ثانيًا: العدل بين النصارى
أ- العدل فيما بينهم
النصارى يتبعون التوراة في الأحكام والتشريعات، وما أمر به اليهود من العدل في الأحكام والمحدود، وإيفاء الكيل والوزن وخلاف ذلك؛ فإنه يسري على أمة النصارى كذلك.
لكن لما بغى اليهود وقست قلوبهم، وأحلوا ما حرم الله، وأكلوا أموال الناس بالباطل، جاء المسيح ﵇ ليردهم إلى الجادة؛ فلم يأمرهم بالعدل فحسب بل تجاوزه إلى الفضل، والعفو، وأمرهم ألا يقابلوا الإساءة بمثلها، وأن لا يعتدوا على من اعتدى عليهم بل قال لهم كما جاء في إنجيل "متى" الذي يزعمون إنه مما أنزل على عيسى ﵇: "قد سمعتم أنه قيل: العين بالعين والسن بالسن، أما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشرير بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فخل له رداءك أيضًا، ومن سخرك ميلًا فامش معه اثنين، من سألك فأعطه، ومن أراد أن يقترض منك فلا تمنعه، قد سمعتم أنه قيل: أحبب قريبك وأبغض عدوك، أما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم وأحسنوا إلى من يبغضكم، وصلوا
[ ١٩٢ ]
لأجل من يعنتكم ويضطهدكم"١.
لكن أمة النصارى لم تهتد؛ بل حرفت وبدلت فصلت عن سواء السبيل، ولئن كان اليهود مغضوبًا عليهم فإن النصارى ضالون، كما ثبت عن المصطفى ﷺ؛ أنه قال في تفسير قوله ﷿: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ٢، قال: "إن المغضوب عليهم اليهود، وإن الضالين النصارى" ٣.
وأول ضلالهم، وأعظم جورهم وبغيهم أن عدلوا بربهم غيره، وجعلوا له شركاء، إذا جعلوه ثالث ثلاثة، وتارة جعلوا المسيح ﵇ هو الإله وأخرى ابن الإله؛ قال الله ﷿ عن كفرهم وضلالهم: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ٤، وقال في آية أخرى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار﴾ ٥، وقال ﷿ في آية أخرى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٦. وقال سبحانه: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ ٧.
والشرك بالله، واتخاذ غيره إلهًا معه، من أعظم الظلم، كما أخبر الحق ﵎ على لسان العبد الصالح لقمان: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ
_________________
(١) ١ إنجيل متى: الإصحاح السادس، فقرة ٣٨- ٤٤. ٢ سورة الفاتحة: آية ٧. ٣ حم: ٤/ ٣٧٨، من حديث عدي بن حاتم. ٤ سورة المائدة: ١٧. ٥ المائدة: آية ٧٢. ٦ سورة المائدة: آية ٧٣. ٧ سورة التوبة: آية ٣٠.
[ ١٩٣ ]
يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ١، ولما نزل قوله ﷿: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٢. شق ذلك على الصحابة ﵃؛ فقالوا: وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ: "إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا قول العبد الصالح: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم﴾؛ إنما هو الشرك" ٣.
وقال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله ﷿: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾؛ "أي: هو أعظم الظلم"٤.
فإذا كان القوم قد ارتكبوا أعظم الظلم وظلموا أنفسهم بجعلهم لله أندادًا ومعه شركاء؛ فماذا نتوقع منهم وقد ضلوا وظلموا، غير الظلم والجور في جل حياتهم وشئونهم؛ لأنهم بنوا دينهم عليه.
فلم يكونوا قائمين بالعدل والقسط فيما بينهم، وقول الرسول ﷺ من قصة المخزومية التي سرقت: "إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوا وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد" ٥، يشملهم وإن كان هو في اليهود أظهر، وهؤلاء رهبانهم الذين هم عبادهم وعلماؤهم، وهم الصفوة فيهم والقدوة، والذين يفترض فيهم أن يكونوا أقرب القوم إلى العدل وعدم الظلم نجدهم ظلمة جائرين آكلين لأموال الناس بالباطل كما أخبرنا الله بذلك عنهم، وكما يدل على واقع الكنائس وسيرتها. يقول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ
_________________
(١) ١ سورة لقمان: آية ١٣. ٢ سورة الأنعام: آية ٨٢. ٣ حم ١/ ٣٧٨. ٤ تفسير القرآن العظيم ٦/ ٣٣٨. ٥ تقدم تخريجه انظر: ص١٦٩ هامش ٣.
