تقدم لنا في أول هذا المبحث أن خصوم أهل السنة نادرًا ما يذكرونهم باسم أهل السنة، أو أهل الحديث، أو غير ذلك من الأسماء المرضية عند أهل السنة. وأنهم درجوا على الإشارة إليهم في كتبهم وأقوالهم بألقاب وأسماء ابتدعوها من عند أنفسهم، بقصد الحط والتشنيع عليهم وعلى مذهبهم، كما قال إما أهل السنة الإمام أحمد في كتاب "السنة" له: "وقد أحدث أهل الأهواء والبدع والخلاف أسماء شنيعة قبيحة، يسمون بها أهل السنة، يريدون بذلك الطعن عليهم، والإزراء بهم عند السفها والجهال"١.
فكل فرقة أو طائفة تذكر أهل السنة بلقب أو أكثر، وربما اتفق طائفتان أو أكثر على نبز أهل السنة ببعض الألفاب كما سيأتي، حتى أصبح من أبرز علامات أهل البدع وأظهر ما يميزهم هم الوقيعة في أهل السنة والأثر٢، ونبزهم بالألقاب المنفرة المستكرهة. وهذه علامة أهل الباطل، إذا أعيتهم الحجة لجئوا إلى وصم أهل الحق ودعاته بأقبح الألقاب، وأحط الأسماء، كما فعل مشركوا مكة مع رسول الله ﷺ؛ حيث اقتسبموا القول فيه، فسماه بعضهم: ساحرًا، وبعضهم كاهنًا، وبعضهم شاعرًا، وبعضهم مجنونًا، وبعضهم مفتونًا،
_________________
(١) ١ ص ٤٠. ٢ انظر: كلام أبي حاتم الرازي في: شرح أصول اعتقاد أهل السنة، اللالكائي ١/ ١٧٩.
[ ١٢٦ ]
وبعضهم مفتريًا مختلفًا كذابًا، وكان النبي ﷺ من تلك المعائب بريئًا، ولم يكن إلا رسولًا مصطفى نبيًا قال الله ﷿:
﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ ١، وكذلك المبتدعة. اقتسموا القول في حملة أخباره، ونقلة آثاره ورواة أحاديثه المقتدين به، المهتدين بسنته، المعروفين بأصحاب الحديث، فسماهم بعضهم حشوية، وبعضهم: مشبهة، وبعضهم نابتة، وبعضهم: ناصبة، وبعضهم: جبرية، وأصحاب الحديث عصامة من هذه المعايب، بريئة زكية نقية وليسوا إلا أهل السنة المضية والسيرة المرضية٢.
وجميع هذه الألقاب والأسماء لا تلحق أهل السنة عند التخفيف، كما لم يلحق رسول الله ﷺ ما نبزه به الكفار من الأسماء والألقاب؛ وإنما نوردها هنا لأمور:
الأمر الأول: هو ما أشرنا إليه في مطلع المبحث وهو أن كتب الفرق والمقالات لا تذكر اهل السنة أو أهل الحديث؛ وإنما تذكر مذهب أهل السنة وأهل الحديث وتقول قال الحشوية، أو قال المشبهة، أو المجسمة، أو الناصبة ولا يريدون بهم إلا أهل السنة والحديث؛ فلا بد أن نذكر هذه الأسماء والألقاب ونبين المراد بها.
الأمر الثاني: لبيان من نبز بها أهل السنة وذلك بالرجوع إلى مصادرهم ما أمكنني ذلك.
والثالث: للرد عليها وبيان أنها لا تنطبق على أهل السنة، وأن غيرهم أحق بها.
فأول هذه الألقاب:
_________________
(١) ١ سورة الفرقان آية ٩. ٢ أبو إسماعيل الصابوني، عقيدة السلف أصحاب الحديث. "بتحقيق بدر البدر"، ص ١٠٦- ١٠٧.
[ ١٢٧ ]
١- مشبهة:
وهذا اللقب من أشنع الألقاب التي نبزهم بها مخالفوهم في باب الأسماء والصفات -من الجهمية- والمعتزلة، والأشاعرة؛ وذلك أن أهل السنة والأثر يصفون الله ﷿ بكل ما وصف به نفسه أو وصفه به رسول الله ﷺ من غير تعطيل ولا تأويل، ولا تشبيه ولا تمثيل، وعند هذه الطوائف والفرق أنه لا بد من تأويل النصوص الواردة في باب الصفات؛ لأن ظاهرها يوهم التشبيه عندهم؛ فلا بد من صرفها، لذا عدوا كل من أثبت لله ما أثبته النصوص من غير تأويل، مشبهًا.
فأما الجهمية، فإن من أهم وأقدم ما وصل إلينا من النصوص التي تشير إلى نبزهم أهل السنة والأثر بلقب "مشبهة" ما رواه الإمام اللالكائي عن إسحاق بن راهويه "ت ٢٣٨ هـ" قال: "علامة جهم وأصحابه دعواهم على أهل الجماعة وما أولعوا به من الكذب أنهم مشبهة"١.
وما أورده الإمام أحمد بن حنبل في كتابه القيم: "الرد على الجهمية والزنادقة" عن الجهم "ت ١٢٨ هـ": "أنه زعم أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه، أو حدث عنه رسول الله -ﷺ- كان كافرًا، وكان من المشبهة"٢.
وكذلك قول أبي حاتم "ت ٢٧٧ هـ": "وعلامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة"٣.
وأما المعتزلة: فهم ورثة الجهمية الذين ورثوا عنهم القول بنفي الصفات، ونبز من أثبتها بالتشبيه؛ فهذا أبو موسى المردار "ت ٣٣٦ هـ"، والذي يعد من علماء المعتزلة ومقدميهم ينقل عنه الخياط "ت بعد ٣٠٠ هـ" أنه: "كان يزعم أن
_________________
(١) ١ شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ١٧٩. ٢ ص ١٠٤. ٣ اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ١٧٩.
[ ١٢٨ ]
من قال: إن الله يرى بالأبصار على أي وجه قال: فمشبه لله بخلقه والمشبه عنده كافر"١.
ومعلوم أن من أصول مذهب أهل السنة إثبات رؤية المؤمنين ربهم في الجنة.
ويقول القاضي عبد الجبار "ت ٤١٥ هـ" بعد أن أول الاستواء وذكر استعمالات لفظة "استوى" في اللغة: "وإذا كانت اللفظة تستعمل على هذه الجهات؛ فكيف يصح للمشبهة التعليق بها؟ "٢، يقصد من يثبت الاستواء لله ﷿ على عرشه.
ويذكر الإمام الرازي "ت ٦٠٦ هـ": "أن جماعة من المعتزلة ينسبون التشبيه إلى الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين "ت ٣٣٣ هـ" - قال: وهذا خطأ منهم فإنهم منزهون في اعتقادهم عن التشبيه والتعطيل"٣.
ويذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: "أن جل المعتزلة تدخل عامة الأئمة مثل مالك "ت ١٧٩ هـ" وأصحابه، والثوري "ت ١٦١ هـ" وأصحابه، والأوزاعي "ت ١٥٧ هـ" وأصحابه، والشافعي "ت ٢٠٤ هـ"، وأحمد "ت ٢٤١ هـ" وأصحابه، وإسحاق بن راهويه "ت ٢٣٨ هـ"، وأبي عبيد "٢٢٤" وغيرهم في قسم المشبهة"٤.
