إذا كان اليهود غلب عليهم التفريط والتقصير والجفاء في حق أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين مع غلوهم في بعضهم كالعزير ﵇. فإن النصارى قد ذهبوا إلى أقصى الطرف المعاكس فغلب عليهم الغلو والإفراط ولا سيما في نبي الله عيسى ﵊، على أنهم فرطوا وقصروا أيضًا في حق بعض رسل الله بل وفي حق عيسى ﵇ أيضًا، ويمكن إجمال مواقفهم في هذا الباب في الأمور التالية:
الأمر الأول:
أنهم لو يؤمنوا بجميع رسل الله وأنبيائه؛ بل فرقوا بينهم فآمنوا ببعض وكفروا ببعض وغلوا في البعض الآخر، وهم معنيون أيضًا بقوله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ ١، وقدمنا إيراد هذه الآية في الكلام على موقف اليهود، وذكرنا ما قاله الإمام ابن جرير في تفسيرها، وفيه أن النصارى ممن آمن ببعض الأنبياء، وكفر ببعض حيث آمنوا بعيسى وموسى بزعمهم، وكفروا بمحمد ﷺ.
_________________
(١) ١ سورة النساء آية ١٥٠ - ١٥١.
[ ٢٧٣ ]
الأمر الثاني:
أنهم غلوا وأفرطوا في نبي الله عيسى ﵊، ورفعوه فوق المكانة التي جعله الله فيها، وأنزلوه فوق المنزلة التي أنزله الله إياها.
فلم يؤمنوا به عبدًا لله ورسولًا نبيًا؛ وإنما جعلوه هو الله أو ابن الله أو ثالث ثلاثة يتكون منها الإله، وعبدوه من دون الله ﷿ وأضافوا إليه من الأفعال والأعمال ما لا يصح إضافته ونسبته إلا إلى الله ﷿؛ فكانت عقيدتهم فيه التي أجمعوا عليها بعد "مجمع نيقية"١ وسموها بـ "الأمانة" على النحو التالي: "الإيمان:
١- بإله واحد، آب، ضابط الكل، خالق السماء والأرض، صانع ما يرى وما لا يرى.
٢- وبرب واحد يسوع، الابن الوحيد المولود من الأب قبل الدهور من نور الله إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساو للآب في الجوهر الذي به كان كل شيء الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خطايانا نزل من السماء وتجسد من روح القدس ومن مريم العذراء، وصلب حيًا على عهد بيلاطس وتألم وقبر، وقام من الأموات في اليوم الثالث على ما في الكتب وصعد إلى السماء وجلس على يمين الرب، وسيأتي ليدين الأحياء والأموات، ولا فناء لملكه"٢.
ولقد ذكر القرآن الكريم غلوهم في عيسى ﵇، وقولهم بألوهيته وبنوته لله ﷿، وكفرهم بذلك، فقال جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ
_________________
(١) ١ تقديم التعريف به. انظر: ص٢٥٢. ٢ نوفل بن نعمة الله بن جرجس سوسنة سليمان. اقتبسه د. علي عبد الواحد وافي. انظر: الأسفار المقدسة ص ١١١، وذكر هذه العقيدة الشهرستاني في الملل والنحل ٢/ ٢٨، وابن القيم، هداية الحيارى ص ٢٦٧ مع اختلاف في اللفظ.
[ ٢٧٤ ]
اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ١، ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢، وقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٣.
وورد في بعض الأناجيل بعض النصوص، التي اعتمد عليها النصارى في تالية المسيح وبنوته.
من ذلك ما جاء في إنجيل "يوحنا" كقوله: "في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله هذا كان في البدء عند الله، كل به كون وبغيره لم يكون شيء مما كون"٤.
فجعل المسيح هو الكلمة، وجعل الكلمة هي الله، فالمسيح هو الله، تعالى الله عن قولهم.
وفيه أيضًا أن المسيح ﵇ أبرأ أعمى فرده بصيرًا، وأن اليهود لما سألوه من رد إليك بصرك وأخبرهم بذلك ووعظهم طردوه "وسمع يسوع أنهم طردوه خارجًا فلقيه وقال له: أتؤمن أنت بابن الله؛ فأجاب. وقال: ومن هو يا سيد لأومن به؛ فقال له يسوع قد رأيته وهو الذي يكلمك؛ فقال له: قد آمنت يا رب وسجد له"٥.
على أن في هذا الإنجيل وغيره من الأناجيل من التناقضات في هذا الباب
_________________
(١) ١ سورة المائدة آية ٧٢. ٢ نفس السورة آية ٧٣. ٣ سورة التوبة آية ٣٠. ٤ إنجيل ويحنا، الإصحاح الأول فقرة ١- ٤. ٥ إنجيل ويحنا، الإصحاح التاسع. فقرة ٣٥- ٣٨.
[ ٢٧٥ ]
الكثير، بل فيه ما يدل على بشرية المسيح وعبوديته، وأنه نبي وليس بإله، وليس من غرضنا هنا ذكر ذلك؛ وإنما القصد الإشارة إلى قولهم بألوهية المسيح وبنوته لله ﷿.
الأمر الثالث:
خذلانهم لنبيهم وعدم نصرته: إن من الواجب على أتباع الرسل وخاصة أصحابهم وحوارييهم، أن ينصروهم ويعزروهم، ويفدوهم بأنسهم وأموالهم، كما تقدم ذكر أخذ الله ميثاق بني إسرائيل على نصر الرسل ومؤازرتهم.
ولكن قوم عيسى ﵇، وتلاميذه خذلوه ولم ينصروه عندما أراد أعداؤه من اليهود أخذه وقتله، بل أسلمه بعضهم ودل عدوه عليه لولا أن الله رفعه وألقى شبهة على بعض تلاميذه.
ويسجل عليهم إنجيل "متى" هذا الموقف المشين فيقول في ذلك: "حينئذ مضى أحد الاثني عشر الذي يقال له يهوذا الأسخريوطي إلى رؤساء الكهنة، وقال لهم: ماذا تريدون أن تعطوني فأسلمه إليكم؟ فجعوا له ثلاثين من القصة، ومن ذلك الوقت يطلب الفرصة ليسلمه. وفيما هو يتكلم -أي: المسيح- إذ جاء يهوذا أحد الاثني عشر ومعه جمع كثير بسيوف وعصى من قبل رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب، والذي أسلمه أعطاهم علامة قائلًا الذي أقبله هو هو فأمسكوه وللوقت دنا إلى يسوع، وقال له: السلام يا معلم وقبله؛ فقال له يسوع: يا صاحب لأي شيء جئت، حينئذ جاءوا وألقوا أيديهم على يسوع وأمسكوه. حينئذ تركه التلاميذ كلهم وهربوا"١.
فانظر كيف تآمر عليه تلميذ وصاحب من أصحابه، وباعه لأعدائه بثمن بخس دراهم معدودة، ثم كيف هرب باقي تلاميذه وتركوه، نعم حاول بعضهم الدفاع عنه لكنهم في النهاية أسلموه لعدوه؛ على أنا لا نسلم لهم أن دعوه تمكن منه وما صلبوه وما قتلوه يقينًا ولكن شبه لهم.
لكن الشاهد من هذا النص من الإنجيل أن النصارى يثبتون أن تلاميذ المسيح وأصحابه أسلموا لليهود وخلوا بينهم وبينه وقبض بعضهم ثمنًا لذلك. وهذا غاية الخذلان.
_________________
(١) ١ متى، الإصحاح السادس والعشرون فقرة ١٤- ٥٧.
[ ٢٧٦ ]