[ ١٩٤ ]
اللَّهِ﴾ ١.
يقول الحافظ ابن كثير: "ذلكم أنهم يأكلون الدنيا بالدين ومناصبهم ورياستهم في الناس، يأكلون أموالهم بذلك"٢.
ولعل من أبرز مظاهر ذلك ما تمارسه الكنيسة من إصدار ما عرف بـ"صكوك الغفران"٣ وهي صكوك يصدرها أهل السلطة في الكنيسة من البابوات والمطارنة، والبطارقة، والقساوسة، باسم الكنيسة، يغفر بمقتضاها لحاملها ما اقترفه من الآثام والخطايا في حياته، مقابل أن يدفع مبالغ للكنيسة وهذا إلى جانب كونه أكلًا لأموال الناس بالباطل هو أيضًا قول على الله بلا علم وافتراء عليه، وتعد على ألوهيته ﷿؛ إذ لا يملك غفران الذنوب والعفو عنها إلا هو سبحانه، ولكن القوم ضلوا ضلالًا بعيدًا.
ومن صور جور هذه الأمة وعدم عدلها. أن كل فرقة وطائفة منها، إذا تسلطت على الفرق الأخرى، أذاقتها ألوانًا من الظم والبطش والاضطهاد ولم ترقب فيها إلا ولا ذمة. يقول د. أحمد شلبي: "تكرر في تاريخ المسيحية حدث عظيم لم يتخل، وهو التجاء الجانب القوي إلى أعنف وأقسى وسائل الاضطهادات، والتعذيب، والتنكيل، والحرق، والإفناء يسلطها على الجانب الضعيف. والعجيب أن المسيحيين اضطهدوا من اليهود والرومان، ونزلت بهم الويلات في القرون الثلاثة الأولى؛ فلما بدأ جانبهم يشتد رأيناهم ينزلون نفس الويلات بمخالفيهم من أبناء دينهم، ومن اتباع الأديان الأخرى، ومن هنا فنيت مذاهب مسيحية كثيرة كان بعضها في وقت ما، له الغلبة في العدد ولكن
_________________
(١) ١ سورة التوبة آية ٣٤. ٢ تفسير القرآن العظيم ٤/ ٨٠. ٣ للاطلاع على صورة وفحوى هذه الصكوك راجع كتاب محاضرات في النصرانية، لأبي زهرة ص ١٧٢، ط. دار الفكر. والمسيحية، للدكتور أحمد شلبي ص ٢٥٤ ط. السادسة ١٩٧٨.
[ ١٩٥ ]
تنقصه القوة والسلطان، وكان فناء هذه المذاهب بسبب قسوة اليهود والرومان أحيانًا، وأحيانًا بسبب قسوة فرق مسيحية أخرى قويت واشتدت بالأباطرة وذوي النفوذ"١.
وهذا مصداق قوله ﵎: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ٢.
قال الحافظ ابن كثير ﵀: "أي: فألقينا بينهم العداوة والتباغض لبعضهم بعضًا، ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة، وكذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين متعادين، يكفر بعضهم بعضًا، ويلعن بعضهم بعضًا؛ فكل فرقة تحرم الأخرى ولا تدعها تلج معبدها، فالملكية٣ تكفر اليعقوبية٤، وكذلك الآخرون، وكذلك النسطورية٥.
_________________
(١) ١ المسيحية ص٢٣٧. ٢ سورة المائدة: آية ١٤. ٣ الملكية، أو الملكانية: أصحاب ملكان الذي ظهر بأرض الروم، ومعظم الروم ملكانية، صرحوا بإثبات التثليث، وقالوا: إن الكلمة اتحدت بجسد المسيح، وتدرعت بناسوته. انظر عنها: الشهرستاني، الملل والنخل ٢/ ٢٧. ٤ اليعقوبية: نسبة إلى يعقوب البراذعي، مصري ظهر في منتصف القرن الاسدس الميلادي. وهم الذين يقولون بأن المسيح ذو طبيعة واجدة قد امتزج فيه عنصر الإله بعنصر الإنسان، وتكون من الاتحاد طبيعية واحدة جامعة بين اللاهوت والناسوت. انظر: محاضرات في النصرانية ص١٤٠، ١٥٩. ٥ النسطورية: نسبة إلى نسطور الحكيم الذي ظهر في زمان المأمون، كان بطريرك القسطنطينية، يرى أن العذراء لم تلد إلهًا بل ولدت إنسانًا، وهو يرى أن الأقنوم الثاني وهو الابن لم يتجسد وتلده مريم كما يرى غيره من المثلثين. انظر: الشهرستاني، الملل ٢/ ٢٩، ومحاضرات في النصرانية، لأبي زهرة ص١٥٧.