بل ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك: "فرمى الأنبياء صلوات الله وسلامه
_________________
(١) ١ الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد، "تحقيق د. البير نصري نادر"، ص ٥٥، وانظر أيضًا ص ٤٣. ٢ انظر: متشابه القرآن "بتحقيق دِ. عدنان محمد زرزور"، ص ٧٤. ٣ اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص ٦٦. ٤ الفتاوى ٥/ ١١٠.
[ ١٢٩ ]
عليهم بذلك؛ حتى قال ثمامة بن الأشرس "ت ٢١٣ هـ" من رؤساء الجهمية١: ثلاثة من الأنبياء مشبهة موسى؛ حيث قال: "إن هي إلا فتنتك"٢ وعيسى؛ حيث قال: "تعلم ما نفسي ولا أعلم ما في نفسك"٣ ومحمد ﷺ؛ حيث قال: "ينزل ربنا"٤" ٥.
وأما الأشاعرة: فإنهم لما كانوا لا يثبتون إلا بعض الصفات٦، ويؤولون البعض الآخر؛ فقد نبزوا من يثبت لله جميع ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ بالتشبيه.
يقول الجويني "ت ٤٧٨ هـ": "واعلموا أن مذهب أهل الحق أن الرب ﷾ يتقدس عن شغل حيز، ويتنزه عن الاختصاص بجهة.
وذهب المشبهة إلى أنه -تعالى عن قولهم - مختص بجهة فوق"٧.
ومعلوم أن أهل السنة والجماعة يثبوت لله ﷿ ما أثبته لنفسه من الفوقية في قوله ﷿: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ٨، ومن أثبت ذلك عند
_________________
(١) ١ يريد المعتزلة، وكثيرًا ما يطلق على المعتزلة لقب الجهمية لقولهم بقولهم في نفي الصفات. ٢ سورة الأعراف آية ١٥٥. ٣ سورة المائدة آية ١٦٦. ٤ يشيرِ إلى حديث النزول وهو حديث صحيح أخرجه خ: كتاب التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل ٣/ ٢٩. وم: كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل ١/ ٥٢١، ح ٦٨. ٥ الفتاوى ٥/ ١١٠. ٦ لا لأنها وردت في الكتاب والسنة؛ وإنما لأن العقل لا يحيلها، مثل صفة "الحياة، والعلم، وغيرها من الصفات السبع التييثبتونها ولو كانوا أثبتوها لورد النص بها، لما أولوا باقي الصفات مع ورود النصوص بها أيضَا. ٧ انظر: الشامل ص ٥١١. ٨ سورة النحل آية ٥٠.
[ ١٣٠ ]
الجويني يعد مشبهًا.
ومن خلال هذا العرض لهذه النماذج من أقوال الجهمية والمعتزلة والأشاعرة التي وصموا فيها أهل السنة بلتشبيه، يتضح لنا أن القوم يعدون إثبات الصفات التي وصف الله بها نفسه أو وصفه بها رسوله ﷺ تشبيهًا، وكل من أثبتها مشبهًا.
والحق أن أهل السنة لم يزيدوا في هذا الباب على أن قالوا كما قال ربهم وخالقهم عن نفسه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١؛ فأثبتوا لله ما أثبت لنفسه من الصفات مع قطعهم بنفي المشابهة والمماثلة بين صفاته وصفات المخلوقات؛ فهم يصفون الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل.
والمشبهة هم الذين يمثلون صفاته بصفات خلقه، كما قال الإمام إسحاق ابن راهويه: "إنما يكون التشبيه لو قيل يد كيد، وسمع كسمع"٢، أما إذا قيل: يد وسمع تليق بعظم الباري وجلاله من غير مشابهة أو مماثلة ليد وسمع المخلوق اللائق بعجزه وافتقاره فلا يعد ذلك تشبيهًا.
وأهل السنة من أشد الناس مقتًا للمشبهة والتشبيه لما قام في قلوبهم من جلال الخالق وعظمته، مع إثباتهم صفات الجلال والكمال التي ثبتت لله ﷿، ولذلك يقول نعيم بن حماد "ت ٢٢٨ هـ": "من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر؛ فليس ما وصف الله به نفسه ورسوله تشبيه"٣؛ لأن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته.
وقال إسحاق بن راهويه: "من وصف الله فشبه صفاته بصفات أحد من
_________________
(١) ١ سورة الشورى آية ١١. ٢ انظر: ابن حجر فتح الباري ١٣/ ٤٠٧. ٣ اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٣/ ٥٣٢، ح ٩٣٦.
[ ١٣١ ]
خلق الله؛ فهو كافر بالله العظيم"١.
وقد عقد الإمام اللالكائي بابًا في "سياق ما روي في تكفير المشبهة"٢ نقل فيه من أقوال السلف في ذلك ما ذكرنا بعضه فكيف يقال بعد ذلك أِنهم مشبهة؟ بل التشبيه بنفاة الصفات ومؤوليها أشبه.
كما ذكر الإمام البخاري عن بعض أهل العلم: "أن الجهمية هم المشبهة؛ لأنهم شبهوا رهبم بالصنم والأصم والأبكم الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم، ولا يخلق، وقالت الجهمية: هو كذلك لا يتكلم ولا يبصر نفسه، وقالوا: إن اسم الله مخلوق"٣.
وربما شبهوه بالمعدومات بقوله: ليس هو فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا داخل العالم، ولا خارجه، ولا هو ممازج له ولا منفصل عنه٤.
وسيأتي إن شاء الله زيادة تفصيل عند التعرض لمسائل الصفات وموقف المؤولة والنفاة والمشبهة منها.
٢- مجبرة:
وهذا اللقب نبزهم به المعتزلة والقدرية، وذلك لأن أهل السنة والأثر يقولون: كل شيء بقدر الله، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. وهذا القول عند القدرية جبر؛ لأنهم يرون أن أفعال العباد هم المحدثون لها وليست مخلوقة لله، وأن أفعال الشر من الكفر والمعاصي تقع من العبد وهو المحدث لها من غير إرادة من الله ولا تقدير لها.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ح ٩٣٧. ٢ نفس المصدر ٣/ ٥٢٨. ٣ خلق أفعال العباد ٣٥- ٣٦. ٤ انظر عن هذا القول: الذهبي، العلو ص ١٩٥.
[ ١٣٢ ]
وكل من قال: إنها تقع بإرادة الله وقضائه وقدره وعدوه جبريًا.
نقل الخياط المعتزلي "ت بعد ٣٠٠هـ" عن أبي موسى المردار "ت ٢٢٦هـ" أن: "من وصف الله بأنه يقضي المعاصي على عباده ويقدرها فمسفه لله في فعله، والمسفه لله كافر به، والشارك في قول المشبه والمجبر فلا يدري أحق قوله أم باطل، كافر بالله أيضًا"١؛ فلم يكتف المردار أن يرمي مثبت القدر بالجبر حتى عده كافرًا بل وعدي التكفير إلى من شك في كفره.
