يعبر عن المعاني المضادرة للوسط بعدة ألفاظ يحسن أن نقف على معانيها لتعلقها بالوسطية، وهي مما سيتكرر ذكره كثيرًا أثناء الرسالة؛ فمنها:
١- الغلو: وهو في اللغة: مجاوزة الحد.
قال ابن فارس: "الغين واللام والحرف المعتل "غلو" أصل صحيح.
يدل على ارتفاع ومجاوزة قدر. يقال: غلا السعر يغلو غلاء؛ وذلك ارتفاعه وغلا الرجل في الأمر غلوًا، إذ جاوز حده، وغلا بسهمه غلوًا، إذا رمى به سهمًا أقصى غايته١.
وقال الجوهري: وغلا في الأمر يغلو غلوًا، أي: جاوز فيه الحد٢.
وقال ابن منظور: وغلا في الدين والأمر يغلو غلوًا، جاوز حده، وفي التنزيل ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ ٣.
_________________
(١) = عيسى: هذا حديث صحيح. الحاكم: المستدرك، "٤/ ٢٨١"، وقال: هذا حديث صيحح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. قال الخطابي في بيان علة اللعن في الحديث: هذا يتأول فمن يأتي حلقة قوم، فيتخطى رقابهم، ويقعد وسطها ولا يقعد حيث انتهى به المجلس فلعن للأذى. وقد يكون في ذلك: أنه إذا قعد وسط الحلقة حال بين الوجوه وحجب بعضهم عن بعض، فيتضررون بمكانة وبمقعهده هناك. اهـ، معالم السنن، ٧/ ١٨٣. ١ معجم مقاييس اللغة، ٤/ ٣٨٧- ٣٨٨. ٢ الصحاح، "٦/ ٢٤٤٨". ٣ لسان العرب، "١٥/ ١٣٢".
[ ٢٣ ]
الغلو في استعمال الشرع:
ورد لفظ الغلو في موضعين من القرآن الكريم، وكلاهما بمعنى: مجاوزة الحد، وهو المعنى اللغوي للكلمة.
فالأول في سورة النساء في قوله ﷿: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ ١.
والثاني في سورة المائدة في قوله ﵎: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ ٢.
أي: لا تجاوزوا الحد في إتباع الحق ولا تطروا من أمرتم بتعظيمه فتبالغوا فيه حتى تخرجوه عن حيز النبوة إلى مقام الألوهية، كما صنعتم في المسيح وهو نبي من الأنبياء فجعلتموه إلهًا من دون الله٣.
وفي السنة: ورد لفظ "الغلو" فيعدد من الأحاديث:
منها: حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ غداة الغقبة وهو على ناقته "القط لي حصى"، فلقطت له سبع حصيات هن حصى الحذف فجعل ينفضهن في كفه ويقول: "أمثال هؤلاء فارموا"، ثم قال: "يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" ٤.
ومنها قوله ﷺ: "اقرءوا القرآن ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به، ولا تجفوا عنه ولا تغلوا فيه" ٥.
_________________
(١) ١ آية ١٧١. ٢ آية ٧٧. ٣ الحافظ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم ٢/ ١٥١. ٤ جه: كتاب المناسك، باب قدر حصى الرمي، ٢/ ١٠٠٨، ح ٣٠٢٩. وقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر: صحيح ابن ماجه، له ٢/ ١٧٧، ج ٤٢٥٥. ٥ حم: ٣/ ٤٢٨، ٤٤.
[ ٢٤ ]
ومنها: قوله ﷺ: "ويحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحالا لمبطلين وتأويل الجاهلين" ١.
ومعنى الغلو فيها: التشدد ومجاوزة الحد، كما ذكر ابن الأثير٢.
٢- الإفراط: وهو في اللغة:
التقدم ومجاوزة الحد في الأمر.
قال ابن فارس: ألفًا والراء والطاء: أصل صحيح يدل على إزالة شيء عن مكانه وتنحيته عنه، يقال: فرطت عنه ما كرهه؛ أي: نحيته.
ثم يقال: أفرط: إذا تجاوز الحد في الأمر. يقولون: إياك والفرط؛ أي: لا تجاوز القدر، وهذا هو القياس؛ لأنه إذا جاوز القدر قد أزال الشيء عن وجهته٣.
وقال الجوهري: وأفرط في الأمر، أي: جاوز فيه الحد٤.
وقال صاحب "لسان العرب": والإفراط: الإعجال والتقدم، وأفرط في الأمر: أسرف. والإفراط: الزيادة على ما أمرت٥.
٣- التفريط: وهو في اللغة:
التقصير وإزالة الشيء عن مكانه.