[ ١٩٦ ]
والآربوسية١، كل طائفة تكفر الأخرى"٢.
وكمثال على ما ذكر من ظلم أمة النصارى وجور بعضهم على بعض، ما لاقاه أقباط مصر -وهم من الطائفة اليعقوبية- من ظلم واضطهاد على يد أبناء دينهم البيزنطيين الذين كانوا يحكمونهم قبل الفتح الإسلام لمصر.
يقول المستشرق توماس أرنولد: "فإن اليعاقبة -وهم الأقباط- الذين كانوا يكونون السواد الأعظم من السكان المسيحيين، قد عوملوا معاملة مجحفة من اتباع المذهب الأرثوذكسي٣ التابعيين للبلاط، الذين ألقوا في قلوبهم بذرو السخط والحنق اللذين لم ينسهما أعقابهم حتى اليوم.
كان بعضهم يعذب ثم يلقى بهم في اليم وتبع كثير منهم بطريقهم إلى المنفى، لينجوا من أيدي مضطهديهم، وأخفى عدد كبير منهم عقائدهم الحقيقية، وتظاهر بقبول قرار خلقدونية"٤.
_________________
(١) ١ الأربوسية: هم أصحاب آريوس وكان قيسًا بالإسكندرية، ومن قوله: التوحيد، المجرد وأن عيسى ﵇ عبد مخلوق وأنه كلمة الله التي بها خلق السماوات والأرض، ابن حزم، الفصل ١/ ٤٨. ٢ تفسير القرآن العظيم ٣/ ٦٢. ٣ وهم التابعون للكنيسة الشرقية الأرثوذكية، وأكثر أتباعها من الروم الشرقيين ومن البلاد الشرقية. كروسيا والبلقان واليونان، وكان مقرها الأصلي القسطنطينية. انظر: شلبي، المسيحية ٢٣٨. ٤ خلقدونية: هو ثغر منه المصيصة وطرطوس وأدنة في آسيا الصغرى على البسفور، وينسب إليه مجمع مسيحي عقد فيها سنة ٤٥١، حضره ٥٢٠ أسقفًا، وقيل: أكثر، وكان من أهم قراراته:
(٢) أن المسيح فيه طبيعتان لا طبيعة واحدة وأن الألوهية طبيعة وحدها، والناسوت طبيعة وحدها؛ التقتا في المسيح.
(٣) لعن "ديسقورس" بطريرك كنيسة الإسكندرية ونفيه. انظر: محاضرات في النصرانية، لأبي زهرة ص ١٣٧.
[ ١٩٧ ]
وقد جلب الفتح الإسلامي إلى هؤلاء القبط -ذلك اللفظ الذي يطلق على المسيحيين من اليعاقبة في مصر- حياة تقوم على الحرية الدينية التي لم ينعموا بها قبل ذلك بقرن من الزمان"١.
وكثيرًا ما كان الحكم الإسلامي مخلصًا لكثير من طوائف النصارى من حقد واضطهاد وظلم، وبجانب عامل العدل والتسامح الذي عرف به الفاتحون المسلمون، كان هذا من العوامل التي جعلت الكثير من المسيحيين يفضلون الحكم الإسلامي على حكم أبناء دينهم من أتباع الطوائف الأخرى. كما تقدم لنا شواهد ذلك في مبحث "شهادة الأعداء بعدالة الأمة الإسلامية"٢.
ب- العدل فيما بينهم وبين غيرهم من الأمم:
سبق لنا في بحث العدل فيما بينهم كيف أن المسيح ﵇، أمرهم بمقابلة السيئة بالحسنة، وأن لا يردوا على من أساء إليهم، وتلك مثالية عالية لم تبلغها همم القوم؛ ولعل ما نزل بهم من ظلم يهود ولارومان واضطهادهم المرير لهم أيام ضعفهم وذلتهم، ترك في أنفسهم الرغبة في الانتقام متى استطاعوا ذلك؛ بل والاعتداء إن قدروا.
