لم يكن العدل في حياة هذه الأمة المحمدية الخاتمة مجرد مثل عليا، أو وصايا تفخر بها، دون ممارسة أو تطبيق؛ ولكنه كان واقعًا عاشته هذه الأمة ومارسته، وطبقته في واقع حياتها، على مر تاريخها الطويل، على تفاوت في ذلك التطبيق يبين زمان وزمان، ودولة ودولة، وحسب اشتعال جذوة الإيمان في قلوب الحاكمين وخبوئها؛ غير أنه مما يقطع به أنه لم يخل زمان ممن يقيم الحق والعدل ويقوم بالقسط ويحكم به من هذه الأمة.
وحسبنا أن نذكر فيما يلي صورًا من عدل هذه الأمة فيما بينهان ومع أعدائها وخصومها، وأهل ذمتها وسنختار هذه الصورة من واقع الأمة من خلال تاريخها الطويل. ليعلم أن هذه الأمة لم تزل قائمة بالقسط بين الناس شاهدة به على الناس لله، وأنها جديرة بأن تكون الأمة الوسط الشاهدة على البشرية.
وأولى هذه الصور تعيضها مع سيد الخلق وإمام العادلين نبينا محمد ﷺ، إمام هذه الأمة ومعلمها الخير، وهو يضرب أروع الأمثلة ويلقن أمته أبلغ دروس العدل والإنصاف والمساواة.
فها هو ﷺ يقيد أحد أصحابه من نفسه في طعنة طعنها إياه بالقدح في بطنه أثناء تسويته الصف للقتال، روى ابن إسحاق أنه ﷺ: "عدل صفوف أصحابه يوم بدر وفي يديه قدح١ يعدل به القوم، فمر بسواد بن غزية٢ وهو مستنتل٣ من الصف، قال ابن هشام: -ويقال: مستنصل٤ من الصف -فطعن
_________________
(١) ١ القدح "بكسر القاف وسكون الدال": السهم. لسان العرب ٢/ ٥٥٦. ٢ هو: سواد بن غزية الأنصاري من بني عدي بن النجار. المشهور أنه بتخفيف الواو وحكى السهيلي تشديدها، شهد بدرًا، وأمره النبي ﷺ على خيبر. انظر: ابن حجر، الإصابة ٢/ ٩٥، ترجمة ٣٥٨٢. ٣ مستنتل: أي: متقدم؛ وهو بمعنى: خارج، يقال: استنتل؛ أي: خرج وتساتل الناس إذا خرجوا. انظر: لسان العرب ١١/ ٣٢٤، مادة "ستل". ٤ مستنصل: أي: خارج من نصل؛ بمعنى: خرج سان العرب أيضًا ١١/ ٦٦٢ "نصل"، وابن الأثير: النهاية في غريب الحديث ٥/ ٦٦.
[ ١٦٨ ]
في بطنه بالقدح، وقال: استويا سواد؛ فقال: يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني، فكشف رسول الله ﷺ عن بطنه، وقال: "استقد" قال: فاعتنقه فقبل بطنه؛ فقال: ما حملك على هذا يا سواد؟ قال: يا رسول الله! حضر ما ترى؛ فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك فدعا له رسول الله ﷺ بخير وقاله، له"١.
وجاء يهودي يشتكي إليه أحد أصحابه قائلًا: يا محمد! إن لي على هذا أربعة دراهم، وقد غلبني عليها، قال: "أعطه حقه". قال -أي: الصحابي: والذي بعثك بالحق؛ ما أقدر عليها، قال: "أعطه حقه"، قال: والذي نفسي بيده؛ ما أقدر عليها، قد أخبرته أنك تبعثنا إلى خيبر؛ فأرجوا أن تغنمنا شيئًا فأرجع فأقضيه. قال: "أعطه حقه". وكان رسول الله ﷺ إذا قال ثلاثًا لم يراجع٢.