وعد القاضي عبد الجبار "ت ٤١٥هـ" وهو من كبار مصنفي المعتزلة ومقرري أصولهم، كل ما أثبت القدر مجبرًا فقال: "والذين يثبتون القدرهم المجبرة؛ فأما نحن فإنا ننفيه، وننزه الله تعالى أن تكون الأفعال بقضائه وقدره"٢.
وعنده كل من قال إن الله خالق أفعال العباد؛ فهو مجبر، يقول في كتاب "متشابه القرآن": "وإن سأل المجبر فقال: إن قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، وفي الأرض الفساد والظلم وأفعال العباد، فيجب أ، يدل ظاهره على أن الخالق لها، ثم قال: والجواب عن ذلك"٣ والشاهد انه عد القول بخلق أفعال العباد من قول المجبرة.
هكذا نرى المعتزلة لا يترددون في إطلاق لقب المجبرة على من يثبت وقوع الأفعال بقضاء الله وقدره، ولذلك عد أئمة السلف من علامات القدرية "تسميتهم أهل السنة مجبرة" كما روى ذلك اللالكائي٤ عن أبي حاتم، وقال الإمام أحمد: "وأما القدرية فيسمون أهل السنة مجبرة"٥.
_________________
(١) ١ الانتصار ص٥٥. ٢ انظر: شرح الأصول الخمسة ص٧٧٥- ٧٧٦. ٣ ص٧٥. ٤ انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ١٧٩. ٥ انظر: السنة له ص٤٠.
[ ١٣٣ ]
٣- نقصانية:
٤- مخالفة:
٥- شكاك:
لما كان المرئجة على اختلاف طوائفهم يرون أن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان إذا الإيمان عند بعضهم "المعرفة فقط"، وعند فريق هو "النطق باللسان"، وعند أمثلهم هو "اعتقاد بالقلب ونطق باللسان"، قالوا: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ولا يجوز الاستثناء فيه؛ فليس للمرء أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله، أو مؤمن أرجو؛ وإنما يقطع بإيمانه. وعدوًا من أدخل الأعمال في مسمى الإيمان، وقال بزيادته ونقصانه وجوز الاستثناء فيه، مخالفًا لهم. ومن ثم نبزوا أهل السنة والجماعة بالألقاب القبيحة، فقالوا: نقصانية: لقولهم إن الإيمان يزيد وينقص، وقالوا: مخالفة: لمخالفتهم لمذهبهم، وقالوا: شكاك: لقولهم بالاستثناء في الإيمان.
روى الإمام اللالكائي عن أبي حاتم قوله: "وعلامة المرجئة تسميتهم أهل السنة مخالفة ونقصانية"١.
وقال الإمام أحمد في كتاب "السنة" له: "وقد أحدث أهل الأهواء والبدع والخلاف أسماء قبيحة شنيعة، يسمون بها أهل السنة، يريدون بذلك الطعن عليهم، والإزراء بهم عند السفهاء والجهال.
فأما المرجئة: فيسمون أهل السنة شكاكًا"٢.
ويبين أبو حاتم الرازي٣ وجه نبز أهل السنة بـ "الشكاك" فيقول: "ويقال لهم الشكاك، لقبوهم بذلك لقولهم: إن الإيمان يزيد وينقص وأنهم لم يثبتوا الشهادة على من شهد الشهادتين أنه مؤمن حقًا، وشكوا في أمره، ويقولون:
_________________
(١) ١ شرح أصول أهل السنة ١/ ١٧٩. ٢ انظر: ص ٤٠. وتقدم أيضًا ص ١٢٦ من هذا البحث. ٣ هو: أحمد بن حمدان الرازي صاحب كتاب الزينة - وهو غير أبي حاتم المشهور فهذا سني، والأول إسماعيلي.
[ ١٣٤ ]
نرجو أن يكون مؤمنًا؛ وإنما الواجب عليهم أن يقولوا إن إيمانه مثل إيمان محمد ﷺ، وِإيمان جبريل، وأن يشهدوا عليه أنه مؤمن حقًا ولا يشكوا فيه"١.
والحق أن أهل السنة لم يقولوا بالاستثناء في الإيمان، شكا منهم في إيمانهم؛ وإنما استثنوا مخافة تزكية النفس والهشادة لها، واحتياطًا؛ لأن الإيمان عند أهل السنة تدخل فيه الأعمال، والقطع بالإيمان يتضمن القطع بفعل جميع الطاعات وترك جميع المنهيات، وفي القطع بذلك تزكية للنفس والله ﷿ يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ٢.
وقد صرح أئمة أهل السنة بأن استثناءهم ليس على معنى الشك، وإنما هو لمعاني أخرى عن الاستثناء في الإيمان فقال: "نعم الاستثناء على غير معنى شك مخافة واحتياطًا للعمل، وقد استثنى ابن مسعود وغيره وهو مذهب الثوري وغيره، قال الله ﷿: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ٣، وقال النبي ﷺ: "إني لأرجو أن أكون أتقاكم لله" ٤، وقال في البقيع: "عليه نبعث إن شاء الله ٥ " ٦ وليس الاستثناء في شيء من ذلك على معنى الشك؛ فكذلك استثناؤهم في الإيمان٧.
_________________
(١) ١ انظر: كتاب الزينة في الكلمات الإسلامية العربية ص ٢٦٨، "حققه د. عبد الله سلوم السامرائي"، ملحقًا بكتابه الغلو والفرق الغالبية. ٢ سورة النجم آية ٣٢. ٣ سورة الفتح آية ٢٧. ٤ م: كتاب الصيام، باب صحة صوم من يطلع عليه الفجر وهو جنب، ٢/ ٧٨١. ٥ هذا بعض حديث؛ أوله: "إن الميت يصير إلى القبر" أخرجه جه: الزهد، باب ذكر القبر والبلى ٢/ ١٤٢٦، ح ٤٢٦٨. ٦ انظر: السنة للخلال ص ٦٥٩- ٦٩٦. رسالة دكتوراه "بتحقيق عطية عتيق الزهراني". ٧ للدكتور عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد دراسة موسعة في ذلك، تقدم بها لنيل درجة الدكتوراه بعنوان: الإيمان زيادته ونقصه والاستثناء فيه. وللدكتور أحمد بن عطية الغامي دراسة بعنوان: الإيمان بين السلف والمتكلمين، وهي أطروحته لنيل درجة الماجستير من جامعة أم القرى.
[ ١٣٥ ]
وبهذا يتبين أن نبز المرجئة أهل السنة بلقب "الشكاك" لا وجه له يصح؛ وإنما هو من باب التشنيع بغير حق.
٦- ناصبة:
وهو من الألقاب الشنيعة التي رماهم بها الرافضة، وهو لقب يطلقونه على كل من قدم أبا بكر وعمر وعثمان على علي ﵃ في الخلافة والفضل، سئل بعض أئمة الشيعة عن "الناصب" هل احتاج في امتحانه إلى أكثر من تقديمه "الجبت" و"الطاغوت"١ واعتقاد إمامتهما؟ فرجع الجواب: من كان على هذا فهو ناصب٢.
وهو من المناصبة وهي المعاداة؛ يقال: "ناصبه الشر والحرب والعداوة مناصبة: أظهره له"٣.
