تمهيد:
تقدم في أول هذا الباب أن الاعتدال والتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط هو أحد معاني الوسطية المثبتة لهذه الأمة في قوله ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ١. وهو المعنى الذي مقال إليه الإمام ابن جرير ﵀ في تفسير الآية كما تقدم على أن اختياره له، لا ينافي المعاني الأخرى الثابتة في معنى الوسطية، والتي تقدم الكلام عليها في الفصلين السابقين من هذا الباب.
وإن المتأمل في دين هذه الأمة واعتقادها، وعبادتها ومعاملاتها، ومواقفها بعامة؛ ليدرك أن الاعتدال والتوازن والتوسط أحد الخصائص الهامة التي تميزت بها هذه الأمة.
فهي وسط بين الأمم، آخذه بزمام الاعتدال والتوازن، بعيدة عن طرفي الإفراط والغلو، والتفريط والتقصير والجفاء إذ كلاهما مذموم غير محمود، وغاية البعد عنهما هو التوسط بينهما؛ إذ هو نقطة التوازن والاعتدال.
ولعل من أهم مظاهر اعتدالها وتوسطها؛ كونها وسطًا بين الأمم الجوانب التالية:
١- في توحيد الله وصفاته:
فهي وسط في ذلك بين اليهود والنصارى.
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية ١٤٣.
[ ٢٣٧ ]
فاليهود وصفوا الرب بصفات النقص التي يختص بها المخلوق، وشبهوا الخالق بالمخلوق؛ فقالوا: إنه بخيل، وإنه فقير، وإنه لما خلق السماوات والأرض تعب فاستراح يوم السبت. إلى غير ذلك من قبيح قولهم.
والنصارى: وصفوا المخلوق بصفات الخالق التي يختص بها؛ فشبهوا المخلوق بالخالق؛ حيث قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، وإن الله ثالث ثلاثة، وقالوا: المسيح ابن الله، وقالوا: إنه يخلق ويرزق ويغفر ويرحم ويتوب على الخلق ويثيب ويعاقب.
والمسلمون: وحدوا الله ﷿، ووصفوه بصفات الكمال، ونزهوه عن جميع صفات النقص، وأن يشابهه أو يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات، وقالوا: ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته١.
٢- في أنبياء الله ورسله:
فهذه الأمة في هذا الباب أيضًا وسط بين اليهود والنصارى.
فاليهود: قتلوا الأنبياء والذين يأمرون بالقسط من الناس، ورموهم بارتكاب الكبائر، وكذبوهم، وجفوهم، واستكبروا عن اتباعهم.
والنصارى: غلوا فيهم فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، والمسيح ابن مريم.
وأما المسلمون: فأنزلوهم منازلهم وعزروهم ووقروهم، وصدقوهم ولم يكذبوهم وأحبوهم وأطاعوهم وآمنوا بهم جميعًا عبيدًا لله رسلًا مبشرين ومنذرين، ولم يعبدوهم أو يتخذوهم أربابًا من دون الله.
_________________
(١) ١ راجع: شيخ الإسلام ابن تيمية، منهاج السنة ٥/ ١٦٨- ١٦٩، والوصية الكبرى ص ١٤.
[ ٢٣٨ ]
٣- في الشرائع:
فاليهود: منعوا الخالق أن يبعث رسولًا بغير شريعة الرسول الأول، وقالوا: لا يجوز أن ينسخ ما شرعه، أو يمحو ما يشاء ويثبت.
والنصارى: جوزوا لأحبارهم وأكابر علمائهم وعبادهم أن يغيروا دين الله فيأمروا بما شاءوا، وينهوا عما شاءوا، كما ذكرالله ذلك عنهم؛ بقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١، جاء في حديث عدي بن حاتم ﵁ أن النبي ﷺ قال بعد هذه الآية: "أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم؛ ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه" ٢.
والمسلمون: قالوا: لله الخلق والأمر، يمحوا ما يشاء ويثبت، وقالوا: إن الله يحكم ما يريد، وأما المخلوق؛ فليس له أن يبدل أمر الخالق تعالى، مهما بلغت منزلته وعظم قدره.
٤- في أمر الحلال والحرام:
هي في ذلك أيضًا متوسطة معتدلة، وهي وسط بين اليهود والنصارى.
