سلف الأشاعرة:
قبل أن أذكر مواقف أهل العلم من ادعاء الأشاعرة أنهم أهل السنة، أرى أن نتعرف على سلف الأشاعرة، وموقف علماء أهل السنة من السلف منهم.
تشير المصادر التي بين أيدينا بما فيها كتب الأشاعرة أنهم -إلى أن سلفهم في مقالتهم هو عبد الله بن سعيد بن كلاب١، وأبو العباس القلانسي٢، والحارث المحاسبي٣.
_________________
(١) ١ وهو: أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان، صاحب التصانيف في الرد على المعتزلة، وربما وافقهم. وكلاب مثل خطاف وزنا ومعنى، لقب به لقوته في المناظرة؛ لأنه كان يجر الخصم إلى نفسه ببيانه وبلاغته، وأصحابه هم الكلابية، أدرك بعضهم أبو الحسن الأشعري، توفي بعد الأربعين ومائتين. انظر ترجمته في: الفهرست لابن النديم ٢٣٠، والسير للذهبي ١١/ ١٧٤. ٢ وهو: أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن خالد القلانسي الرازي. انظر: ابن عساكر، تبيين كذب المفتري ص ٣٩٨. ٣ وهو: الحارث بن أسد المحاسبي البغدادي من الزهاد المتكلمين على العبادة والزهد. وكان فقيهًا متكلمًا، توفي سنة ٢٤٣ هـ. انظر ترجمته في: الفهرست لابن النديم ٢٣٦، وميزان الاعتدال للذهبي ١/ ٤٣٠- ٤٣١، والكامل لابن الأثير ٥/ ٢٩٨.
[ ٧٢ ]
يقول الشهرستاني "٤٧٩- ٥٤٨ هـ" -بعد أن بين أن جماعة كثيرة من السلف كانوا يثبتون صفات الله ﷿ من غير تفرقة بين الصفات الذاتية منها والصفات الفعلية: "حتى انتهى الزمان إلى عبد الله بن سعيد الكلابي، وأبي العباس القلانسي، والحارث بن أسد المحاسبي. وهؤلاء كانوا من جملة السلف إلا أنهم باشروا علم الكلام، وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية، وبراهين أصوليه، وصنف بعضهم، ودرس بعض، حتى جرى بين أبي الحسن الأشعري وبين أستاذه١ مناظرة في مسائل من مسائل الصلاح والأصلح فتخاصما، وانحاز الأشعري إلى هذه الطائفة، فأيد مقالتهم بمناهج كلامية، وصار ذلك مذهبًا لأهل السنة والجماعة، وانتقلت سمة الصفاتية إلى الأشعرية"٢.
وكلام الشهرستاني يفيد صراحة؛ أن مذهب الأشعرية إنما تلتمس أصوله لدى جماعة من الصفاتية باشروا الكلام وأثبتوا الصفات من أمثال الكلابي، والقلانسي والمحاسبي٣.
ويعتبر الأشاعرة ابن كلاب، إمام أهل السنة في عصره، ويعدونه شيخهم الأول فيقولون: "ذهب شيخنا الكلابي عبد الله بن سعيد إلى"٤.
كما يذكرونه وكذا القلانسي في كتبهم مشيرين إلى أنهما من أصحابهم٥.
_________________
(١) ١ وهو شيخه: أبو علي الجبائي. ٢ الملل والنحل ١/ ٩٣. ٣ د. أحمد محمود صبحي. في علم الكلام ص ٤٢٢. ٤ الشهرستاني، نهاية الإقدام ٣٠٣. ٥ انظر: البغدادي، أصول الدين ص ٨٧، ٩٧، ٢٣٤، والجويني الإرشاد ص ١١٩.
[ ٧٣ ]
فهؤلاء هم سلف الأشعرية، وقد كانوا من جملة السلف، ثم باشروا علم الكلام، فجرهم ذلك إلى مخالفة السلف في بعض ما يقولون وموافقة المعتزلة في بعض أصولهم، وأشهر ما خالفوا فيه السلف ووافقوا فيه المعتزلة مسألة قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكان الناس قبل أبي محمد بن كلاب صنفين:
فأهل السنة والجماعة: يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها.
والجهمية من المعتزلة وغيرهم: تنكر هذا، وهذا. فأثبت ابن كلاب: قيام الصفات اللازمة به، ونفي أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها ووافقه على ذلك أبو العباس القلانسي وأبو الحسن الأشعري١ وغيرهما"٢.