وكان ﷺ يقيم حدود الله على من وجب عليه ذلك في عدل وِإنصاف لا تأخذه في الله لومة لائم ولا قرابة قريب أو مكانة شريف؛ فما هو ﷺيقسم- وهو الصادق المصدوق البار في قمسه: لو أن ابنته سرقت لأقام عليها الحد. لا يدرؤه عنها كونها ابنة محمد ﷺ. أخرج الإمام البخاري عن عائشة ﵂: أن قريشًا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت؛ فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ؟ من يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله ﷺ؛ فكلم رسول الله ﷺ فقال: "أتشفع في حد من حدود الله؟ " ثم قام: فخطب فقال: "يا أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وايم الله؛ لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها" ٣.
_________________
(١) ١ ابن هشام: السيرة ١/ ٦٢٦، "بتحقيق مصطفى السقا وزملائه". ٢ حم ٣/ ٤٢٣. ٣ خ: حدود، باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السطان ١٢/ ٨٧، ح ٦٧٨٨.
[ ١٦٩ ]
فإن قيل هذا محمد رسول الله ﷺ، ولا يستغرب منه مثل هذا العدل، ومن يعدل إن لم يعدل هو؟
قلنا: وهذا رجل من أصحاب رسول الله ﷺ عمر بنا لخطاب ﵁، يهتدي بهدي رسول الله ﷺ، فيقيم العدل والقسط بين الناس يحكم بالحق لرجل يهودي على مسلم، ولم يحمله كفر اليهودي على ظلمه والحيف عليه. أخرج الإمام مالك من طريق سعيد بن المسيب١: أن عمر بن الخطاب ﵁ اختصم إليه مسلم ويهودي؛ فرأى عمر أن الحق لليهودي فقضي له، فقال له اليهودي: والله لقد قضيت بالحق٢.
وكان ﵁ يأمر عماله أن يوافوه بالموسم، فإذا اجتمعوا قال: أيها الناس! إني لم أبعث عمالي عليكم ليصيبوا من أبشاركم، ولا من أموالكم؛ إنما بعثتهم ليحجزوا بينكم، وليقسموا فيئكم بينكم؛ فمن فعل به غير ذلك فليقم، فما قام أحد إلا رجل واحد قام فقال: يا أمير المؤمنين إن عاملك فلانًا ضربني مائة سوط. قال: فيم ضربته؟ قم فاقتص منه، فقام عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين إنك إن فعلت هذا يكثر عليك ويكون سنة يأخذ بها من بعدك، فقال: "أنا لا أقيد وقد رأيت رسول الله يقيد من نفسه قال: فدعنا فلنرضه، قال: دونكم فارضوه، فافتدى منه بمائتي دينار كل سوط بدينارين"٣، ولو لم يرضوه لأقاده ﵁.
وجاءه رجل من أهل مصر يشكو ابن عمرو بن العصا واليه على مصر
_________________
(١) ١ هو: سعيد بن المسيب بن حزن، عالم أهل المدينة وسيد التابعين في زمانه، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر ﵁ وقيل: لأربع مضين منها بالمدينةز ومات سنة أربع وتسعين. الذهبي، سير أعلام النبلاء ٤/ ٢١٧. ٢ ط: كتاب الأقضية، باب الترغيب في القضاء بالحق ص ٧١٩، ح ٢. ٣ ابن سعد، الطبقات الكبرى ٣/ ٢٩٣- ٢٩٤. "نشر: دار صادر ١٤٠٥ هـ".
