إن التالي لكتاب الله ﷿، ليجد في كثير من الآيات الكريمات ذكر اسم من أسماء الله ﵎، أو صفة من صفاته.
وكذلك يجد المطالع للسنة المطهرة عددًا من الأحاديث الشريفة تشتمل على ذكر اسم من أسماء الله الحسنى أو صفة من صفاته العلى.
وكان أصحاب رسول الله ﷺ يتلون آيات الله ﷿، ويتلقون عن رسول الله ﷺ سنته المطهرة.
ونجزم أنهم كانوا يقرأون القرآن قراءة تدبر، وأنهم كانوا يفهمون معاني ما يتلون ويقرأون؛ لأنهم يتلونه ليعلموا به، فيحلوا حلاله، ويحرموا حرامه، ويعملوا بمحكمه ويؤمنوا بمتشابهه.
وكذلك كان تلقيهم لسنة رسول الله ﷺ، تلقى فهم وتدبر؛ لأنهم متعبدون بالعمل بها كما هم متعبدون بالقرآن.
وإذا أشكل عليهم شيء مما جاء فيها، أو خفي عليهم معناه، أو عزب أن أذهانهم فهم المراد منه، سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك فبين لهم ما نزل إليهم، ويوضح ما خفي عليهم.
جاء في "الصحيح": "أن عائشة زوج النبي ﷺ﵂كانت
[ ٣٠٥ ]
لا تسمع شيئًا لا نعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه، وأن النبي ﷺ قال: من حوسب عذب، قالت عائشة فقلت: أوليس يقول الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ ١ قالت: فقال: إنما ذلك الغرض؛ ولكن من نوقش الحساب يهلك"٢.
ومع ذلك لم يرد قط من طريق صحيح، ولا سقيم، عن أحد من الصحابة ﵃ على اختلاف طبقاتهم، وكثرة عددهم أنه سأل رسول الله ﷺ عن معنى شيء مما وصف الرب سبحانه به نفسه الكريمة، في القرآن الكريم، وعلى لسان نبيه ﷺ؛ بل كلهم فهموا معنى ذلك وسكنوا عن الكلام في الصفات٣.
وربما اختلفوا ﵃ في شيء من الأحكام وأمور الحلال والحرام؛ لكنهم لم يختلفوا في أسماء الله وصفاته وإثبات ما ورد منها.
يقول الإمام ابن القيم ﵀ عليه موضحًا شأنهم في ذلك: "وقد تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام، وهم سادات المؤمنين، وأكمل الأمة إيمانًا؛ ولكن بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال، بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة، كلمة واحدة من أولهم إلى آخرهم، لم يسوموها تأويلًا، ولم يحرفوها عن مواضعها تبديلًا، ولم يبدوا لشيء منها إبطالًا، ولا ضربوا لها أمثالًا، ولم يدفعوا في صدروها وأعجازها، ولم يقل أحد منهم يجب صرفها عن حقائقها وحملها على مجازها، بل تلقوها بالقبول والتسليم وقابلوها بالإيمان والتعظيم وجعلوا الأمر فيها كلها أمرًا.
_________________
(١) ١ سورة الانشقاق آية ٨. ٢ خ: كتاب العلم، باب من سمع شيئًا فراجع فيه ١/ ١٩٦، ح ١٠٣. ٣ انظر: المقريزي، الخطط ٢/ ٣٥٦.
[ ٣٠٦ ]
واحدًا، وأجروها على سنن واحد"١.
مضى عصر الصحابة على ذلك، كلمتهم واحدة، ليس لهم في ذلك قولان، ولا تنازع في هذا الباب منهم اثنان.
ثم خلف من بعدهم أخلاف، وبسقت قرون بدع، ونبتت نوابت فرقة واختلاف، فاختلف الناس في هذا الباب بعد ائتلاف؛ فكانوا طوائف ثلاث:
الأولى: أهل تعطيل.
الثانية: أهل تمثيل.
الثالثة: أهل سواء سبيل.
فأما أهل التعطيل: فقد قالوا بنفي أسماء الله وصفاته، وبعضهم أثبت الأسماء ونفي الصفات، وأمثلهم أثبت الأسماء وبعض الصفات، ونفي أو أول البعض الآخر، وهم طوائف. بينهم تفاوت.
وأما أهل التمثيل: فمالوا إلى ضروب من التمثيل والتشبيه، وهم أيضًا طوائف، ما بين مشبه للمخلوق بالخالق، وآخر مشبه للخالق بالمخلوق.
وأما أهل سواء السبيل: فهم الذي سلكوا سبيل ذلك الرعيل الذي عاصر التنزيل؛ أعني: الصحابة الكرام رضوان الله عليهم؛ اقتدوا بهم، واهتدوا بهديهم؛ فكان قولهم كقولهم، وهؤلاء هم أهل السنة وجامعة الذين سلموا من ضلالة النفي والتعطيل، ولم يرتكسوا في حمأة التشبيه والتمثيل، وكانوا بين ذلك على هدي قاصد وصراط مستقيم.
وفي هذا الفصل سنعرض بإذن الله لبيان قول كل من الطوائف الثلاثة في هذا الباب من خلال كتبهم ومصنفاتهم ما وجدت إلى ذلك سبيلًا، أو من خلال
_________________
(١) ١ انظر: إعلام الموقعين ١/ ٥١- ٥٢.
[ ٣٠٧ ]
ما نقل وأثر من أقوال أئمتهم ورواد نحلتهم، ثم نذيل الفصل بذكر طرف من أقوال أهل العلم التي أشاروا فيها إلى وسطية قول أهل السنة في هذا الباب، ونماذج مختارة من بعض الصفات نبرز من خلالها صور وسطية أهل السنة في ذلك، ندل بها على باقي الصفات.
[ ٣٠٨ ]