فوافق السلف والأئمة من أهل السنة في إثبات الصفات، ووافق الجهمية في نفي قيام الأفعال الاختيارية وما يتعلق بمشيئته وقدرته؛ فكان في مسلكهم ميل إلى البدع ومخالفة للسنة ومقارفة للكلام مما جعل علماء السلف من أهل السنة يحذرون منهم.
وقد كان الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة "١٦٤- ٢٤١ هـ" من أشدهم في ذلك؛ فقد هجر الحارث بن أسد المحاسبي لأجل ذلك. كما
_________________
(١) ١ أبو الحسن الأشعري ﵀ ثبت رجوعه إلى مذهب السلف في ذلك على ما جاء في كتابي الإبانة، والمقالات. ٢ درة تعارض العقل والنقل ٢/ ٦.
[ ٧٤ ]
يقول: أبو القاسم النصر أباذي١: "بلغني أن الحارث المحاسبي تكلم في شيء من الكلام فهجره أحمد بن حنبل فاختفى، فلما مات لم يصل عليه؛ إلا أربعة نفر"٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما الحارث المحاسبي فكان ينتسب إلى قول ابن كلاب، ولهذا أمر أحمد بهجره، وكان أحمد يحذر من ابن كلاب وأتباعه"٣.
وقال: "والإمام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة كانوا يحذرون من هذا الأصل الذي أحدثه ابن كلاب ويحذرون من أصحابه".
وهذا هو سبب تحذير الإمام أحمد عن الحارث المحاسبي ونحوه من الكلابية٤.
وقال الإمام أبو بكر ابن خزيمة "ت ٣١١ هـ" لما قال له أبو علي الثقفي٥: "ما الذي أنكرت أيها الأستاذ من مذاهبنا حتى نرجع عنه؟
_________________
(١) ١ وهو إبراهيم بن محمد بن أحمد بن محمويه الخراساني النصرآباذيِ، كان عالمًا بالحديث، وكان من شيوخ الصوفية في وقته، نزل مكة وتوفي بها سنة ٣٦٧ هـ. انظر ترجمته: الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ٦/ ١٦٩، والسمعاني: الأنساب ٥/ ٤٩٢، والذهبي: سير أعلام النبلاء ١٦/ ٢٦٣. ٢ الذهبي: ميزان الاعتدال ١/ ٤٣٠، وابن حجر: تهذيب التهذيب ٢/ ١٥٣. ٣ درء تعارض العقل والنقل ٢/ ٦. ٤ الفتاوى ١٢/ ٣٦٨. ٥ وهو: محمد بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن، أبو علي الثقفي، ذكر الحاكم أنه كان إمامًا في الفقه والكلام، والوعظ والورع، روى عنه أبو بكر ابن إسحاق "ابن خزيمة"، مات سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. انظر: تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، طبقات الشافعية الكبرى ٣/ ١٩٢، "بتحقيق محمود الطناحي، وعبد الفتاح الحلو، ط. الأولى ١٣٨٣ هـ - ١٩٦٤".
[ ٧٥ ]
قال: ميلكم إلى مذهب الكلابية؛ فقد كان أحمد بن حنبل من أشد الناس على عبد الله بن سعيد بن كلاب، وعلى أصحابه مثل الحارث وغيره"١.
وكان ابن خزيمة ﵀ شيخ الإسلام وإمام الأئمة في زمنه، شديدًا على الكلابية، منابذًا لهم.
فإذا كان هذا موقف إمام أهل السنة أحمد بن حنبل من الكلابية الذين هم سلف الأشاعرة، مع موافقتهم لأهل السنة في أكثر أقوالهم كما يدل عليه قول أبي الحسن الأشعري: "فأما أصحاب عبد الله بن سعيد القطان؛ فإنهم يقولون بأكثر مما ذكرناه عن أهل السنة"٢.
وكان ابن كلاب والمحاسبي يثبتون لله صفة العلو، والاستواء على العرش، كما يثبتون الصفات الخبرية كالوجه واليدين وغيرهما٣.
فكيف بمتأخري الأشاعرة الذين يؤولون ذلك كله، ويوافقون المعتزلة والجهمية في كثير من أقوالهم، مخالفين بذلك أئمة السلف من أهل السنة بل مخالفين سلفهم ابن كلاب وأصحابه.
فما هو موقف علماء أهل السنة منهم؟ وهل أقروهم على دعواهم أنهم أهل السنة؟ ذلك ما سنقف عليه في الصفحات التالية:
_________________
(١) ١ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ترجمة ابن خزيمة ١٤/ ٣٨٠. ٢ مقالات الإسلاميين ١/ ٣٥٠. ٣ انظر: ابن تيمية، درء التعارض ٣/ ٣٨٠- ٣٨١، ٥/ ٢٤٨، ٦/ ١١٩.
[ ٧٦ ]