وعند الرافضة كل من لم يبغض أبا بكر وعمر ﵄؛ فقد أبغض عليًا؛ لأنه لا ولاء لعلي إلا بالبراءة منهما، ثم جعلوا كل من أحب أبا بكر وعمر ناصبيًا٤.
ويبرز صاحب كتاب "الزينة" وجهًا آخر لإطلاق لقب "ناصبي" فيقول: "وروت الشيعة في قراءتهم أن جعفر بن محمد رضي الله عنه٥ قرأ الآية في
_________________
(١) ١ يريد بالجبت والطاغوت: أبا بكر وعمر ﵄ كما هو ظاهر. ٢ المامقاني: تنقيح المقال ١/ ٢٠٧، المقدمة. اقتبسه الشيخ محب الدين الخطيب في تعليقه على المنتقى، للذهبي ص ٦٤ حاشية ١. ٣ ابن منظور، لسان العرب ١/ ٧٦١. ٤ انظر: ابن تيمية، الفتاوى ٥/ ١١٢. ٥ المأثور الترضي عن الصحابة، والترحم على من بعدهم.
[ ١٣٦ ]
﴿أَلَمْ نَشْرَح﴾، ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَب﴾ ١ بكسر الصاد.
وقالوا: إذا فرغت من إكمال الشريعة فانصب لهم عليًا إمامًا؛ فقالت: الشيعة: لما أمر الله ﷿ بذلك نصب النبي ﷺ عليًا وأشار إليه وأهله للإمامة، وقال: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خدله؛ فمن نازعه في الإمامة، ودعا إلى مخالفته، ونصب إمامًا بإزائه غيره؛ فقد ناصب رسول الله ﷺ وآله؛ لأنه نصب عليًا، وهذا نصب غيره، وخذل عليًا وعاداه وترك نصرته، وصار مع عدوه حربًا عليه، فهو مناصب؛ لأنه ناصب النبي ﷺ، ففعل مثل فعله"٢.
وقال الإمام الجيلاني في ذلك: "وتسميها الرافضة ناصبية، لقولها باختيار الإمام ونصبه بالعقد"٣. والرافضة لا ترى ذلك وإنما تذهب إلى أن الأئمة قد نص عليهم.
وسواء كان وجه التسمية هذا أو ذاك؛ فإنه لا يقع على أهل السنة؛ لأنهم يعتقدون موالاة وحب أهل البيت، وجميع أصحاب رسول الله ﷺ، ورضي اللهم عنهم، ولا يناصبون أحدًا منهم العداء كما قال الإمام الطحاوي في عقيدته: "ونحب أصحاب رسول الله ﷺ، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإسحان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان"٤.
فقوم هذا اعتقادهم، في أصحاب رسول الله ﷺ بما فيهم أهل بيته، أيصح بعد ذلك أن يرموا بالنصب ومعاداة آل البيت؛ بل الأشبه أن يقع هذا
_________________
(١) ١ سورة الشرح آية ٧. ٢ أبو حاتم أحمد بن حمدان الرازي، الزينة ص ٢٥٨. ٣ انظر: الغنية ص ٨٥. ٤ انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص ٥٢٨.
[ ١٣٧ ]
اللقب على خصومهم الذين نبزوهم به؛ لأن الرافضة هم الذين ناصبوا أصحاب رسول الله ﷺ العداء، بل وقالوا بكفرهم وارتدادهم بعد وفاة النبي ﷺ عدى قلة منهم تعد على الأصابع كما سيأتي توضيح ذلك في موضعه بإذن الله.
٧- العامة، والجمهور:
العامة: خلاف الخاصة١، وهذا اللقب مما انفرد الرافضة بإطلاقه على أهل السنة، فيجعلون أنفسهم الخاصة، المؤمنين، ويعدون أهل السنة "عامة" لا خلاق لهم بل هم عندهم كفار ونجس، لا تحل ذبائحهم، وتستباح دماؤهم وأموالهم٢.
وهذه بعض نصوص القوم في كتبهم توضح في جلاء إطلاقهم لقب "العامة" على أهل السنة.
نقل الخونساري في كتاب "روضات الجنات" عن صاحب "معالم العلماء" أنه قال في ترجمة أبي نعيم: "الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني عامي إلا أن له منقبة الطاهرين ومرتبة الطيبين"، كما نقل عن محمد حسين الخاتون آبادي قوله: وممن أطلعت على تشيعه من مشاهير علماء العامة هو الحافظ أبو نعيم"٣ يريد بقوله "عامي" و"من العامة" أنه من أهل السنة٤.
_________________
(١) ١ ابن منظور، لسان العرب ١٢/ ٤٢٦. ٢ انظر: الخميني، تحرير الوسيلة ١/ ١١٨، ٢/ ١٤٦، ٢/ ١٣٦ و١/ ٣٥٢، ط: الثالثة ١٣٩٧ هـ. ٣ ١/ ٢٧٣- ٢٧٤. اقتبسه د. علي ناصر فقيهي، انظر: مقدمته لكتاب الإمامة لأبي نعيم ص ١٦١. ٤ انظر: تعليق د. علي ناصر فقيهي على ذلك في مقدمته لكتاب الإمامة ص ٢٦١ حاشية ١.
[ ١٣٨ ]
وهذا علي أكبر الغفاري صاحب التعليقات على كتاب "الكافي" للكليني يصف من قدح في كتاب الكافي ومؤلفه بأنه من العامة؛ فيقول: "أقول: هذه مقالات أساطين العلم، وأعلام الدين وعمد المذهب في شأن الكليني ومقامه الأسني فلا يفتنك قول أناس من أصاغر المتأخرين الذين أسلسوا للعصبية المذهبية قيادهم من "العامة" في قدح الكليني والتحامل على كتابه "الكافي"١ ولا يريد بالعامة سوى أهل السنة.
وليس هذا شأن متقدمي الرافضة فحسب؛ بل سار على نهجهم متأخرجوهم ممن لهم فيهم مكانة عالية وتقدم في العلم والإمامة، ومن هؤلاء الآية العظمى عندهم، وأستاذ الحوزة والمرجع الديني الأعلى إمامهم خميني؛ إذ يقول في تقسيمات التقية: "ومنها التقسيم بحسب المتقي منه، فتارة تكون التقية من الكفار وغير المعتقدين بالإسلام سواء كانوا من قبيل السلاطين والرعية، وأخرى تكون من سلاطين العامة وأمرائهم، وثالثة من فقهائهم وقضاتهم ورابعة من عوامهم، وخامسة من سلاطين الشيعة أو عوامهم، إلى غير ذلك.
ثم إن التقية من الكفار وغيرهم قد تكون في إيتان عمل موافقًا للعامة كما لو فرض أن السلطان ألزم المسلمين على العمل بفتوى أبي حنيفة"٢.
فأطلق لقب العامة وأراد به أهل السنة الذين يعد أبو حنيفة إمامًا من أئمتهم المشهورين.
وقد أطلق الخميني لقب العامة على أهل السنة في نصوص أخرى، لا نطيل بنقلها هنا٣.
_________________
(١) ١ انظر: مقدمته لكتاب الكافي ١/ ٨. ٢ انظر: الرسائل، رسالة في التقية ص ١٧٥، "ط. مؤسسة إسماعيليان للطباعة والنشر والتوزيع ١٣٨٥ هـ". ٣ انظر: كشف الأسرار ص ١٧١- ١٧٢.