فاليهود: حرم عليهم كثير من الطيبات؛ مما حرمه إسرائيل على نفسه ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًاّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ ٣، ومما حرمه الله عليهم جزاء بغيهم وظلمهم، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا، وَأَخْذِهِمُ
_________________
(١) ١ سورة التوبة: آية ٣١. ٢ ت: كتاب التفسير، باب ومن سورة التوبة ٥/ ٢٧٨، ح ٣٠٩٥، وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث. وقال الألباني: "حسن" صحيح الترمذي ٣/ ٥٦، ح ٢٤٧١. ٣ سورة آل عمران: آية ٩٣.
[ ٢٣٩ ]
الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ ١.
والنصارى: أسرفوا في الإباحة، وأحلوا ما نصت التوراة على تحريمه، ولم يأت المسيح بإباحته؛ فاستحلوا الخبائث وجميع المحرمات، كالميتة والدم ولحم الخنزير، حتى إنهم يتعبدون بالنجاسات كالبول والغائط ولا يغتسلون من جنابة، ولا يتطهرون لصلاة، وكلما كان الراهب عندهم أبعد عن الطهارة وأكثر ملابسة للنجاسات كان مغظمًا عندهم٢.
والمسلمون: أحلوا ما أحله الله ورسوله لهم من الطيبات، وحرموا ما حرم عليهم من الخبائث، واتبعوا في ذلك ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ ٣.
٥- في العبادة:
وهم وسط في ذلك بين:
اليهود: الذين أعرضوا عن العبادات، واستكبروا عن عبادة الله، وتشاغلوا بالشهوات، وعبدوا أنفسهم للمادة، واشتغلوا بديناهم عن دينهم وآخرتهم؛ حتى إنك تكاد لا تجد فيما بين أيديهم من كتابهم ذكرًا للجزاء الأخروي على الأعمال والعبادات؛ وإنما يجعلون جزاء ذلك في الدنيا، من زيادة في المال والرزق ومعافاة في الجسد والبدن، وإن وجد ذكر لذلك وهو قليل، فعمل القوم على خلافه.
_________________
(١) ١ سورة النساء: آية ١٦٠- ١٦١. ٢ انظر: ابن تيمية، كتاب الصفدية، بتصرف ٢/ ٣١٣، "بتحقيق د. محمد رشاد سالم، ط. الثانية ١٤٠٦ هـ". ٣ سورة الأعراف من آية ١٥٧.
[ ٢٤٠ ]
والنصارىِ: غلوا في الرهبنة، وتعبدوا ببدع ما أنزل الله بها من سلطان، ولا أمرهم بها نبي ولا رسول، فاعتزلوا الناس، وانقطع عبادهم في الأديرة والخلوات وألزموا أنفسهم ما لم يلزمهم الله به مما يشق على النفس والجسد، ويغالب الفطرة البشرية ويضادها؛ فلم يستطيعوا الوفاء ألزموا أنفسهم به من ذلك كما قال ﷿ عنهم: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ١.
والمسلمون: عبدوا الله وحده بما شرع، ولم يعرضوا ويستكبروا عن عبادته كما فعل اليهود، ولم يبتدعوا في عبادتهم ما لم يأذن به الله، كما فعل النصارى.
ولم يقصروا فيما فرض عليهم من العبادات، وأمروا به من الفراض والنوافل ولم يفرطوا في التعبد فيحملوا أنفسهم ما لا يطيقون؛ بل كانوا بين ذلك على صراط مستقيمِ، فصاموا وأفطروا، وقاموا الليل، وناموا، وتزوجوا النساء وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنسهم ولم ينسو نصيبهم وحظوظهم من الدنيا، قدوتهم في ذلك نبهيم ﷺ.
وبعد:
فجوانب وسطية هذه المة كثيرة ومظاهر ذلك يتعذر علينا حصرها، بله تفصيلها؛ فليس ذلك بسمتطاع في مثل هذا المقام؛ ولكن سنكتفي بما سبق أن أجملنا ذكره من ذلك، وسنعرض بشيء من التفصيل للمظهر الأول والثاني في المبحثين الآتيين، وبالله التوفيق.
_________________
(١) ١ سورة الحديد من آية ٢٧.
[ ٢٤١ ]