قبل بدء القول في فصول هذا الباب ومباحثه أود أن أوضح ثلاثة أمور يحسن أن نلقي الضوء عليها.
الأمر الأول: علاقة وسطية هذه الأمة بوسطية أهل السنة.
الأمر الثاني: معاني الأمة والمراد منها في موضوعنا.
الأمر الثالث: التذكير بمعنى الوسطية والتركيز على معنى الوسطية المثبتة لهذه الأمة.
فأما الأمر الأول: وهو العلاقة بين وسطية هذه الأمة ووسطية أهل السنة
فاعلم أن وسطية أهل السنة والجماعة في هذه الأمة؛ إنما هي في حقيقتها امتداد الوسطية هذه الأمة وعدالتها وخيرتها؛ بل إن أهل السنة الذين هم أصحاب رسول الله ﷺ ومن تبعهم بإحسان من هذه الأمة على ما كانوا عليه من الهدي والتمسك بالكتاب والسنة هم النموذج لهذه الأمة، التي أثنى الله عليها خيرًا فقال: ﴿كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ١.
وقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية ١٤٣.
[ ١٥٥ ]
الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ١.
فعند تنزل هذه الآية الكريمة، كان أصحاب رسول الله ﷺ هم الأمة؛ ولذلك قال السلف إن المراد بـ "الأمة" الصحابة عامة، أو بعض فئات منهم٢.
فالحصابة رضوان الله عنهم، ثم من اتبعهم واقتدى بهم واهتدى بهديهم ممن جاء بعدهم من القرون يمثلون الأمة الوسط المذكورة والمعنية في الآية الكريمة.
ثم لما بدأ التفرق والخلاف في هذه الأمة في أواخر عهد الصحابة لعوامل كثيرة -سنعرض لها في موضعها إن شاء الله تعالى- انحرف أكثر فرق الأمة عن الصراط المستقيم، وأخذت بهم السبل ذات اليمين وذات الشمال. بين غال، وجاف، ومفرط ومفرد، فانحطت وسطية هذه الفرق بقدر إفراطها وتفريطها وغلوها وجفوها، وبقدر ما ابتعدت عما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، على أنه لا يزال اسم الأمة يصدق على الجميع لقوله ﷺ في حديث الافتراق: "وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" ٣؛ فجعلهم جميعًا أمته مع تفرقهم وكونهم في النار إلا واحدة، كما أخبر ﷺ.
ولا يزال فيهم من الخير والوسطية والعدالة أكثر مما في غيرهم من فرق الأمم السابقة؛ فعموم الوسطية ثابت لهم على غيرهم؛ لأن كل شر فيهم فهو في غيرهم من فرق الأمم السابقة أكثر وأعظم، وكل خير وفضل في فرق الأمم السابقة؛ ففي فرق هذه الأمة ما هو خير منه وأعظم.
فالخيرية والوسطية ثابتة لهذه الأمة على سائر الأمم، وخير هذه الأمة
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية ١١٠. ٢ أخرج ذلك الإمام ابن جرير في تفسيره عن ابن عباس وعمر بن الخطاب وعكرمة ﵃ "٧/ ١٠١- ١٠٢". ٣ تقدم تخريجه. انظر: ص ٤٨.
[ ١٥٦ ]
وأوسطها وأعدلها أهل السنة والجماعة من أصحاب رسول الله ﷺ ومن تبعهم لقوله ﷺ: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" ١؛ فهم كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أهل السنة في الإسلام كأهل الإسلام في الملل"٢.
فكل خير وفضل وعدل ثبت لهذه الأمة فلأهل السنة والجماعة منه الحظ الأوفر والقدح المعلي.
وعندما نثبت وسطية هذه الأمة، وخيرتها وعدالتها؛ فإنما نثبت كل ذلك لأهل السنة بطريق الأولى؛ لأنهم خير هذه الأمة وأوسطها. وهم الطائفة التي تتحقق فيها الوسطية المطلقة لهذه الأمة.
الأمر الثاني: معنى الأمة
يأتي لفظ "أمة" في لغة العرب لعدة معاني:
أحدها: أنها بمعنى الشريعة والدين.
ومنه قوله ﷿: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ ٣، وقوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ ٤.
الثاني: بمعنى: الرجل الذي لا نظير له:
ومنه قوله ﷿: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ ٥.
