ينبع موقف المسلمين في هذا الباب من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ؛ فهما سداه ولحمته، منهما تستقي هذه الأمة مواقفها واعتقادها وسائر أمور دينها، وعنهما تصدر.
لذلك جاء موقفها من أنبياء الله ورسله موقفًا معتدلًا وسطًا، لا غلو فيه ولا إفراط، ولا تفريط أو تقصير فيه، ولم تضل فيه كما ضلت أمم قبلها؛ لأنها لم تقل يه بمجرد الرأي والهوى، ولم تبتدع فيه ما لم يأذن به الله ولا رسوله ﷺ.
نوجز هذا الموقف في الأمور التالية:
الأمر الأول:
أن هذه الأمة آمنت بجميع الأنبياء والمرسلين ولم تفرق بين أحد منهم فتؤمن ببعض وتكفر ببعض كما فعل اليهود والنصارى.
ذلك أن الله ﷿ أمرها بذلك في كتابه الكريم بقوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ١.
قال الإمام ابن كثير في تفسيره هذه الآية: "أرشد الله تعالى عباده المؤمنين
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية ١٣٦.
[ ٢٧٧ ]
إلى الإيمان بما أنزل إليهم بواسطة رسوله محمد ﷺ مفصلًا، وبما أنزل على الأنبياء المتقدمين مجملًا، ونص على أعيان من الرسل، وأجمل ذكر بقية الأنبياء، وأن لا يفرقوا بين أحد منهم؛ بل يؤمنوا بهم كلهم"١.
وقال قتادة: "أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا ويصدقوا بأنبيائه ورسله كلهم ولا يفرقوا بين أحد منهم"٢.
وعد الرسول ﷺ الإيمان بالرسل أحد أركان ايمان الستة التي لا يكون المرء مؤمنًا إلا إذا استكملها؛ فقال ﷺ في حديث جبريل المشهور: "الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره"٣.
فاستجابت هذه الأمة لأمر الله ورسوله وآمنت برسل الله جميعًا، وشهد الله لها بهذا الإيمان في محكم كتابه فقال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير﴾ ٤.
وبلغ من عمق إيمانها برسل الله وتصديقها لهم، أنها تشهد لهم على أممهم بالبلاغ، كما تقدم٥ في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "يدعى نوح يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم؛ فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، يقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ،
_________________
(١) ١ تفسير القرآن العظيم ١/ ٢٧١. ٢ أخرجه ابن جرير في التفسير ٣/ ١١١. ٣ م: كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام ١/ ٣٦- ٣٧، ح١. ٤ سورة البقرة آية ٢٨٥. ٥ انظر: ص ١٧٥- ١٧٦.
[ ٢٧٨ ]
ويكون الرسول عليهم شهيدًا؛ فذلك قوله جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ١ " ٢.
الأمر الثاني:
أنها لم تنقص أحدًا منهم، كما فعل غيرها من الأمم؛ بل وقرتهم وعزرتهم ونصرتهم، ونفت عنهم كل ما يقدح في أشخاصهم أو نبوتهم ورسالتهم، وأثبت عصمتهم، من الكفر، وارتكاب الكبائر قبل الرسالة وبعدها، وفي الصغائر خلاف والجمهور على عصمتهم من تعمدها٣.
لأنهم صفوة الله من خلقه، كما أخبر الله في غير ما آية من كتابه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ٤.
وقال عن موسى ﵇: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ٥.
وقال عن عدد من رسله: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَار﴾ ٦.
وقال عن جميع رسله: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاس﴾ ٧.
فهذه الأمة تؤمن وتعتقد أن رسل الله وأنبياءه أفضل الخلق وأطهرهم
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية ١٤٣. ٢ تقدم تخريجه. انظر: ص ١٧٥ هامش "١". ٣ راجع: السفاريني، لوامع الأنور ٢/ ٣٠٣- ٣٠٥، وفخر الدين محمد بن عمر الرازي، عصمة الأنبياء ٢٦ وما بعدها. ٤ سورة آل عمران آية ٣٣. ٥ سورة طه آية ٣٩. ٦ سورة ص آية ٤٧. ٧ سورة الحج آية ٧٥.
