يمكن تقسيم الأسباب الرئيسية التي أدت إلى هذا الافتراق إلى قسمين:
أسباب داخلية:
أسباب ومؤثرات جنبية خارجية:
أ- فأما الأسباب الداخلية فمن أهمها:
١- اتباع الهوى: فإنه أصل الزيغ ومفارقة الحق١.
٢- الجهل: وهو من أعظم الأسباب المؤدية إلى الابتداء والتفرق والاختلاف.
٣- الغلو والإفراط: وهو من الأسباب الهامة والعوامل المؤثرة في تكون الفرق واختلافها، ومن شواهد ذلك غلو الشيعة في علي ﵁، وأئمتهم وقولهم بعصمتهم. ثم غلو الخوارج والمعتزلة في آيات الوعيد، وغلو الجبرية في إثبات القدر.
٤- فتح باب تأويل النصوص الشرعية بدون دليل، وهو من أعظم عوامل تفرق الأمم وابتداعها، يقول الإمام ابن القيم: "وبالجملة فافتراق أهل الكتاب وافتراق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة؛ إنما أوجبه التأويل، وإنما أريقت
_________________
(١) ١ انظر: الشيخ عبد الله الغنيمان. أسباب ظهور الفرق الإسلامية، مقال منشور في مجلة كلية أصول الدين بجامعة الإمام عدد ٢ سنة ١٣٩٩- ١٤٠٠ هـ ص ١٥٤.
[ ٢٩٩ ]
دماء المسلمين يوم الجمل وصفين بالتأويل"١.
٥- تحكيم العقل في النقل وتقدميه عليه، واعتبار العقل هو الأصل والأساس فيما يقبل ويرد، وفيما يصح أو لا يصح، ويجوز على الله أو لا يجوز. كما يقول المعتزلة. يقول القاضي عبد الجبار وهو يترتب أنواع الأدلة: "فاعلم أن الدلالة أربعة: حجة العقل، والكتاب، والسنة، والإجماع، ومعرفة الله لا تنال إلا بالعقل"٢.
ب- الأسباب والمؤثرات الأجنبية:
ويمكن تلخيص هذه الأسباب والمؤثرات في العناصر الآتية:
١- احتكاك المسلمين بالأمم المجاورة والتأثر بثقافاتها وأفكارها الدينية، ولا سيما بعد المد الإسلامي واتساع الفتوح وسياحة المسلمين في البلدان المفتوحة.
٢- دخول كثير من أصحاب الأديان الأخرى في الإسلام، ولم يتخلصوا من أفكارهم ومعتقداتهم السابقة، فأثروا الشبهات في الإسلام.
٣- ترجمة كتب الفلسفة والمنطق، وتشجيع دراستها والتعمق فيها.
٤- دخول بعض المغرضين من اليهود والمجوس في الإسلام بقصد الدرس والكيد للإسلام والمسلمين، ومن هؤلاء عبد الله بن سبأ اليهودي الذي تظاهر بالإسلام، وفرق الأمة بما بثه من أفكار الغلو في علي ﵁ وأحقيته بالخلافة.
ومما يدل على مبغل أثر المؤثرات والأسباب الأجنبية في تفرق المسلمين ومدى مسؤوليتها عن ذلك. أنك إذا رجعت إلى أصول كثير من الفرق والبدع
_________________
(١) ١ انظر: إعلام الموقعين ٤/ ٣١٧. ٢ انظر: شرح الأصول الخمسة ٨٨.
[ ٣٠٠ ]
تجدها أصولًا خارجية.
فاصل مقالة التعطيل والقول بخلق القرآن مثلًا: يهودي، إذا يرجع إلى لبيد بن الأعصم اليهودي، كما ذكر ابن الأثير في سياقه سلسلة التعطيل؛ حيث قال: "وأخذ الجهم من الجعد بن درهم، وأخذه الجعد بن أبان بن سمعان، وأخذه أبان بن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم وختنه، وأخذه طالوت من لبدي بن الأعصم اليهودي الذي سحر النبي ﷺ وكان لبيد يقول بخلق التوراة، وأول من صنف في ذلك طالوت وكان زنديقًا فأفشى الزندقة"١.
وأصل القول في القدر يرجع إلى رجل نصراني، أخرج الآجرى، واللالكائي، وغيرهما عن الإمام الأوزاعي ﵀ أنه قال: "أول من نطق في القدر رجل من أهل العراق يقال له سوسن، كان نصرانيًا فأسلم، ثم تنصر، فأخذ عنه معبد الجهني، وأخذ غيلان عن معبد"٢.
واصل التشيع والرفض يرجع إلى يهودي هو: عبد الله بن سبأ كما تقدم.
وهكذا نجد العوامل والمؤثرات الخارجية ذات تأثير مباشر في نشأة الفرق وتكونها ووقوع الخلاف.
_________________
(١) ١ انظر: الكامل ٥/ ٢٩٤. وانظر أيضًا: ابن كثير، البداية والنهاية ٩/ ٣٦٤. ٢ انظر: الشريعة ٢٤٣، وشرح أصول أهل السنة ٤/ ٧٥٠، ح ٧٤٩.
[ ٣٠١ ]