[ ١٣٩ ]
يقول الدكتور الصباغ: "ولو أردنا أن نناقض القائلين بهذه التسمية ونسألهم عن مسوغات إطلاق مثل هذا اللقب على من كان متبعًا لسنة رسول الله ﷺ لأعياهم الجواب، والحق أن هذه التسمية بهم ألصق؛ لأن العامي هو الذي يعطل عقله ويصدق كل ما يقال له، ولو كن مما يصادم الحسن١، كما تجد في أقوالهم التي يدعون بها العصمة لغير الأنبياء، وزعمهم أن هناك باطنًا للنصوص الدينية غير الظاهر، وأن هذا الباطن لا يعرفه إلا أئمتهم.
إن هذا وأمثاله من العاقئد والسلوك هو الذي يجعل المتصف به جديرًا بأن يدعي عاميًا"٢.
وأما لقب "الجمهور"؛ فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية عن الرافضة أنهم يسمون أهل السنة "الجمهور"٣، والجمهور في اللغة: الرمل الكثير المتراكم، وجمهور كل شيء، معظمه، وجمهور الناس جلهم٤ والمراد به في إطلاق الرافضة عامة الناس وهو غير الأعيان والمتميزين فيهم؛ فهو بمعنى العامة عندهم ومرادف له.
والحق أنه لا مستند للرافضة في نبز أهل السنة بهذه الألقاب، إلا ما تكنه صدورهم من غل وحقد على أصحاب رسول الله ﷺ ومن اتبعهم بإحسان، وما أشبه قولهم هذا يقول أولئك القوم الذين قالوا: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ ٥، وهؤلاء قالوا: ليس عليهم في العامة سبيل واستباحوا منهم الأنفس والأموال والأعراض، يقول الخميني: "والأقوى إلحاق الناصب بأهل الحرب في
_________________
(١) ١ بل والنص أيضًا؛ فإن القوم لا عقل لهم صريح، ولا معهم نقل صحيح. ٢ د. محمد لطفي الصباغ، أبو نعيم وكتابه الحلية ص ٤٩ حاشية "٢"، ط. الثانية ١٣٩٨ هـ. ٣ انظر: الفتاوى ٣/ ١٨٦، وبيان تلبيس الجهمية ١/ ٢٤٤. ٤ ابن منظور: لسان العرب ٤/ ١٩٤. ٥ سورة آل عمران آية ٧٥.
[ ١٤٠ ]
إباحة ما أغتنم منهم وتعلق الخمس به؛ بل الظاهر جواز أخذ ماله أين وجد وبأي وجه كان"١.
والناصب -عندهم- كما تقدم لنا هو كل من تولى أبا بكر وعمر قال بإمامتهما وقدمهما في الخلافة والرتبة على علي ﵃ أجمعين، وهؤلاء هم أهل السنة وهم الذين يطلق عليهم الرافضة العامة والجمهور.
٨- حشوية:
وهذا اللقب من أشنع الألقاب التي نبزهم بها مخالفوهم، وهو بسكون الشين من:
الحشو: وهو أن يودع الشيء وعاء باستقصاء، يقال: حشوته أحشوه حشوًا.. ويقال: فلان من حشوة بني فلان أي: من رذالهم، وإنما قيل ذلك؛ لأن الذي تحشى به الأشياء لا يكون من أفخر المتاع، بل أدونه٢.
وفي "اللسان": "والحشو من الكلام: الفضل الذي لا يعتمد عليه، وكذلك هو من الناس، وحشوة الناس رذالتهم. .. وفلان من حشوة بني فلان بالكسر: أي من رزالهم"٣.
وبفتح الشين من: حشا: والحشا الناحية٤، وحاشية كل شيء جانبه وطرفه٥.
وهو في اصطلاح من أطلقه يراد به أحد المعاني الآتية:
_________________
(١) ١ تحرير الوسيلة ١/ ٣٥٢. ٢ ابن فارس، معجم مقاييس اللغة ٢/ ٦٤. ٣ ١٤/ ١٨٠. ٤ ابن فارس: مجمل اللغة ١/ ٢٣٥، ومعجم مقاييس اللغة ٢/ ٦٥. ٥ ابن منظور، لسان العرب ١٤/ ١٨٠.
[ ١٤١ ]
١- يراد به العامة الذين هم حشور الناس١، ورذالتهم وجمهورهم، وهم غير الأعيان والمتميزين، وهم عند الشيعة والروافض السواد الأعظم من هذه الأمة، كما جاء في "فرق الشيعة: للنوبختي"؛ حيث نبز كل من لم يقل بإمامة علي ﵁ بعد النبي ﷺ بأنه من أهل الحشو: "فلما قتل علي ﵁- التقت الفرقة التي كانت معه والفرقة التي كانت مع طلحة والزبير وعائشة -﵃- فصاروا فرقة واحدة مع معاوية بن أبي سفيان؛ إلا القليل منهم من شيعته٢ ومن قال بإمامته بعد النبي ﷺوهم السواد الأعظم وأهل الحشو وأتباع الملوك وأعوان كل من غلب؛ أعني الذين التقوا مع معاوية"٣.
٢- يراد به: رواة الأحاديث من غير تمييز لصحيحها من سقيمها:
قال ابن الوزير: "فإن الحشوية إنما سموا بذلك؛ لأنهم يحشون الأحاديث التي لا أصل لها في الأحاديث المروية عن رسول الله ﷺ؛ أي: يدخلونها فيها وليست منها".
ونقل عن صاحب كتاب٤ "ضياء الحلوم" قوله: "إن الحشوية سموا بذلك لكثرة قبولهم الأخبار من غير إنكار"٥.
وقد بين ابن الوزير براءة أهل الحديث والسنة من هذا اللقب؛ فقال "فأكثر عامة المسلمين لا يدرون من الحشوية؟ ولا يعرفون أن هذه النسبة غير
_________________
(١) ١ انظر: ابن تيمية: منهاج السنة ٢/ ٤١٥- ٤١٦، "بتحقيق محمد رشاد سالم، ط. المدني". ٢ لم يكن في الصحابة شيعة بالمعنى المتعارف عليه عند الرافضة. ٣ ص٦، بتصحيح هـ. ريتر. "ط. الدولة- استانبول ١٩٣١ م". ٤ وهو: محمد بن نشوان بن سعيد الحميري. انظر: الروض الباسم ١/ ١٢٠، "ط. دار المعرفة - بيروت ١٣٩٩ هـ". ٥ انظر: الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم ١/ ١٢٠.
[ ١٤٢ ]
مرضية ومن كان له أدنى تمييز عرف أن نقاد الحديث وأئمة الأثر هم أعداء الحشوية وأكره الناس لهذه الطائفة الغوية"١.
وقال أبو حاتم -أحمد بن حمدان- الرازي: "ومن ألقابهم -أي: أهل السنة- الحشوية: لقبوا بذلك؛ لاحتمالهم كل حشو روي من الأحاديث المختلفة المتناقضة حتى قال فيهم بعض الملحدين: يروون أحاديث ثم يرون نقيضها، ولروايتهم أحاديث كثيرة مما أنكره عليهم أصحاب الرأي وغيرهم من الفرق في التشبيه٢ وغير ذلك فلقبولهم الحشوية بذلك"٣.