[ ٢٧٩ ]
وأزكاهم، وأنهم منزهون عن الدنايا مبرؤون من كل سوء، صادقون في أقوالهم، قدوة وأسوة في أفعالهم وأعمالهم، لا يأتون منكرًا ولا يقولون زورًا، ولا يستحقون ذمًا ولا يستوجبون عقابًا، أمرنا الله بالاقتداء، بهم واتباع هديهم فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ١.
وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ٢.
وترى محبتهم واجبة، ونصرتهم لازمة؛ لذلك كان نبيها ورسولها محمد ﷺ، أحب إليها من النفس والمال، والولد والوالد، كما جاء في الحديث الصحيح عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" ٣. وفي حديث عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي ﷺ وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله! لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي؛ فقال النبي ﷺ: "لا والذي نفسي بيده؛ حتى أكون أحب إليك من نفسك"، فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي ﷺ: "الآن يا عمر" ٤.
ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يفدون النبي ﷺ بأموالهم وأنفسهم، فكان منهم من يقيه بجسده وقع السهام والنبال كما صنع أبو دجانة٥
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية ٨٩- ٩٠. ٢ سورة الأحزاب آية ٢١. ٣ خ: الإيمان، باب حب الرسول ﷺ من الإيمان ١/ ٥٨، ح ١٥. ٤ خ: الإيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي ﷺ ١١/ ٥٢٣، ح ٦٦٣٢. ٥ أبو دجانة هو: سماك بن خرشه، وقيل: ابن أوس بن خرشه، متفق على شهوده بدرًا، وكان ممن ذب عن النبي ﷺ يوم أحد حتى كثرت جراحه، استشهد باليمامة. انظر: ابن حجر، الإصابة ٤/ ٥٨.
[ ٢٨٠ ]
﵁ في غزوة أحد١.
ولم يخذلوه قط أو يتخلفوا عن نصره والقتال بين يديه، حتى قال قائلهم يوم بدر وهو المقداد بن عمرو٢: "يا رسول الله امض لما أراك الله فنحن معك؛ والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ٣، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فهو الذي بعثك بالحق؛ لو سرت بنا إلى برك الغماد٤ لجالدنا معك من دونه حتى نبلغه"٥.
يروي الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ هذا الموقف العظيم من المقداد ﵁ مشيدًا به متمنيًا أن يكون هو صاحبه؛ فيقول: "شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا؛ لأن ِأكون صاحبه أحب إلي مما عدل به٦: أتى النبي ﷺ وهو يدعو على المشركين فقال: لا نقول كما قال قوم
_________________
(١) ١ انظر: ابن هشام، السيرة ٢/ ٨٢، "ط. الثانية ١٣٧٥ هـ، بتحقيق مصطفى السقا وزملائه. ٢ هو المقداد بن عمرو الكندي، شهد بدرًا والمشاهد بعدها، وكان فارسًا يوم بدر مات سنة ثلاث وثلاثين في خلافة عثمان ﵁، قيل: وهو ابن سبعين. ابن حجر، الإصابة ٣/ ٤٥٤. ٣ سورة المائدة آية ٢٤. ٤ برك الغماد "بكسر الغين المعجمة": وهو موضع وراء مكة بخمس ليال مما يلي البحر، وقيل: بلد باليمن، موضع في أقاصي أرض هجر، وقيل: أقصى حجر باليمن. الحموي، معجم البلدان ١/ ٣٩٩- ٤٠٠ "ط. دار صادر ١٤٠٤ هـ". وقد جاء في بعض الروايات: "لئن سرت حتى تأتي برك الغماد من ذي يمن لنسير معك". انظر: ابن حجر، الفتح ٧/ ٢٨٨. ٥ ابن هشام، السيرة ١/ ٦١٥. ٦ عدل به "بضم المهملة وكسر الدال"؛ أي: وزن؛ أي: من كل شيء يقابل ذلك من الدنيويات، وقيل: من الثواب. قال ابن حجر: والمراد المبالغة في عظمة ذلك المشهد. انظر: فتح الباري ١/ ٢٨٧.
[ ٢٨١ ]
موسى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾؛ ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك فرأيت النبي ﷺ أشرق وجهه وسره؛ يعني: قوله"١.
وقال سعد بن معاذ٢ ﵁ في هذا المقام: "فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك؛ فوالذي بعثك بالحق؛ لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقي بنا عدونا غدًا، إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله، فسر رسول الله ﷺ يقول سعد ونشطه ذلك"٣.
