الإيمان بالقدر، أصل من أصول الإيمان، وركن من أركانه الستة التي نص عليها النبي ﷺ في حديث جبريل المشهور؛ حيث قال في الإيمان: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ونؤمن بالقدر خيره وشره" ١ فجعل ﷺ الإيمان بالقدر ركنا من أركان الإيمان، فمن لم يؤمن به فليس بمؤمن.
وقد تظافرت نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة على إثباته لله ﷿، كقول الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر﴾ ٢ وقوله ﷿: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ٣ ومنها قوله ﷺ: "كل شيء بقدر، حتى
_________________
(١) ١ تقدم تخرجيه، انظر: ص ٢٧٨. ٢سورة القمر آية ٤٩. ٣سورة الفرقان آية ٢.
[ ٣٦٢ ]
العجز والكيس١، أو الكيس والعجز"٢. قال طاووس: "أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون "كل شيء بقدر"٣.
وعند اللالكائي عنه قال: "أدركت ثلاثمائة من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: كل شيء بقدر"٤، وذكر اللالكائي ممن يقول بذلك عددًا من أئمة التابعين وفقهاء الأمصار٥.
وقال الحافظ ابن حجر: "ومذهب السلف قاطبة أن الأمور كلها بتقدير الله تعالى"٦.
حقيقة القدر الذي يجب الإيمان به:
أعلم أنه لا يعد المرء مؤمنًا بالقدر حتى يؤمن بمراتبه الأربع التي هي بمثابة الأركان منه، من أخل بإحداها؛ فليس هو بمؤمن بالقدر حقيقة.
الأولى: علم الله سبحانه بالأشياء قبل كونها؛ فيجب الإيمان "بأن الله ﷿ لم يزل عالمًا بالخلق وأعمالهم قبل أن يخلقهم، ولا يزال عالمًا بهم، ولم يزدد في علمه بكينونة الخلق خردلة واحدة"٧.
ومن الأدلة على تقدم عللمه ﷿، قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْم
_________________
(١) ١ الكيس: ضد العجز، وهو النشاط والحذق بالأمور، قال النووي، انظر: شرح صحيح مسلم له ١٦/ ٢٠٥. ٢ م: كتاب القدر، باب كل شيء بقدر ٤/ ٢٠٤٥، ح ٢٦٥٥. ٣ نفس المصدر والجزء والصفحة. ٤ انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٤/ ٥٣٥.٣ ٥ نفس المصدر ٤/ ٥٣٥- ٥٣٨. ٦ انظر: الفتح ١١/ ٤٧٨. ٧ عثمان بن سعيد الدارمي، الرد على الجهمية، "بتحقيق بدر البدر، ص ١١٢، ط. الدار السلفية".
[ ٣٦٣ ]
السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ١، وقوله سبحانه ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٢، ومن السنة، قوله ﷺ في أطفال المشركين: "الله أعلم بما كانوا عاملين" ٣.
المرتبة الثانية: مرتبة الكتابة؛ أي: أن الله ﷿ قد كتب كل ما هو كائن قبل أن يكون، كما قاله سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير﴾ ٤.
قال الحافظ ابن كثير: "وهذه الآية الكريمة من أدل دليل على القدرية نفاة العلم السابق قبحهم الله"٥، وقال في قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير﴾؛ أي: أن علمه تعالى الأشياء قبل كونها وكتابته لها طبق ما يوجد في حينها سهل على الله -﷿؛ لأنه يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون"٦.
ومما يدل لذلك قوله ﷺ: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة" ٧.
والنصوص في ذلك متكاثرة، متظافرة.
_________________
(١) ١ سورة لقمان آية ٣٤. ٢ سورة المزمل آية ٢٠. ٣ م: القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة ٤/ ٢٠٤٩، ح ٢٦٥٩. ٤ سورة الحديد آية ٢٢. ٥ انظر: تفسر القرآن العظيم ٨/ ٥٢. ٦ نفس المصدر والجزء والصفحة. ٧ م: كتاب القدر، باب حجاج آدم موسى ﵉ ٤/ ٢٠٤٤، ح ٢٦٥٣.
[ ٣٦٤ ]
المرتبة الثالثة: مشيئته سبحانه للأشياء قبل كونها، وأنه لا يقع شيء في الكون إلا بمشيئته، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، والنصوص الدالة على ذلك كثيرة.
منها قوله ﷿: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ ١، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ٢، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣، وغير ذلك من الآيات.
قال الإمام ابن القيم: "قد دل على ذلك إجماع الرسل من أولهم إلى آخرهم، وجميع الكتب المنزلة من عند الله، والفطرة التي فطر الله عليها خلقه، وأدلة العقول والعيان وليس فيا لوجود موجب ومقتض إلا مشيئة الله وحده؛ فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن"٤.
المرتبة الرابعة: خلق الله سبحانه الأعمال وتكوينه وإيجاده لها.
قال ابن القيم: "وهذا أمر متفق عليه بين الرسل صلى الله تعالى عليهم وسلم، وعليه اتفقت الكتب الإلهية، والفطر والعقول. وخالف في ذلك مجوس الأمة"٥.
وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن الله سبحانه هو خالق الخلق وأفعالهم كقوله ﷿: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ ٦
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية ٢٥٣. ٢ سورة المائدة آية ٤٨. ٣ سورة التكوير آية ٢٩. ٤ انظر: شفاء العليل ص ٤٣، "ط ١٣٩٨ هـ ١٩٧٨، نشر: دار المعرفة -بيروت". ٥ انظر: شفاء العليل ص ٤٩. ٦ سورة الزمر آية ٦٢.
[ ٣٦٥ ]
وقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُون﴾ ١، وقوله ﷿: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ ٢؛ فأخبر نه هو الذي يجعل السرابيل: وهي الدروع والثياب المصنوعة ومادتها لا تسمى سرابيل إلا بعد أن تحليها صنعة الآدميين وعملهم؛ فإذا كانت مجعولة لله فهي مخلوقة له بجملتها صورتها ومادتها وهيأتها٣.
ومن أدلة ذلك من السنة قوله ﷺ: "إن الله يصنع كل صانع وصنعته" ٤. قال الإمام البخاري ﵀: "فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقة"٥.
وعبد: فهذه هي المراتب، إن شئت فقل الأركان التي يدور عليها رحى الإيمان بالقدر ذكرها الإمام ابن القيم، وأفاض في الكلام عليها والاستدلال لها فأفاد وأجاد رحمه الله٦.
_________________
(١) ١ سورة الصافات آية ٩٦. ٢ سورة النحل آية ٨١. ٣ ابن القيم: شفاء العليل ٥٤- ٥٥. ٤ الإمام البخاري، خلق أفعال العباد ص ٢٥، "ط. الأولى ١٤٠٤، نشر: مؤسسة الرسالة". ٥ نفس المصدر والصفحة. ٦ انظر: شفاء العليل ص ٢٩- ٦٥.
[ ٣٦٦ ]