٣- يراد به معنى: التجسيم: كما نقل التهانوي عن السبكي أنهم سموا بذلك؛ لأن منهم المجسمة أو هم هم. والجسم حشو٤.
ونسب ابن القيم لجهله الجهمية أنهم لقبوا اهل السنة بذلك؛ لأنهم -بزعمهم- جعلوا ربهم حشو هذا الكون بإثباتهم له صفة الفوقية والاستواء وأنه في السماء٥.
فهذه المعاني الثلاثة أو أحدها هي المسوغات التي اعتبرها مخالفوا أهل السنة وهم ينبزونهم بهذا اللقب الجائر.
فعند الرافضة كل من لم يقل بإمامة علي بن أبي طالب ﵁ بعد الرسول ﷺ مباشرة فهو حشوي؛ أي: من عامة الناس وسقطهم.
_________________
(١) ١ انظر: الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم ١/ ١٢٠. ٢ يريد أحاديث الصفات، وأهل السنة لم يقولوا إلا بما صح عندهم منها آمنوا به واعتقدوا ما دل عليه، وما أنكر ذلك عليهم إلا معروف ببدعة. ٣ انظر كتاب: الزينة، ملحق بكتاب: الغلو والفرق الغالية، للدكتور عبد الله سلوم السامرائي ص ٢٦٧. ٤ كشاف اصطلاحات الفنون، محمد على الفاروقي، "بتحقيق د. لطفي عبد البديع٢ / ١٦٧، ط. المؤسسة المصرية للتأليف". ٥ راجع: النونية بشرح الهراس ١/ ٣٣٣- ٣٣٤.
[ ١٤٣ ]
وعند المعتزلة كل من أثبت الصفات، وأثبت القدر فهو من حشو الناس وعامتهم فلا يعتد بكلامهم في العقيدة؛ لأنهم لم يتعمقوا تعمقهم في التأويل، ولا ذهبوا مذاهبهم في الإنكار والتعطيل؛ فكل من آمن بظواهر النصوص وأثبت ما دلت عليه، ولم يشتغل بصرفها، وتأويلها، فهو عندهم حشوي بعيد عن التحقيق.
وكذلك الأمر عند الأشاعرة والماتريدية؛ فكل من أثبت الصفات الخبرية ولم يؤولها ويصرفها عن ظاهرها، عدوه حشويًا، كما سيتضح لنا ذلك من ذكر نماذج من أقوال الفرق التي نبزت أهل السنة والأثر بهذا اللقب.
الفرق التي نبزت أهل السنة بلقب "الحشوية" ونماذج من أقوالهم:
يعد هذا اللقب من أكثر الألقاب ذيوعًا وورودًا في كتب مخالفي أهل السنة؛ وذلك لكثرة الفرق التي رمت أهل السنة به، فلا أدري أهو مما تواصوا به، أم تشابهت قلوبهم، فاتفقت أقوالهم على وصم أهل السنة والأثر به؟ وسأورد فيما يأتي ذكر الطوائف والفرق التي رمتهم بذلك مع ذكر نماذج من أقوالهم التي يتضح منها أنهم يعتبرون القول بما دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة في باب الصفات حشوًا والقائلين بذلك حشوية.
١- المعتزلة:
وهو أول من تولي كبر ذلك؛ إذ أول من عرف أنه تكلم في الإسلام بهذا اللفظ عمرو بن عبيد١ "٨٠- ١٤٤ هـ" رئيس المعتزلة -فقيههم وعابدهم٢
_________________
(١) ١ تقدمت ترجمته ص ٥٣. ٢ وهناك رأي آخر يقول إن أول من أطلق لفظ "الحشوية" هو الحس البصري "ت ١١٠ هـ"، وأنه أطلقه على أناس كانوا يجلسون في حلقته فلما أنكر كلامهم قال: ردوهم إلى حشو الحلقة أو حشا الحلقة، وأقدم من وقفت عليه ذكر عليه: ابن النجار "ت ٩٧٢ هـ" في شرح الكوكب المنير ٢/ ١٤٧، ط. جامعة أم القرى، والسبكي فيما نقله عنه التهانوي في كشاف اصطلاحات الفنون ٢/ ١٦٧؛ لكن النص لم يبين لنا من هم هؤلاء الذين قال فيهم الحسن ذلك، ولا القول الذي قالوه حتى قال فيهم ما قال، وإن كان الكوثري ذكر أن هؤلاء الذين قال فيهم الحسن ذلك قوم من رعاع الرواة، وأنهم تكلموا بالسقط، ولا أدري من أين له ذلك؛ لأني لم أجد من ذكره غيره، لذا أعرضت عنه. انظر: تبيين كذب المفتري ص١١.
[ ١٤٤ ]
فإنه ذكر له عن ابن عمر١ شيء يخالف قوله؛ فقال: "كان ابن عمر حشويًا"٢، وقال ابن العماد في "ترجمته": "وكانت له جرأة فإنه قال عن ابن عمر: هو حشوي، -قال-: فانظر هذه الجرأة والافتراء عامله الله بعدله"٣.
وذكر ابن جرير عن الخليفة العباسي المأمون "١٧٠- ٢١٨ هـ" الذي تبنى قوله المعتزلة في خلق القرآن. أنه نبز مخالفيه بأنهم حشو رعاع فقال في كتابه إلى إسحاق بن إبراهيم٤ في امتحان القضاة والمحدثين، وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم، والسواد الأكبر من حشو الرعية وسفلة العامة ممن لا نظرله ولا روية ولا استدلال له بدلالة الله وهدايته. -إلى أن قال- وذلك أنهم ساووا بين الله ﵎ وبين ما أنزل من القرآن فأطبقوا مجتمعين، واتفقوا غير متعاجمين على أنه قديم أول لم يخلقه الله ويحدثه ويخترعه"٥.
وظل المعتزلة يتوارثون نبز أهل السنة والحديث بلقب "الحشوية" في مؤلفاتهم ومقالاتهم؛ فما هو القاضي عبد الجبار مؤلف أهم مصنفات المعتزلة التي وصلت إليها بعد كتاب "الانتصار للخياط" يصم أهل السنة بهذا اللقب
_________________
(١) ١ هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب الصحابي الجليل. ٢ ابن تيمية، بيان تلبيس الجهمية ١/ ٢٤٤، وانظر: منهاج السنة ٢/ ٤١٦، ط. المدني، والفتاوي ٣/ ١٨٦. ٣ شذرات الذهب ١/ ٢١١. ٤ وهو: إسحاق بن إبراهيم بن مصعب الخزاعي أمير بغداد، على يده امتحن العلماء بأمر المأمون في خلق القرآن. مات سنة خمس وثلاثين ومائتين. الذهبي، سير أعلام النبلاء ١١/ ١٧١. ٥ تاريخ الأمم والملوك ٨/ ٦٣٢، "بتحقيق أبي الفضل إبراهيم، دار سويدان - بيروت".
[ ١٤٥ ]
كلما عنت له سانحة فيقول في "شرح الأصول الخمسة": "فقد ذهبت الحشوية والنوابت١ من الحنابلة إلى أن هذا القرآن المتلو في المحاريب، والمكتوب في المصاحف غير مخلوق ولا محدث"٢.