الثالث: بمعنى: الحين من الزمن:
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه. انظر ص ٩٧. ٢ انظر: الفتاوى ٤/ ١٤٠. ٣ سورة الزخرف آية ٢٢. ٤ سورة البقرة آية ٢١٣. ٥ سورة النحل آية ١٢٠.
[ ١٥٧ ]
ومنه قوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّة﴾ ١، قال الفراء: "أي: بعد حين من الدهر"٢.
الرابع: بمعنى: الجماعةمن الناس وغيرهم:
فأما بمعنى الجماعة من الناس:
فمنه قوله ﷿: ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ ٤. وقوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ ٥، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ٦، وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ٧.
وأما الجماعة من غير الناس:
فمنه قوله ﷿: ﴿وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ ٨، وقوله ﷺ: "لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها" ٩، ١٠.
_________________
(١) ١ سورة يوسف ىية ٤٥. ٢ ابن منظور، لسان العرب ١٢/ ٢٧. ٣ سورة القصص: آية ٢٣. ٤ سورة البقرة: آية ١٢٨. ٥ سورة البقرة: آية ١٣٤. ٦ سورة البقرة: آية ١٤٣. ٧ سورة آل عمران: آية ١١٠. ٨ سورة الأنعام: آية ٣٨. ٩ ت: كتاب الأحكام والفوائد، باب ما جاء في قتل الكلاب ٤/ ٧٨، ح ١٤٨٦، من حديث عبد الله بن مغفل، وقال الترمذي: حديث عبد الله ابن مغفل حسن صحيح ٤/ ٧٩، وقال الألباني: صحيح انظر: صحيح جامع الترمذي ٢/ ٨٥، ح ١٢٠١. ١٠ انظر هذه المعاني في: لسان العرب ١٢/ ٢٢- ٢٧ مادة: "أمم".
[ ١٥٨ ]
المراد بالملة في الاصطلاح الشرعي:
يراد بالملة في لسان الشارع. أحد أمرين:
الأول: أمة الدعوة.
الثان: أمة الإجابة.
يقول الإمام النووي ﵀: "لفظ الأمة يطلق على معان منها:
١- من صدق النبي ﷺ، وآمن بما جاء به، وتبعه فيه وهذا هو الذي جاء مدحه في الكتاب والسنة، كقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة﴾، وكقوله ﷺ: "شفاعتي لأمتي" ١ وقوله: "تأتي أمتي غرًا محجلين" ٢ وغير ذلك.
٢- ومنها: من بعث إليهم النبي ﷺ من مسلم وكافرِ، ومنه قوله ﷺ "والذي نفس محمد بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" رواه مسلم في "صحيحه" في كتاب الإيمان٣، ٤.
فالمراد بالأمة الوسط في قوله ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أمة الإجابة، وهم كل من أجاب دعوة الرسول ﷺ، وآمن به واتبعه، على تفاوت بينهم في الإصابة من هذا الثناء كما تقدمت الإشارة إلى ذلك.
_________________
(١) ١ خ: كتاب التوحيد، باب المشيئة والإرادة ١٣/ ٤٤٧، ح ٧٤٧٤. ٢ خ: كتاب الوضوء، باب فضل الوضوء، والغر المحجلون من آثار الوضوء ١/ ٢٣٥، ح ١٣٦، من حديث أبي هريرة ﵁. ٣ باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس ونسخ الملل ١/ ١٣٤، ح ٢٤٠ من حديث أبي هريرة ﵁. ٤ انظر: تهذيب الأسماء واللغات ٣/ ١١.
[ ١٥٩ ]
الأمر الثالث: معاني الوسطية المثبتة لهذه الأمة
تقدم في أول التمهيد شرح معنى الوسط والتوسط في اللغة، وفي لسان الشرع، وأريد هنا أن أبين معاني الوسطية المثبتة لهذه الأمة في قوله ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ١.
فالذي يتلخص لنا مما تقدم٢ أن للوسطية المشار إليها في الآية الكريمة ثلاثة معان:
المعنى الأول: العدالة
وهذا المعنى نص عليه النبي ﷺ في تفسير هذه الآية فقال: بعد أن تلا الآية: "والوسط: العدل"٣. وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، قال: عدولًا"٤. وروي هذا التفسير موقوفًا عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما٥.
ولذلك جعل الله هذه الأمة شاهدة على الناس، ورتب هذه الشهادة على كونها وسطًا؛ أي: عدلًا؛ إذ العدالة من شروط قبول الشهادة.