فتأمل موقف هذه الأمة من نبيها، وانظر أي بون بينه وبين موقف قوم موسى ﵇ في قولهم: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، أو موقف النصارى الذين أسلموا نبيهم لأعدائهم ليقتلوا ويصلبوه بزعمهم، وتآمر بعض تلاميذه وحوارييه عليه، كما تقدم إيضاح ذلك في مواقف القوم من أنبيائهم.
الأمر الثالث:
أنهم لم يغلو فيهم أو يفرطوا في مدحهم بالباطل؛ وإنما قدروهم حق قدره، وعزروهم ونصروهم، وأحبوهم، وعظموهم وأجلوهم غاية التعظيم والإجلال، ولم يفرطوا في مدحهم ولم يبالغوا في إطرائهم والثناء عليهم ولم يجاوزوا الحد في ذلك، ولم ينزلوهم فوق المنزلة التي أنزلهم الله إياها. ولم يرفعوهم فوق المقام الذي لهم؛ فلم يجاوزوا بهم منزلة الرسالة والنبوة، ومقام
_________________
(١) ١ خ: كتاب المغازي، باب قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ ٧/ ٢٨٧، ح ٣٩٥٢. ٢ وهو: سعد بن معاذ بن النعمان سيد الأوس، شهد بدرًا، ورمى بسهم يوم الخندق فعاش بعد ذلك شهرًا حتى حكم في بني قريظة. ثم انتقض جرحه؛ فمات وذلك سنة خمس. انظر: ابن حجر، الإصابة ٢/ ٣٧. ٣ ابن هشام، سيرة ١/ ٦١٥.
[ ٢٨٢ ]
العبودية لله، وهما المقام والمنزلة التي أنزلهم الله إياها وأقامهم فيها وخاطبهم وذكرهم بها، في كتابه العزيز فقال عن نوح ﵇: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ ١، وقال عن داود ﵇: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ٢، وقال عن سليمان ﵇: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّاب﴾ ٣، وقال عن أيوب ﵇: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ ٤، وقال في إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﵈: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَار﴾ ٥، ثم قال عن عيسى ﵇: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ٦، وقال عن خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ ٧، وقال ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ ٨.
فمقام الرسالة والعبودية هو المقام الذي شرف الله به عباده المرسلين ومن عليهم به، وهم صلوات الله وسلامه عليهم يأبون أن يرفعوا فوق ذلك، وينهون أممهم ويحذرونهم من مجاوزة هذا المقام، ويقول في هذا المصطفى ﷺ: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله
_________________
(١) ١ سورة الإسراء آية ٣. ٢ سورة ص آية ١٧. ٣ سورة ص آية ٣٠. ٤ سورة ص آية ٤١. ٥ سورة ص آية ٤٥. ٦ سورة النساء آية ١٧٢. ٧ سورة الإسراء آية ١. ٨ سورة النجم آية ١٠.
[ ٢٨٣ ]
ورسوله" ١، ويقول: "يا أيها الناس قولوا بقولكم ولا تسجرينكم الشياطين أنا محمد بن عبد الله، أنا عبد الله ورسوله، وما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلنيها الله" ٢.
فالأنبياء والمرسلون بشر يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، ويتزوجون النساء، ولكثير منهم بنون، وحفدة، وليسوا بآلهة ولا أبناء إله، كما ضل النصارى في عيسى ﵇.
يقول الحق ﵎ مقررًا هذه الحقيقة: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٣، ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٤، ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ ٥، ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ ٦، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ ٧.
وبعد: فهذه منزلة الرسل والأنبياء عند هذه الأمة، لاإفراط ولا تفريط ولا غلو ولا تقصير؛ فهم عندها عبيد لا يعبدون، ورسل لا يكذبون، بل يطاعون ويتبعون.
_________________
(١) ١ خ: كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ ٦/ ٤٧٨، ح ٣٢٤٥. ٢ النسائي: عمل اليوم والليلة ص ٢٤٩، ح ٢٤٨ "بتحقيق د. فاروق حماده، ط. الثانية ١٤٠٦،نشر: مؤسسة الرسالة". ٣ سورة الكهف آية ١١٠. ٤ سورة إبراهيم آية ١١. ٥ سورة الإسراء آية ٩٣. ٦ سورة الرعد آية ٣٨. ٧ سورة الفرقان آية ٢٠.
[ ٢٨٤ ]