ويقول فيه أيضًا: "فلسنا نقول في الصراط ما يقوله الحشوية من أن ذلك أدق من الشعر وأحد من السيف، وأن المكلفين يكلفون اجتيازه والمرور به؛ فمن اجتازه فهو من أهل الجنة"٣.
ويقول في كتاب آخر له: "وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ٤ لا يدل على ما تقوله الحشوية في أنه تعالى يرى يوم القيامة بأن يرفع عنه الحجب للمؤمنين فيروه"٥.
ويقول في مصنف ثالث: "واعلم أن القوم على فرق؛ ففيهم من يجعل كلام الله هذا المسموع، وكذلك كلام أحدنا ما هو بهذه الصفة، ولكنه يقول في كلامه تعالى خاصة إنه غير مخلوق ولا محدث، ويقر في كلامنا بذلك فهؤلاء هم الحشوية، وإلى ذلك ذهب أحمد بن حنبل"٦.
فهذه أمثلة من كلامه في ذلك وإلا فالشواهد كثيرة، والمقصود بيان أنه يطلق لقب "الحشوية" على "أهل السنة والجماعة"؛ لأنهم هم أصحاب الأقوال التي عدها حشوًا.
_________________
(١) ١ سيأتي تعريفها والكلام على نبز أهل السنة بذلك. انظر ص ١٥١. ٢ ص٥٢٧. ٣ ص٧٣٧. ٤ سورة المطففين آية ١٥. ٥ انظر: متشابه القرآن ص٦٨٣، "بتحقيق عدنان زرزور، نشر: دار التراث بالقاهرة". ٦ انظر: المحيط بالتكليف ص٣٠٨، "بتحقيق عمر السيد عزمي، نشر: المؤسسة المصرية العامة للتأليف والأنباء والنشر".
[ ١٤٦ ]
٢- الرافضة:
وقد تقدم نقل كلام النوبختي في ذلك، وكلام أحمد بن أبي حاتم صاحب كتاب "الزينة"١.
٣- الأشاعرة:
فقد تلقوا هذه التركة عن المعتزلة؛ فنراهم يتابعونهم على ما درجوا عليه من نبز أهل السنة والأثر بهذا اللقب الجائر، وهذه ثلثة من أقوالهم في ذلك:
يقول أبو المعالي الجوني: "وذهبت الكرامية وبعض الحشوية إلى أن الباري تعالى عن قولهم متحيز مختص بجهة فوق"٢.
وقصد بالحشوية من أثبت الفوقية لله ﷿ وهم أهل السنة والحديث كما أشار المحقق في الحاشية٣.
وإن كان أهل السنة والحديث لم ينطقوا بلفظ التحيز والجهة نفيًا ولا إثباتًا كما هو منهجهم؛ وإنما أثبتوا لله ما اثبته لنفسه من الفوقية.
وهذا الإمام الغزالي "٤٥٠- ٥٠٥ هـ" يجعل من أثبت رؤية الله ﷿ من جهة حشويًا٤.
والآمدي "٥٥١- ٦٣١ هـ" يعد من قال بقول أهل السنة في الإيمان حشويًا فيقول: "وبهذا يتبين فساد قول الحشوية: إن الإيمان هو: التصديق بالجنان، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان"٥.
_________________
(١) ١ راجع ص ١٤٢، ١٤٣. ٢ الإرشاد ص٣٩. ٣ نفس المصدر والصفحة حاشية رقم "٤". ٤ انظر: الاقتصاد ص٤٨. ٥ انظر: غاية المرام في علم الكلام، "بتحقيق حسن محمود عبد اللطيف ص٣١١، ط. القاهرة ١٣٩١ هـ".
[ ١٤٧ ]
وعد محقق الكتاب الآمدي غير موفيق في تسمية أهل السنة والحديث بالحشوية١. وهو كما قال.
وهذا حامل لواء الأشعرية في العصر الحديث محمد زاهد الكوثري "١٢٩٦- ١٣٧١ هـ" يقول في تعليقه على كتاب "الرد على أهل الأهواء والبدع"، للملطي: نفى أن يكون الله متمكنًا في السماء مذهب أهل الحق وكذا نفي الفوقية الحسية؛ بخلاف معتقد الحشوية"٢ يقصد أهل السنة فإنهم هم الذين يعتقدون الفوقية الحسية لله ﷿.
وفي مقدمته لكتاب "السيف الصقيل" ينبز أئمة السلف -الذين يدعون ابن تيمية إلى تقرير عقيدتهم- بأنهم "حشوية"٣، وكلامه في ذلك كثير في تعليقاته على "السيف الصقيل" و"الرد على أهل الأهواء" و"تبيين كذب المفتري على أبي الحسن الأشعري" لابن عساكر.
٤- الماتريدية:
وهي صنو الأشعرية، وشريكتها في إرث تركة المعتزلة، ورمي أهل السنة بألقاب السوء، وها هو شيخ الماتريدية ومؤسسها الأول أبو منصور الماتريدي يصم من يعد الأعمال داخلة في مسمى الإيمان بأنه حشوي فيقول في تعريف الإرجاء: "ثم اختلف في المعنى الذي سمى به من سمى مرجئًا بعد اتفاق أهل اللسان على الإرجاء أنه التأخير".
قالت: "الحشوية": سميت المرجئة بما لم يسموا كل الخيرات
_________________
(١) ١ نفس المصدر السابق والصفحة حاشية ٣. ٢ انظر: الرد على أهل الأهواء والبدع ص٩٧ حاشية ١. ٣ انظر: السيف الصقيل للسبكي. مقدمة الكوثري ص٥ قال فيها: إلى أن نبغ في أواخر القرن السابع بدمشق حراني -يقصد: شيخ الإسلام ابن تيمية- تجرد للدعوة إلى مذهب هؤلاء الحشوية".
[ ١٤٨ ]
إيمانًا"١.
٥- الخوارج:
نسب ذلك إليهم الإمام أحمد بن حنبل؛ فقال في كتاب "السنة" في معرض حديثه عما أحدثه أهل الأهواء والبدع والخلاف من أسماء شنيعة قبيحة سموا بها أهل السنة؛ فقال: "وأما الخوارج فيسمون أهل السنة: نابتة وحشوية"٢.
وللرد على هؤلاء جميعًا نقول:
أولًا: إن هذا اللقب لقب مبتدع ما أنزل الله به من سلطان؛ فليس هو في كتاب الله ولا في سنة رسول الله، ولا نطق به أحد من سلف الأمة وأئمتها نفيًا ولا إثباتًا؛ فالذم به ذم للناس بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان بل هو من قبيل التنابز بالألقاب المنهي عنه٣.
ثانيًا: إن الطائفة إنما تتميز باسم رجالها أو بنعت أحوالها؛ فالأول كما يقال: الجهمية، نسبة للجهم بن صفوان، والكلابية، نسبة لابن كلاب، والأشعرية، نسبة للأشعري، والثاني: كما يقال: الرافضة، لرفضهم زيد بن علي، والقدرية لقولهم بالقدر، والمرجئة لقولهم بالإرجاء في الإيمان، أما لفظ الحشوية فليس فيه ما يدل على شخص معين ولا مقالة معينة٤.
