إذا كانت السنة هي ما كان عليه النبي ﷺ فلا شك أنه لا سبيل إلى معرفتها إلا بالنقل لا غير. بالنقل الصحيح نعرف ما كان عليه الرسول ﷺ، ولا سبيل للعقل إلى ذلك البتة.
وبالاتباع لما جاء به النقل من ذلك تدرك السنة.
يقول إمام أهل السنةمن غير منازع الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه "ت ٢٤١ هـ": "وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول، والأهواء؛ إنما هي الإتباع، وترك الهوى"١.
ويقول الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي زمنين "٣٢٤- ٣٩٩ هـ": "أعلم رحمك الله أن السنة دليل القرآن، أنها لا تدرك بالقياس، ولا تؤخذ بالعقول،
_________________
(١) ١ اللالكائي، شرح أصول أهل السنة ١/ ١٥٦- ١٥٨، وابن الجوزي مناقب الإمام أحمد ١/ ١- ١٧٢.
[ ٦١ ]
وإنما هي في الإتباع للأئمة، ولما مشى عليه جمهور هذه الأمة"١.
ويقول الإمام أبو نصر السجزي٢ "ت ٤٤٤ هـ": "ولا خلاف بين العقلاء في أن سنة رسول الله ﷺ لا تعلم بالعقل، وإنما تعلم بالنقل"٣.
وقال: "فكل مدع للسنة يجب أن يطالب بالنقل الصحيح بما يقوله فإن أتى بذلك علم صدقه، وقيل قوله، وإن لم يتمكن من نقل ما يقوله عن السلف، علم أنه محدث زائغ"٤.
وقال أبو المظفر السمعاني "٤٨٩ هـ": "فلا بد من تعرف ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، وليس طريق معرفتنا إلا النقل، فيجب الرجوع إلى ذلك"٥.
أما شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه يقول في هذا الصدد: "إن السنة التي يجب اتباعها، ويحمد أهلها، ويذم من خالفها، هي سنة رسول الله ﷺ في أمور الاعتقادات، وأمور العبادات، وسائر أمور الديانات؛ وذلك إنما يعرف بمعرفة أحاديث النبي ﷺ الثابتة عنه في أقواله وأفعاله، وما تركه من قول،
_________________
(١) ١ أصول السنة ١/ ٢٠، "بتحقيق محمد إبراهيم هارون"، على الآلة الكاتبة رسالة ماجستير. ٢ هو: عبيد الله بن سعيد بن حاتم الوايلي: له كتاب الإبانة في الرد على الزائغين، وكتاب الرد على من أنكر الحرف والصوت، توفي سنة ٤٤٤ هـ. وقد قدمت عنه دراسة موسعة في مقدمة تحقيق كتاب الرد على من أنكر الحرف والصوت، الذي نلت به درجة الماجستير من الجامعة الإسلامية، ونشره المجلس العلمي بها. راجع ص ١٨- ٤٦. وانظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء ١٧/ ٦٥٤- ٦٥٧، وتذكرة الحفاظ ٣/ ١١١٨- ١١٢٠. ٣ الرد على من أنكر الحرف والصوت، ص ٩٩، "ط. الأولى، ١٤١٣ هـ". ٤ الرد على من أنكر الحرف والصوت ص ١١١. ٥ الانتصار لأهل الحديث، ضمن كتاب: صون المنطق للسيوطي ص ١٦٥.
[ ٦٢ ]
وعمل، ثم ما كان عليه السابقون والتابعون لهم بإحسان، وذلك في دواوين الإسلام المعروفة"١.
هذا كلام أهل العلم من أئمة أهل السنة يبين في جلاء أن السنة لا سبيل لمعرفتها وإدراكها إلا بالنقل الثابت الصحيح، والاتباع المحض لما ثبت منها.
فما هو موقف الأشاعرة، من النقل؟ الذي هو السبيل الوحيد. لمعرفة ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، ذلك ما سنقف عليه في الفقرة التالية.
_________________
(١) ١ الوصية الكبرى، "بتحقيق أبي عبد الله محمد بن حمد الحمود، ط. الأولى ١٤٠٧ هـ، نشر: مكتبة ابن الجوزي -الإحساء" ص ١٨.
[ ٦٣ ]