[ ١٧٠ ]
قائلًا: "يا أمير المؤمنين عائذ بك من الظلم، قال: عذت معاذًا قال: سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته، فجعل يضربني بالسوط ويقول: أنا ابن الأكرمين؛ فكتب عمر إلى عمرو -﵄- يأمره بالقدوم ويقدم بابنه معه، فقدم، فقال عمر: أين المصري؟ خذ السوط فاضرب؛ فجعل يضربه بالسوط ويقول عمر: اضرب ابن الأكرمين، قال أنس -راوي القصة: فضرب، فوالله؛ لقد ضربه ونحن نحب ضربه، فما أقلع عنه حتى تمنينا أن يرفع عنه، ثم قال عمر للمصري: ضع على صلعة عمرو. فقال: يا أمير المؤمنين إنما ابنه الذي ضربني وقد اشتفيت منه. فقال عمر لعمرو: مذ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا. قال: يا أمير المؤمنين لم أعلم ولم يأتني١.
فانظر إلى هذه الصورة الرابعة لعدالة هذه الأمة، رجل من عامة الناس وفي رواية أنه ذمي من أقباط مصر، يتظلم فيعطى حقه ويقاد من ابن الأمير يجاء به وبأبيه ليعطي الرجل حقه وينصف.
ثم انظر إلى الحاضرين من أصحاب النبي ﷺ كيف أحبوا ذلك وأبدوه؛ "فوالله؛ لقد ضربه ونحن نحب ضربه" لا تشفيا منه، ولا شماته بعمرو وابنه؛ فالقوم فوق ذلك وأبعد ما يكون عن التشفي والشماتة، ولكنهم جيل أحب العدل وعاشه وتربى عليه على يد رسول الله ﷺ؛ لذا فهو لا يطيق رؤية الجور ولا يقره في الأمة ولو كان على رجل مخالف لها في الدين، ويسعد لرؤية العدالة تعم الأمة ليؤخذ لضعيفها من قويها.
فإن قيل: هذا الخليفة الثاني أمير المؤمنين عمر الفاروق، ومثله خليق بإقامة العدل في رعيته.
قلنا: إليك صورة أخرى بطلها ليس بخليفة ولا أمير، ولكنه رجل من عامة
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم: فتوح مصر والمغرب ص ٢٢٥- ٢٢٦، "بتحقيق عبد المنعم عامر، نشر: لجنة البيان العربي بمصر".
[ ١٧١ ]
أصحاب رسول الله ﷺ هو الصحابي الجليل عبد الله بن رواحة١ يكل إليه النبي ﷺ خرص مزارع خيبر التي تركها ﷺ بيد اليهود؛ فيحاول يهود رشوته ليخفف عليهم في الخرص. فيشتد غضبه ﵁ أن ساوموه على أمانته وعدالته ويقول مخاطبًا إخوان القردة والخنازير: "يا معشر اليهودي! أنتم أبغض الخلق إلي، قتلتم أنبياء الله ﷿، وكذبتم على الله، وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم، وقد خرصت عشرين ألف وسق من تمر، فإن شئتم فلكم وإن أبيتم فلي". فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض، وقد أخذنا فأخرج عنا٢، وفي رواية أنه قال لهم: "لأنتم والله أبغض إلي من عدتكم من القدرة والخنازير"٣.
وأقر اليهود بعدله ونصفته، وأنه لم يحف عليهم كما ادعوا٤. ولكنهم قوم بهت!
فإن قيل هذا صحابي جليل تربى على يد الرسول ﷺ وشاهد التنزيل؛ فليس ببدع أن يعدل ويحكم بالقسط إذ وكل إليه الحكم في أمر من الأمور.
