ولذلك نجد أئمة السلف كثيرًا ما يفرقون بين السنة والحديث، ويجعلون السنة في مقابل البدعة، والحديث هو أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته.
فهذا الإمام الشافعي ﵀ يروي عنه الربيع بن سليمان١ قائلًا: قال لنا الشافعي: أحمد إمام في ثمان خصال: إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في اللغة، إمام في القرآن، إمام في الفقر٢، إمام في
_________________
(١) ١ هو: الربيع بن سليمان المرادي المؤذن، خادم الشافعي وراوي كتبه، كان الشافعي يقول: إنه أحفظ أصحابي، ولد سنة ١٧٤، ومات سنة ٢٧٠هـ، وانظر ترجمته لدي: ابن هداية الله الحسيني: طبقات الشافعية، بتحقيق عادل نويهض، ط. الثالثة، ١٤٠٢ هـ. نشر: دار الآفاق الجديدة - بيروت"، ص٢٤. ٢ الفقر في اللغة: ضد الغني، وقدر ذلك أن يكون له ما يكفي عياله. ابن منظور، لسان العرب ٥/ ٦٠، ولفظ الفقر في الشرع يراد به: الفقر من المال، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾، [التوبة: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾، [فاطر: ١٥] . انظر: ابن تيمة الفتاوي ١١/ ١٩٦. وكان افمام أحمد ﵀ إمامًا في الفقر؛ فقد روى عنه المروزي أنه قال: ما أعدل بالفقر شيئًا، ما أعدل بالفقر شيئًا، ما أعدل بالفقر شيئًا. أنا أفرح إذا لم يكن عندي شيء، وفي =
[ ٣٨ ]
الزهد١، إمام في الورع، إمام في السنة٢.
وقال عبد الرحمن بن مهدي٣: "الناس على وجوه، فمنهم من هو إمام في السنة، إمام في الحديث، ومنهم من هو غمام في الحديث؛ فأما من هو إمام في السنة وإمام في الحديث فسفيان الثوري٤"٥.
ويشرح لنا الإمام ابن الصلاح٦ الفرق بين السنة والحديث عندما سئل
_________________
(١) = رواية أخرى أنه قال: ما أعدل بالصبر على الفقر شيئًا. قلت: وهو الأشبه بمثل الإمام؛ فإن الفقر قد تعوذ الرسول ﷺ منه؛ فكيف لا يعدل الإمام أحمد به شيئًا ويفرح به، أما الصبر عليه إذا ابتلي به فلذلك مما يحمد، وعليه يخرج قول الإمام أحمد ﵀. انظر: ابن الجوزي، مناقب الإمام أحمد "ط. الثالثة، ١٤٠٢ هـ، نشر: دار الآفاق"، ص٢٧٣. ١ الزهد في اللغة: ضد الرغبة والحرص على الدنيا، والزهد في الشرع: هو ترك الرغبة فيما لا ينفع في الدار الآخرة، وهو فضول المباح التي لا يستعان بها على طاعة الله. ابن تيمية: الفتاوى ١٠/ ٢١. وكان الإمام أحمد إمامًا في ذلك فكان يقول: إنما هو طعام دون طعام ولباس دون لباس، وصبر أيامًا قلائل، ابن الجوزي، مناقب الإمام أحمد، ص٢٤٨. ٢ القاضي أبو الحسين محمد بن أبي يعلى. طبقات الحنابلة "نشر: دار المعرفة"، ١/ ٥. ٣ هو ابن حسان العنبري مولاهم أبو سعيد البصري حافظ عارف بالرجال والحديث "١٣٥- ١٩٨ هـ"، انظر: التقريب ١/ ٤٩٩، والتذكرة ١/ ٣٢٩. ٤ هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، شيخ الإسلام وأمير المؤمنين في الحديث، مات سنة ١٦١. انظر: التذكرة ١/ ٢٠٣، والتقريب ١/ ٣١١. ٥ انظر: اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ٦٣. ٦ هو: تقي الدين ابن الصلاح الحافظ شيخ الإسلام أبو عمر عثمان بن عبد الرحمن الشهروزي، ولد سنة ٥٧٧، ومات سنة ٦٤٣ هـ، قال ابن خلكان: كان أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه وأسماء الرجال وما يتعلق بعلم الحديث ونقل اللغة. وكانت فتاويه مسددة. انظر: وفيات الأعيان، "بتحقيق د. إحسان عباس. نشر: دار صادر"، ٣/ ٢٤٣، وانظر: شذرات الذهب ٥/ ٢٢١.
[ ٣٩ ]
عن قول بعضهم عن الإمام مالك -﵁- أنه جميع بين السنة والحديث، فما الفرق بين السنة والحديث؟
أجاب: "السنة ههنا ضد البدعة، وقد يكون الإنسان من أهل الحديث، وهو مبتدع، ومالك -﵁- جمع بين السنتين؛ فكان عالمًا بالسنة؛ أي: الحديث، ومعتقدًا للسنة؛ أي: كان مذهبه مذهب أهل الحق من غير بدعة، والله أعلم"١.
ولذلك نجد شيخ الإسلام ابن تيمية، عندما يذكر أهل الحديث، ووراثتهم للأنبياء، وإمامتهم، يتحفظ وبين أن المقصود بهم من يجمع بين الرواية والدراية والإتباع.
فيقول: ونحن لا نعني بأهل الحديث: المقتصرين على سماعه، أو كتابته، أو روايته؛ بل نعني بهم: كل من كان أحق بحفظه، ومعرفته، وفهمه ظاهرًا وباطنًا، وإتباعه باطنًا، وظاهرًا، وكذلك أهل القرآن٢.
_________________
(١) ١ فتاوي ابن الصلاح "بتحقيق د. عبد المعطي أمين قلعجي. نشر: دار المعرفة - بيروت"، ١/ ٢١٣. ٢ مجموع الفتاوى "جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، ط. المكتب التعليمي السعودي في المغرب"، ٤/ ٩٥.
[ ٤٠ ]