وإن نحن استنطقنا تاريخ القوم أفصح لنا عن سواءت يتوارى المرء منها خجلًا؛ إذ ثبت الوقائع التاريخية أن القوم كانوا شديدي الظلم والاضطهاد لمن يقع تحت سلطانهم من أهل الأديان الأخرى؛ إذ ليس لأهل هذه الأديان بينهم مقام؛ فإما التنصر وإما القتل أو الرحيل.
ولم يكن اضطهادهم للمخالفين عملًا فرديًا يبدو حينًا ويختفي حينًا؛ بل
_________________
(١) ١ الدعوة إلى الإسلام ص١٢٣. ٢ انظر: ص١٧٨ وما بعدها.
[ ١٩٨ ]
كان سياسة ثابتة حاسمة تستهدف إفناء الخصوم ومحو آثارهم.
فكانت المذابح العامة تدبر وتنفذ بوحشية بالغة ترتكب خلالها لضائع وجرائم يندى لها جبين الإنسانية فضلًا عن اتباع نبي كان من تعاليمه ما ذكرنا.
ولعل من أبلغ الأمثلة الشاهدة على مبلغ ظلم القوم وحقدهم تلك المذابح التي ارتكبها الصليبيون ضد سكان بيت المقدس إبان استيلاءهم عليها، عندما تخاذل عن الدفاع عنها العبيديون؛ إذ اكتفى واليهم آنذاك -افتخار الدولة- بتأمين نجاته مع حرسه الخاص، وترك المدينة للصليبيين يعيثون فيها فسادًا، بعد أن دافع عنها دفاعًا هزيلًا، ذرًا للرماد في العيون.
وسنعيش أحداث هذه المأساة مع قسيس صليبي هو "القس ريمند" وهو شاهد عيان يروي لنا ما فعله أبناء عمومته، وهو غير متهم بالمبالغة في تصوير المأساة إن لم يحاول إخفاء بعض المخازي. يقول بعد دخوله بيت المقدس: "وشاهدنا أشياء عجيبة؛ إذا قطعت رؤوس عدد كبير من المسلمين، وقتل غيرهم رميًا بالسهام، أو أرغموا على أن يلقوا بأنفسهم من قول الأبراج، وظل بعضهم يعذبون عدة أيام، ثم أحرقوا في النقار، وكنت ترى في الشوارع أكوام الرؤوس والأيدي والأرجل، والأقدام، وكان الإنسان أينما سار فوق جواده يسير بين جثث الرجال والخيل"١.
ويقول المستشرق ستيفن رنسيمان في وصف ذلك:
"على أنه لم ينج من المسلمين بحياتهم إلا هذه الفئة القليلة -وهم افتخار الدولة والي العبيدييين على القدس وحرسه الخاص- إذ أن الصليبيين، وقد زاد في جنونهم ما أحرزوه من نصر كبير بعد شقاء وعناء شديد، انطلقوا في شوارع المدينة، وإلى الدور والمساجد يقتلون كل من يصادفهم من الرجال
_________________
(١) ١ انظر: وول ديوارنت، قصة الحضارة ١٥/ ٢٥.
[ ١٩٩ ]
والنساء، والأطفال دون تمييز، استمرت المذبحة طوال مساء ذلك اليوم وطوال الليل، ولم يكن علم تانكرد١ عاصمًا للاجئين إلى المسجد الأقصى من القتل؛ ففي الصباح الباكر من اليوم الثاني اقتحم باب المسجد ثلثة من الصليبيين فأجهزت على جميع اللاجئين وحينما توجه ريموند آجيل في الضحى لزيارة ساحة المعبد أخذ يتلمس طريقه بين الجثث والدماء التي بغلت ركبتيه.
وفر يهود بيت المقدس جميعًا ِإلى معبدهم الكبير؛ غير أنه تقرر إلقاء القبض عليهم بحجة أنهم ساعدوا المسلمين فلم تأخذهم بهم الرحمة والرأفة، فأشعلوا النار في المعبد، ولقي اليهود بداخله مصرعهم محترقين.
- يقول: وتركت مذبحة بيت المقدس أثرًا عميقًا في جميع العالم، ليس معروفًا بالضبط عدد ضحاياها٢ غير أنها أدت إلى خلو المدينة من سكانها المسلمين واليهود"٣.
فانظر الفرق والبون الشاسع بين دخول الصليبين هذه المدينة المقدسة لدى المسلمين والمسيحيين واليهود، وبين دخول القائد المسلم صلاح الدين.