قال ابن فارس: وكذلك التفريط، وهو التقصير؛ لأنه إذا قصر فيه فقد
_________________
(١) ١ البغدادي، شرف أصحاب الحديث، ص ٢٨ ح ٥٢، "بتحقيق د. محمد سعيد خطيب أوغلي". ابن وضاح، البدع والنهي عنها ص٢، "بتحقيق محمد أحمد دهمان، دار البصائر"، قال القاسمي: وتعدد طرقه يقضي بحسنه كما جزم به العلائي، قواعد التحديث ص ٤٩. ٢ انظر: النهاية في غريب الحديث ٣/ ٣٨٢. ٣ انظر: معجم مقاييس اللغة ٤/ ٤٩٠. ٤ الصحاح ٣/ ١١٤٨. ٥ لسان العرب ٧/ ٣٦٩.
[ ٢٥ ]
قعد به عن رتبته التي هي له١.
وقال الجوهري: فرط في االأمر فرطًا؛ أي: قصر فيه، وضيعه حتى فات، وكذلك التفريط٢.
وقال ابن منظور: وفرط في الشيء وفرطه: ضيعه وقدم العجز فيه٣.
الإفراط والتفريط في استعمال الشرع:
وقد وردت مادة "فرط" في القرآن الكريم في ثمانية مواضع٤. وكلها بمعنى: التقصير والضياع والتقدم في الشيء.
قال الزجاج: وقد أفرط في الشيء إذ سقط فيه، وقد فرط في الشيء أي قصر، ومعناه كله التقدم في الشيء؛ لأن الفرط في اللغة المتقدم٥.
كما وردت مادة "فرط" في السنة في عدد من الأحاديث يضيق المقام عن حصرها نذكر منها على سبيل التمثيل:
قوله ﷺ: "أما إنه ليس في النوم تفريط؛ إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى" ٦ والتفريط هنا بمعنى: التقصير.
_________________
(١) ١ معجم مقاييس اللغة ٤/ ٤٩٠. ٢ الصحاح ٣/ ١١٤٨. ٣ لسان العرب ٧/ ٣٧٠. ٤ في الآيات ٣١، ٣٨، ٦١، من سورة الأنعام، والآية ٨٠ من سورة يوسف، و٦٢ من النحل، ٢٨ من الكهف، و٥٩ من الزمر، طه ٤٥. ٥ انظر: معاني القرآن وإعرابه. له ٣/ ٣٥٨. ٦ م: كتاب المساجد، باب قضاء الصلاة الفائتة ١/ ٤٧٣ ح ٣١١.
[ ٢٦ ]
ومنها: قوله ﷺ: "إني فرطكم" ١ ومعنى فرطكم؛ أي: السابق٢ والمتقدم.
٤- الجفاء، والجفو: في اللغة:
"الجيم والفاء والحرف في المعتل "جفو": يدل على أصل واحد، نبو الشيء عن الشيء. من ذلك جفوت الرجل أجفوه. وجفا السرج عن ظهر الفرس، وأجفيته أنا وكذلك كل شيء إذا لم يلزم شيئًا يقال: جفا عنه يجفو. والجفاء: خلاف البر، والجفاء: ما نفاه السيل، ومنه اشتقاق الجفاء. قاله ابن فارس٣.
الجفاء في استعمال الشرع:
وقد وردت هذه المادة في القرآن الكريم في موضع واحد في قوله ﷿: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ ٤.
قال الزجاج في "معاني القرآن": "والجفاء ما جافا الوادي؛ أي: رمى به"٥.
وفي السنة: وردت هذه المادة في عدد من الأحاديث:
منها قوله ﷺ في الحديث الذي ذكر فيه الخصال التي إذا فعلتها الأمة حل بها البلاء: "وأطاع الرجل زوجته، وعق أمه، وبر صديقه، وجفا أباه" ٦ فالجفاء هنا خلاف البر كما هو واضح.
_________________
(١) ١ خ: مناقب، باب ما يحذر من زهرة الدنيا ١١/ ٢٤٤ ح ٦٤٢٦. ٢ فتح الباري ١١/ ٢٤٥. ٣ معجم مقاييس اللغة ١/ ٤٦٥- ٤٦٦. ٤ سورة الرعد آية ١٧. ٥ ٣/ ١٤٥. ٦ ت: الفتن، باب ما جاء في علامة حلول المسخ والخسف، ٤/ ٤٩٤ ح ٢٢١٠.
[ ٢٧ ]
ومنها قوله ﷺ: "اقرءوا القرآن ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلوا فيه" ١.
قال أبو عبيد في معنى الجفاء في الحديث: "والجافي عنه التارك له وللعمل به"٢.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه. انظر: ص ٢٤. ٢ غريب الحديث ١/ ٤٨٣، طبعة مصورة عن طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدرى باد ١٣٩٦ هـ.
[ ٢٨ ]