) ١ خ: الأنبياء، باب وفاة موسى ٦/ ٤٤١، ح ٣٤٠٨. ٢ هو رواية أخرى لحديث أبي هريرة قبله. انظر: الفتح ٦/ ٤٤٤، وتخريج الألباني لشرح الطحاوية ص١٧١. ٣ خ: أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، ٦/ ٤٥٠، ح ٣٤١٣. ٤ انظر: تفصيل ذلك في المراجع التالية: فتح الباري ٦/ ٤٤٦، وشرح النووي على مسلم ١٥/ ٣٨، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ١/ ٤٤٩، وشرح العقيد الطحاوية ص١٧١ وما بعدها.
[ ٢٢٨ ]
وفي بيان عموم رسالته يقول المولى ﵎: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ١. قال الإمام ابن جرير في تفسيرها: "يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ "قُلْ" يا محمد للناس كلهم ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ لا إلى بعضكم دون بعضِ، كما كان من قبلي من الرسل مرسلًا إلى بعض الناس دون بعض؛ فمن كان منهم أرسل كذلك، فإن رسالتي ليست إلى بعضكم دون بعض، ولكنها إلى جميعكم"٢.
وقال الإمام ابن كثير: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وهذا خطاب للأحمر والأسود، والعربي والعجمي، ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾؛ أي: جميعكم، وهذا من شرفه وعظمته أنه خاتم النبيين، وأنه مبعوث إلى الناس كافة، ثم ذكر بعض الآيات الدالية على ذلك وقال: والآيات في هذا كثيرة، كما أن الأحاديث في هذا أكثر من أن تحصر.
وهو معلوم من دين الإسلام ضرورة أنه صلوات الله وسلامه عليه رسول الله إلى الناس كلهم"٣.
ومن الآيات الدالة على عموم رسالته ﷺ قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ٤، وقوله ﷿: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِين﴾ ٥. ومن الأحاديث الواردة في ذلك ما جاء في الصحيين من حديث جابر بن عبد الله؛ أن رسول الله ﷺ قال: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بارعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي،
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: آية ١٥٨. ٢ جامع البيان عن تأويل آي القرآن ١٣/ ١٧٠. ٣ تفسير القرآن العظيم ٣/ ٤٨٨. ٤ سورة سبأ آية ٢٨. ٥ سورة الأنبياء آية ١٠٧.
[ ٢٢٩ ]
وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة" ١.
وكل الأنبياء والرسل قبله صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، كانوا يبعثون إلى أقوامهم خاصة دون غيرهم. كما أخبر الله ﷿؛ فقال عن نوح: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ ٢. وقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ ٣. وقال عن هود ﵇: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ ٤، وقال عن صالح ﵇: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ ٥، وقال عن لوط ﵇: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ ٦ وقال عن شعيب ﵇: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ ٧، وقال عن موسى ﵇: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ، إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَأِه﴾ ٨، وقال عن عيسى ﵇: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ﴾ ٩. وقال في حق محمد ﷺ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ لجميع الناس؛ بل والجن أيضًا، قد ثبت أنه ﷺ مرسل إليهم أيضًا، وقد بلغهم ﷺ كما ِأخبر المولى بذلك في قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ
_________________
(١) ١ خ: التيمم، ١/ ٤٣٥- ٤٣٦، ح ٣٣٥، م.:المساجد، ٢/ ٦٣. ٢ سورة نوح: آية ١. ٣ سورة الأعراف: آية ٥٩. ٤ سورة الأعراف: آية ٦٥. ٥ سورة الأعراف: آية ٧٣. ٦ سورة الأعراف: آية ٨٠. ٧ سورة الأعراف: آية ٨٥. ٨ سورة هود: آية ٩٦- ٩٧. ٩ سورة آل عمران: آية ٤٩.
[ ٢٣٠ ]
وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم﴾ ١.
قال الإمام البيهقي: "فبان بقوله: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ أنهم عرفوا أنه مبعوث إليهم، وسمعوا دعوته إياهم والذين لم يحضروه من جملتهم؛ فلذلك قالوا: يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به، فقالوا: آمنا به"٢، كما دل على ذلك قوله ﷿: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ ٣.
وقال الإمام ابن كثير في تفسيره لآية "الأحقاف": "فيه دلالة على أنه تعالى أرسل محمدًا صلوات الله وسلامه عليه إلى الثقلين الإنس والجن؛ حيث دعاهم إلى الله وقرأ عليهم السورة التي فيها خطاب الفريقين وتكليفهم ووعدهم ووعيدهم، وهي سورة الرحمن، ولهذا قال: ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّه﴾ ٤.
ختم النبوة به:
ومما يدل على مبلغ فضله ﷺ وعلو مقامه، أن الله ختم به النبوات، وبرسالته الرسالات، فلا تحتاج البشرية بعده إلى نبي، ولا بعد رسالته ودينه الكامل الشامل إلى رسالة أو دين. يقول ﷿: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ٥.
وفي الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ سورة الأحقاف آية ٢٩- ٣١. ٢ الجامع لشعب الإيمان، "ط. الأولى ١٤٠٨ هـ ١٩٨٨ م. نشر: الدار السلفية، بومباي - الهند"، ٤/ ١٠٤. ٣ سورة الجن: آية ١- ٢. ٤ تفسير القرآن العظيم ٧/ ٢٨٦. ٥ الأحزاب: آية ٤٠.
[ ٢٣١ ]
قال: "إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا؛ فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين" ١.
وبعد: فإن هذه الأمة إنما حازت قصب السبق إلى الخيرات بينهما محمد ﷺ؛ فإنه أشرف خلق الله وأكرم الرسل على الله، بعثه الله بشرع كامل عظيم، لم يعطه نبيًا قبله ولا رسولًا من الرسل؛ فالعمل على منهاجه وسبيله، يقول القليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه٢.
ولأمة يختار الله لها أفضل رسله، وأعلاهم مكانة ومنزلة عنده وأحبهم إليه فيبعثه فيها هاديًا ونبيًا ورسولًا. لهي أمة حرية بأن تكون خير أمة؛ لأنها أمة خير الخلق والرسل منه تعلمت وعلى يديه تربت وبه بذت الأمم.
_________________
(١) ١ خ: كتاب المناقب، باب خاتم النبيين ٦/ ٥٥٨، ح ٣٥٣٥. ٢ انظر: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم ٢/ ٧٨.
[ ٢٣٢ ]