ثالثًا: أنكم نبزتم أهل السنة بهذا اللقب؛ لأنهم بزعمكم يرون الأحاديث بلا تمييز ولا إنكار. وهذا خلاف الواقع، فإن أهل الحديث والسنة هم الذين اختصوا بالذب عن السنة، وميزوا صحيحها من سقيمها، ثم إنكم أيها.
_________________
(١) ١ انظر: كتاب التوحيد، لأبي منصور الماتريدي، ص٣٨١ "بتحقيق د. فتح الله خليف، المكتبة الإسلامية - تركيا". ٢ ص٤٠. ٣ راجع ابن تيمية، الفتاوى ٤/ ١٤٦. ٤ راجع منهاج السنة ٢/ ٤١٤ بتصرف ط. المدني.
[ ١٤٩ ]
المخالفون أحق بهذا اللقب؛ لأنكم تستشهدون لمهبكم بما يؤيده من الأحاديث وإن كان ضعيفًا أو موضوعًا عند أهل الفن؛ ولأنكم تحشون أقوالكم ومصنفاتكم بالكلام الذي لا تعرف صحته، بل يعرف بطلانه لمخالفته لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
رابعًا: أما معنى التجسيم الذي نبزتم أهل السنة بالحشو لأجله؛ فإنه ليس في قول أهل السنة تجسيم؛ لأنهم إنما أثبتوا لله ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله من الصفات، مع نفي المشابهة والمماثلة للمخلوقات، ثم إن لفظ التجسيم عندهم من الألفاظ المبتدعة فلم ينطقوا به نفيًا ولا إثباتًا.
خامسًا: إنه ينبغي أن ينظر في الموسومين بهذا الاسم وفي الواسمين لهم به أيهما أحق. وقد علم أن هذا الاسم مما اشتهر عن النفاة ممن هم مظنة الزندقة، كما ذكر العلماء -كأبي حاتم وغيره- أن علامة الزنادقة تسميتهم لأهل الحديث حشوية١.
يكفي أن نعرف أن أول الواسمين به هو عمرو بن عبيد زعيم المعتزلة كما تقدم، وأن أول الموسومين به هو "عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄" الصحابي الجليل. ثم أحمد بن حنبل إمام أهل السنة والجماعة ﵀ عليه؛ لتعلم منزلة الواسم والموسوم.
فعمرو بن عبيد رأس في البدعة والاعتزال، وعبد الله بن عمر صحابي ابن صحابي. من أكثر الصحابة رواية وحفظًا لسنة رسول الله ﷺ؛ وبذلك نقم عليه ابن عبيد، وعده حشويًا لكثرة روايته؛ لأن المعتزلة أعداء الحديث والأثر، والإمام أحمد هو من هو في الإمامة والتقديم في العلم والسنة.
ثم ورث كلا من الواسم والموسم اتباعه ومن هم على نهجه، فورث عمرو بن عبيد في نبز أهل السنة بهذا اللقب، أهل البدعة والخلاف، وورث
_________________
(١) ١ انظر: ابن تيمية، الفتاوى ٤/ ٨٨.
[ ١٥٠ ]
عبد الله بن عمر والإمام أحمد أهل السنة والجماعة وأني يستوي الإرثان١؛ هذا إرث هدي وسنة، وذاك إرث ضلالة وبدعة.
٩- نابتة أو نوابت:
وهو لغة: من النبت، والنابت من كل شيء: الطري حين ينبت صغيرًا ونبتت لهم نابتة: إذ نشأ لهم نشأ صغار، وإن بني فلان لنا بتة شر، والنوابت من الأحداث: الأغمار٢.
واصطلاحًا: لقب أطلقه أهل الكلام على أهل الستة والأثر، يعنون أنهم أحداث أغمار: لا خبرة لهم بعلم الكلام ولا دراية لهم به، وأنهم نابتة شر نبتوا في الإسلام بأقوال بدعية٣ لقولهم بما دلت عليه الأحاديث والآثار. التي يزعم أهل الكلام أن القول بها يقضي إلى التشبيه والتجسيم.
من أطلق هذه اللقب:
هذا اللقب من الألقاب التي يكثر أهل الكلام من رمى أهل السنة بها.
١- فالمعتزلة: من أولى الفرق التي وصمتهم به، يقول الخياط: "إن أبا الهذيل لما صح عنده أن الله عالم في الحقيقة وفسد عنده أن يكون عالمًا بعلم على ما قالته النابتة"٤.
فجعل الذين يقولون: إن الله عالم بعلم، وهم أهل السنة "نابتة"٥.
٢- الخوارج: نسب إليهم الإمام أحمد في "السنة" أنهم سموا أهل السنة "نابتة"٦.
_________________
(١) ١ انظر: شرح النونية للهراس ١/ ٣٣٥، "ط. الفاروق الحديثة - مصر". ٢ انظر: لسان العرب ٢/ ٩٦. ٣ وانظر: شرح النونية للهراس ١/ ٣٣٦. ٤ انظر: الانتصار ص ٥٩. ٥ ص ٤٠، وانظر: ص ١٤٩ من هذا المبحث. ٦ انظر: ابن منظور، لسان العرب ١٥/ ١١٥- ١١٦.
[ ١٥١ ]
١٠- غثاء، وغثراء:
فالغثاء: ما يحمله السيل من القمش وهو أيضًا الزبد والقذر١.
ويقال لسفلة الناس: الغثاء تشبيهًا بما ذكر٢.
والغثراء: قال ابن فارس: الغين والثاء والراء يدل على تجمع من ناس غير كرام، يقولون: الغثراء: سفلة الناس٣.
وهذا المعنى اللغوي لكل من اللفظين، هو ما لحظه أهل الكلام عندما نبزوا أهل السنة بهما؛ فعندهم أن أهل السنة سفلة الناس ويقطهم، فهم كالغثاء الذي لا نفع فيه.
وهذا معنى وملحظ مشترك بن كثير من الألقاب التي أطلقها أهل الكلام على أهل السنة والأثر كما تقدم.
وبعد؛ فكل هذه الألقاب ألقاب مبتدعة، ما أنزل الله بها من سلطان، ولا يلحق أهل السنة والأثر شيء منها عند التحقيق؛ فإن أهل السنة هم خيار الناس وأفاضلهم لاتباعهم في أمور دينهم سنة نبيهم ﷺ وآثار السلف الصالح، وابتعادهم عن الابتداع والبدعة والقول في دين الله بغير دليل من كتاب أو سنة أو إجماع؛ بخلاف أهل البدع الواسمين لهم بهذه الألقاب؛ فإنهم أصحاب فرقة وخلاف وابتداع، ومن علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر والحط عليهم والنيل منهم بغير حق، للإزراء بهم والتنفير منهم. والله يحكم بين الجميع يوم لقائه، وسيعلم الذين ظلموا حينئذ أي منقلب ينقلبون؟
_________________
(١) ١ انظر: ابن منظور، لسان العرب ١٥/ ١١٥-١١٦ ٢ انظر: ابن فارس، معجم مقاييس اللغة ٤/ ٤١٣. ٣ نفس المصدر ٤/ ٤١٢.
[ ١٥٢ ]