وفي الأندلس عند أفول نجم الخلافة الإسلامية فيها، وتغلب النصارى عليها ألحقوا بالمسلمين ضروبًا من الظلم والأذى، يصور ذلك الدكتور توفيق الطويل في إيجاز فيقول:
"وقد استنفدت الكنيسة جهدها في إقناع المسلمين المقيمين في أسباينا، لكن يرتدوا عن دينهم ويعتنقوا المسيحية دينًا، وعلى غير جدوى ما بذلت من جهود، فاستجمعت محكمة التفتيش كل قواها، واعتصمت بالجرأة والتعصب،
_________________
(١) ١ تانكر: أحد قواد الصليبيين، كان المسلمون لما رأوه استسلموا ورفعوا علمه على المسجد. ٢ ذكر ابن الأثير أنهم يزيدون على سبعين ألفًا. الكامل ٨/ ١٨٩. ٣ انظر: تاريخ الحروب الصليبية ١/ ٤٠٤- ٤٠٥، ط. الأولى ١٩٦٧ م.
[ ٢٠٠ ]
وصبت عذابها على المسلمين في غير رفق ولا عدالة، حتى اعتنق النصرانية خار في ميدان الكفاح، وهاجر من حار بين التمسك بعقيدته، واحتمال آلام العذاب. وفي عام ١٦٠٩ و١٦١٠ م تم إجلاء ألوف المسلمين عن أسبانيا بعد أن أغرقوا بدمهم أرضها، وكتبوا بمقاومتهم أنصح الصفحات في تاريخ الجهاد في سبيل الله"١.
ولعل من أقرب الشواهد إلى الذاكرة على ظلم النصارى ومبلغ اضطهادهم لمعتنقي الأديان الأخرى، ما اقترفه نصارى لبنان -الموارنة- ضد المسلمين الفلسطينيين في مخيمي "صبرا وشاتيلا" من مجازر ومذابح أودت بأرواح الآلاف من قاطني المخيمين مع ما صاحب ذلك من النهب والتدبير الشامل لمحتويات المخيمين وذلك عقب اجتياح الجيش اليهودي الصهيوني لمدينة بيروت وغيرها من المدن اللبنانية عام ١٩٨٢ م - ١٤٠٢ هـ.
يقول أحد شهود العيان: "دفنت في يوم واحد عددًا إجماليًا مائة وثلاث عشرة جثة وعندما دخلت المخيم رأيت اللحم ملزقًا على الحيطان، وتستطيع أن تقول كل أساليب القتل قد استخدمت: الساطور، البارودة، الرصاص، العصى، كاتم الصوت. وكان بين الضحايا من كان عمره تسعين سنة. ومن بين الذين دفناهم أطفال أعمارهم بين ٦- ٧ سنوات ونساء من مختلف الأعمار، كانوا -أي: النصارى- يقتلون كل شيء يتحرك قدامهم"٢، ٣.
_________________
(١) ١ انظر: قصة الاضطهاد الديني في المسيحية والإسلام ص ٧١ - ٧٢. ٢ عبد الله محمد الغريب، وجاء دور المجوس ٢/ ٥٨، ٥٩. ٣ ولعل ما يحدث في وقتنا هذا -وقت إعداد هذه الرسالة للنشر- من المجازر والمذابح التي يرتكبها الصرب ضد مسلمي البوسنة والهرسك، على مرأى ومسمع من العالم خير شاهد وأكبر دليل على مبلغ ظلم النصارى واضطهادهم للمسلمين.
[ ٢٠١ ]
وبعد: فإن النصارى ما كانوا في عدائهم عدولًا، ولا رحماء بمخالفيهم، كما هو شأن الإسلامِ؛ فقد كانت أفعالهم بخصومهم تفرق كل وصف، ولولا ما نقله شهود العيان مما أنزلوه بغيرهم من الظلم والعدوان لما استطاع المرء أن يتصور أن تصدر هذه الأعمال الموغلة في الوحشية والشناعة، من قوم لا دين لهم؛ فضلًا عن قوم يدعون أنهم أتباع من قال لهم: "قد سمعتم أنه قيل: أحبب قريبك وأبغض عدوك؛ أما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم وأحسنوا إلى من يبغضكم وصلوا لأجل من ينتكم ويضطهدكم"١.
_________________
(١) ١ إنجيل متى، الإصحاح الخامس فقرة ٤٣- ٤٤.
[ ٢٠٢ ]