والوسط في حقيقته يتضمن معنى العدل؛ وإنما سمي العدل: "وسطًا"؛ لأنه لا يميل إلى أحد الخصمين.
"فالوسط في الأصل: هو اسم للمكان الذي تستوي إليه المساحة من
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية ١٤٣. ٢ انظر: ص ١٥ وما بعدها. ٣ خ: كتاب التفسير، سورة البقرة ٨/ ١٧١ ح، وهو طرف من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وسيأتي بتمامه. ٤ جامع البيان عن تأويل آي القرآن ٣/ ١٤٣، ح ٢١٦٨. ٥ نفس المصدر ٣/ ١٤٤- ١٥٤.
[ ١٦٠ ]
الجوانب في المدور، ومن الطرفين في المطول، كمركز الدائرة ولسان الميزان من العمود، ثم استعير للخصال المحمودة لوقوعها بين طرفي إفراط وتفريط"١.
فكما أن جميع الجهات تتساوى أبعادها بالنسبة للوسط؛ فكذلك العدل يتساوى لديه الخصمان ولا يميل إلى إحداهما. فإذا مال لم يكن عدلًا ولا وسطًا.
المعنى الثاني: الخيرية
فمعنى قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾؛ أي: خيارًا. قال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: "يقول تعالى: إنما حولناكم إلى قبلة عإبراهيم علي السلام، واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأمم، لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم؛ لأن الجميع معترفون لكل بالفضل. والوسط هاهنا: الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسط العرب نسبًا ودارًا؛ أي: خيراها، وكان رسول الله ﷺ وسطًا في قومه؛ أي: أشرفهم نسبًا"٢ فالوسط من كل شيء خياره، وقد تقدم ذلك في معاني الوسط في الغلة في أول التمهيد٣.
وقد أخبر الله ﷿ عن خيرية هذه الأمة بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ٤.
المعنى الثالث: أن الوسط في الآية بمعنى الاعتدال والتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط:
وهذا المعنى اختاره الإمام ابن جرير الطبري في تفسير الآية فقال: "وأنا أرى أن "الوسط" في هذا الموضع، هو الوسط الذي بمعنى: الجزء الذي هو بين الطرفين، مثل "وسط الدار" محرك الوسط مثقله، غير جائز في "سينه".
_________________
(١) ١ أبو البقاء: الكليات ٥/ ٣٩. ٢ تفسير القرآن العظيم ١/ ٢٧٥. ٣ انظر: ص ١٥ وما بعدها. ٤ سورة آل عمران آية ١١٠.
[ ١٦١ ]
التخفيف، قال: وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم "وسط"؛ لتوسطهم في الدين؛ فلا هم أهل غلو فيه، غلو النصارى الذين غلوا بالترهيب، وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه، تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم، وكذبوا على ربهم، وكفروا به؛ ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك إذا كان أحب الأمور إلى الله أوسطها"١.
وكل من هذا المعاني الثلاثة صحيح، والآية صالحة للجميع، وهي معان متلازمة مترابطة؛ فالعدول، لا يكونون إلا خيارًا، بل لا تتوفر العدالة إلا في خيار الناس لا في فساقهم وسفلتهم فإنهم ليسوا مظنة عدالة.
والخيار لا بد أن يتصفوا بالعدالة؛ فإذا كانوا ظلمة جائرين فليسوا بخيار.
وأما التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، وبين الغلاة، والجفاة، فإنه عدل واعتدل. وهو خير من الميل إلى أحد الطرفين المذمومين.
وهذه الأمة أمة وسط بين الأمم بكل ما تدل عليه كلمة "وسط" من معنى؛ فهي خير الأمم وأفضلها وأشرفها وأكملها كما أخبر الله بذلك عنها، وهي أعدل الأمم ولذلك أعدها الله لتكون شاهدة على الناس، وهي آخذة بمركز الوسط بين الإفراط والتفريط والغلو والتقصير.
ولتفصيل هذه المعاني الثلاثة للوسطية، جعلت هذا الباب في ثلاثة فصول:
الأول: في عدالة هذه الأمة.
الثاني: في خيرية هذه الأمة وفضلها.
الثالث: في اعتدال هذه الأمة وتوسطها بين طرفي الإفراط والتفريط والغلو والتقصير.
_________________
(١) ١ جامع البيان ٣/ ١٤٢.
[ ١٦٢ ]