من أعظم وأبلغ صور وسطية أهل السنة في هذا الباب:
كونهم الطائفة الوحيدة التي أثبتت لله جميع ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ مع تحقيقها للتنزه وسلامة قولها من التشبيه والتمثيل. وليس ذلك إلا لها.
فإن الجهمية المحضة، نفوا الأسماء والصفات كما تقدم.
والمعتزلة: أثبتوا الأسماء ونفوا الصفات كما سبق ذكر ذلك.
فكان قولهم خيرًا من قول أولئك؛ فإن من سمي الله بما سمي به نفسه أقرب إلى الحق والصواب ممن نفي ذلك.
[ ٣٢٦ ]
والكلابية والأشاعرة: أثبتوا الأسماء، وبعض الصفات، ونفوا وأولوا البعض الآخر؛ فقولهم خير وأقرب للحق من قول الجهمية والمعتزلة.
وأهل السنة لما أثبتوا جميع الأسماء والصفات، كان قولهم خيرًا من قول الجميع.
كونهم الطائفة الوحيدة التي عملت بمقتضى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾ ١؛ إذ كل طائفة عداها إنما عملت بشطر من هذه الآية وضيعت الشطر الآخر كما تقدم إيضاح ذلك في كلام فضيلة الشيخ عبد المحسن العباد.
هذه بعض الصور العامة لوسطيتهم، وهناك صور كثيرة لهذه الوسطية نستطيع أن نلمسها من خلال أقوالهم في كثير من الصفات الإلهية.
وسنختار بعض الصفات أمثلة ونماذج نوضح من خلالها هذه الوسطية؛ فمن ذلك:
١- صفة العلو والفوقية:
دلت كثير من الآيات والأحاديث النبوية على علو الله ﷿، وأنه فوق مخلوقاته، من ذلك قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِم﴾ ٢، وقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ ٣، وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ٤، وغير ذلك من الآيات كثير.
فاختلفت الطوائف والفرق في ذلك، ونزع قوم إلى إفراط، وآخرون إلى
_________________
(١) ١ سورة الشورى: آية ١١. ٢ سورة النحل: آية ٥٠. ٣ سورة الأنعام: آية ١٨. ٤ سورة فاطر آية ١٠.
[ ٣٢٧ ]
تفريط.
فقال حلولية الجهمية: إن الله بذاته في كل مكان فقالوا: "هو تحت الأرضين السبع كما هو على العرش، ولا يخلو منه مكان ولا يكون في مكان دون مكان"١.
وقال معطلة الجهمية: ليس هو داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق ولا تحت.
وهذا قول المعتزلة٢، وإليه يؤول قول الأشاعرة، الذين نفوا فوقيته لزعمهم أنه لا يصح أن يكون الباري في جهة؛ يقول الجويني: "إن الرب تعالى متقدس عن الاختصاص بالجهات والإتصاف بالمحاذاة ولا تحيط به الأقطار"٣.
ويقول الرازي: أعلم أنا ندعي وجود موجود لا يمكن أن يشار إليه بالحسن أن ههنا أو هنالك"٤ ومؤداه أنه سبحانه ليس فوق سماواته مستو على عرشه.
وقال أهل السنة: إن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، كما دل على ذلك الكتاب وإجماع سلف الأمة٥.
فقول أهل السنة كما ترى وسط بين قول من جعله -تعالى عن قولهم- في كل مكان، وبين قول من جعله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق ولا
_________________
(١) ١ انظر: الإمام أحمد بن حنبل، الرد على الجهمية ١٠٥. ٢ الأشعري، المقالات ١/ ٢٣٧، وهو قول الفوطي، وعباد بن سليمان، وأبي زفر وغيرهم وجمهوروهم على القول بأنه في كل مكان. وانظر: زهدي جار الله، المعتزلة ص ٨٣. ٣ لمع الأدلة ٩٤- ٩٥. ٤ أساس التقديس ص ٤. ٥ ابن تيمية، الفتاوى ٢/ ٢٩٧.
[ ٣٢٨ ]
تحت.
٢- رؤية الله ﷿:
فقد أفرط قوم في إثبات ذلك فجاوزوا الحد، وقالوا: إنه سبحانه يرى في الدنيا والآخرة، وأنه يحاضر ويسامر وهذا قول بعض غلاة الحلولية١.
وفرط قول فقالوا: إنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة. وهذا قول: الجهمية والمعتزلة٢ وغيرهم من أهل البدع٣.
وقال أهل السنة: -من الصحابة والتابعين- إن الله يرى في الآخرة بالأبصار عيانًا وأن أحدًا لا يراه في الدنيا بعينه.
لأن الله أخبر أن عباده يرونه في الآخرة فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٤، وقال عن الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُون﴾ ٥؛ فلما حجب الكفار عن رؤيته عقوبة لهم دل على أن أهل طاعته يرونه.
وأخبر رسول الله ﷺ أنه لا يتمكن رؤيته في الدنيا فقال: "تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه ﷿ حتى يموت" ٦.
فقول أهل السنة كما ترى وسط بين من أثبت رؤيته تعالى في الدنيا والآخرة، وبين من نفاها في الدارين؛ فأثبتوها في الآخرة دون الدنيا كما قال الله ورسوله ﷺ.
_________________
(١) ١ انظر: ابن تيمية، الوصية الكبرى ١/ ٢٩، وانظر: ابن القيم، حادي الأرواح ٢٤١. ٢ انظر قولهم لدى: القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة ٢٣٢. ٣ انظر: ابن القيم، حادي الأرواح ١٩٦. ٤ سورة القيامة آية ٢٢- ٢٣. ٥ سورة المطففين آية ١٥. ٦ م: كتاب الفتن، باب ذكر ابن صياد ٤/ ٢٢٤٥.
[ ٣٢٩ ]
وبعد فإن صور وسطية أهل السنة في هذا الباب كثيرة فما من صفة إلا وقولهم فيها وسط بين الغلاة في الإثبات، والمغرقين في النفي والتأويل، وهم بين هؤلاء وهؤلاء على سواه السبيل وأسعد بالدليل.
[ ٣٣٠ ]