قلنا: لندع جيل الصحابة رضوان الله عليهم؛ فإنهم، جيل فريد، الأصل فيهم الخير والعدالة، ولنتجاوزهم إلى غيرهم ممن جاء بعدهم، فهذا شريح القاضي٥ يتحاكم إليه أمير المؤمنين وخليفة المسلمين ورجل ذمي
_________________
(١) ١ وهو: عبد الله بن رواحة بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي الشاعر المشهور، أحد الفقاء ليلة العقبة، شهد بدرًا وما بعدها إلى أن استشهد بمؤته. ابن حجر، الإصابة ٢/ ٣٠٦. ٢ حم: ٣/ ٣٦٧، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: ورجاله رجال الصحيح ٤/ ٢٢. ٣ البيهقي، كتاب المساقاة، باب المعاملة على النخل بشطر ما يخرج منها ٦/ ١١٤. ٤ جاء في بعض الروايات أنهم اشتكوا إلى النبي ﷺ حيف عبد الله عليهم في الحرص، انظر: السنن الكبرى للبيهقي ٦/ ١١٤. ٥ هو: شريح بن الحارث بن قيس الكندي، قاضي الكوفة، كان يكنى أبا أمية، توفي سنة ثمان أو تسع وسبعين، وقد عاش مائة وثمانين سنين. ترجمته في: "بقات ابن سعد ٦/ ١٣١، والحلية، لأبي نعيم ٤/ ١٣٢، وسير أعلام النبلاء ٤/ ١٠٠.
[ ١٧٢ ]
فيحكم شريح يرحمه الله للذمي على أمير المؤمنين؛ فقد أخرج البيهقي بسنده عن الشعبي؛ قال: خرج علي بن أبي طالب ﵁، إلى السوق، فإذا هو بنصراني١ يبيع درعًا قال: فعرف علي ﵁ الدرع، فقال: هذه درعي، بيني وبينك قاضي المسلمين، قال: فلما رأى شريح أمير المؤمنين قام من مجلس القضاء وأجلس عليًا ﵁ في مجلسه، وجلس شريح قدامه إلى جنب النصراني؛ فقال له علي ﵁: يا شريح لو كان خصمي مسلمًا لقعدت معه مجلس الخصم، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تصافحوهم، ولا تبدؤهم بالسلام ولا تعودوا مرضاهم، ولا تصلوا عليهم، ولجوهم إلى مضايق الطرق، وصغروهم كما صغرهم الله٢"، اقض بيني وبينه يا شريح. فقال شريح: ما تقول يا أمير المؤمنين؟ قال: فقال علي ﵁: هذه درعي ذهبت مني منذ زمان قال: فقال شريح: ما تقول يا نصراني؟ قال: فقال: ما أكذب أمير المؤمنين؛ الدرع هي درعي، فقال شريح: ما أرى أن تخرج من يده فهل من بينة؟ فقال علي ﵁: صدق شريح. قال: فقال النصراني: أما أنا أشهد أن هذه أحكام الأنبياء، أمير المؤمنين يجيء إلى قاضيه، وقاضيه يقضي عليه، هي والله يا أمير المؤمينن درعك. اتبعتك من الجيش وقد زلت عن جملك الأورق؛ فأخذتها، فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. قال: فقال علي ﵁: أما إذا أسلمت فهي لك، وحمله على فرس عتيق، قال فقال الشعبي: لقد رأيته يقاتل المشركين٣.
_________________
(١) ١ وفي رواية: يهودي. انظر: الحلية لأبي نعيم ٤/ ١٣٩. ٢ في قوله ﷿: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، سورة التوبة آية ٢٩. ٣ السنن الكبرى، كتاب آداب القاضي، باب إنصاف الخصمين ١٠/ ١٣٦.
[ ١٧٣ ]
وهذا النص يبين لنا كيف كان قضاة المسلمين يصدرون أحكامهم العادلة فيما يعرض عليهم من قضايا في حرية تامة، لا تأخذهم في إقامة العدل لومة لائم، الأمير والحقير، والقوي والضعيف كل أمام القضاء سواء؛ لذا حكم شريح على أمير المؤمنين ﵁ للنصراني بما رآه حقًا، وأمير المؤمنين ﵁ يرضي بالحكم ويصدق شريحًا على صحة ما قضى به؛ لأنه حكم بمقتضى قواعد الشرع، فكان ذلك كله سببًا في إسلام النصراني واهتدائه، لما رأى من قيام هذه الأمة في رعاياها وأهل ذمتها بالعدل والقسط الذي هو من أحكام الأنبياء والمرسلين.
[ ١٧٤ ]