ثانيًا: السنة في الاصطلاح
يختلف معنى السنة في الاصطلاح عند كل من المحدثين، والأصوليين والفقهاء وعلماء الوعظ وأصول الدين، وإن كان الجميع يتفق على أنها سنة النبي ﷺ؛ وإنما وقع الاختلاف عند التفصيل والتحديد؛ ومرد هذا الاختلاف في المعنى الاصطلاحي للسنة إلى اختلافهم في الأغراض التي يعني بها كل فئة من أهل العلم١.
السنة عند المحدثين:
فعلماء الحديث، عندما عنوا بنقل كل ما ينسب إلى النبي ﷺ قالوا: السنة هي ما أثر عن النبي ﷺ: من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خلقية، أو خلقية، أو سيرة، سواء كان قبل البعثة٢، أو بعدها٣.
السنة عند الأصوليين:
وعلماء الأصول إنما عنوا بالبحث عن الأدلة الشرعية، فعنوا بأقواله وأفعاله وتقريراته التي تثبت الأحكام وتقررها٤ فقالوا: السنة هي: ما نقل عنه ﷺ، من قول، أو فعل، أو تقرير.
_________________
(١) ١ د. مصطفى السباعي. السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، "ط. الثانية ١٣٩٦، نشر: المكتب الإسلامي"، ص ٤٨. ٢ مثل تحثه في غار حراء، ومثل حسن سيرته؛ لأن الحال يستفاد منها ما كان عليه ﷺ من كريم الأخلاق ومحاسن الأفعال كقول خديجة: كلا والله لا يخزيك الله أبدًا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق. انظر: محمد محمد أبو زهو، الحديث والمحدثون، "ط. ١٤٠٤ هـ، نشر: دار الكتاب العربي"، ص ١٠. ٣ محمد جمال الدين القاسمي، قواعد التحديث، "ص ٦٤". ٤ أبو زهو، الحديث والمحدثون، ص ٤٨، والسباعي، السنة ومكانتها، ص ٤٩.
[ ٣٠ ]
قال الآمدي: وقد تطلق -أي: السنة- على ما صدر عن الرسول ﷺ من الأدلة الشرعية مما ليس بمتلو، ولا هو معجز، ولا داخل في المعجز، وهذا النوع هو المقصود بالبيان ههنا، ويدخل في ذلك: أقوال النبي ﷺ، وأفعاله، وتقاريره١.
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -﵀- في تعريف السنة: وفي اصطلاح الشرع هي: ما قاله رسول الله ﷺ، أو فعله، أو قرر عليه٢.
السنة عند الفقهاء:
أما علماء الفقه؛ فإنهم لما عنوا بالبحث عن حكم الشرع على أفعال العباد وجوبًا أو حرمة أو إباحة أو غير ذلك٣.
قالوا: السنة هي: الطريقة المسلوكة في الدين من غير افتراض ولا وجوب٤.
وقال بعضهم: السنة: ما في فعله ثواب وفي تركه ملامة وعاب لا عقاب٥.
وهي على هذا تقابل الواجب عندهم.
قال الخطيب البغدادي: وقد غلب على ألسنة الفقهاء، أنهم يطلقون
_________________
(١) ١ الإحكام في أصول الأحكام، "ط. الثانية ١٤٠٢ هـ، ط. المكتب الإسلامي"، ١/ ١٦٩. ٢ مذكرة في أصول الفقه، ص ٩٥. ٣ السباعي، السنة ومكانتها، ص ٤٩. ٤ أبو زهو، الحديث والمحدثون، ص ١٠. ٥ قاسم القونوي، أنيس الفقهاء، "بتحقيق د. أحمد بن عبد الرزاق الكبيسي، ط. الأولى ١٤٠٦، نشر: دار الوفاء -جده" ص ١٠٦.
[ ٣١ ]
السنة فيما ليس بواجب؛ فينبغي أن يقال في حد السنة: أنها ما رسم ليحتذى استحبابًا١.
قال الحافظ ابن حجر في تعريف السنة عند الفقهاء: وفي اصطلاح بعض الفقهاء: ما يرادف المستحب٢.
وإذا نظرنا في كلام كثير من السلف، نجدهم يعنون بالسنة معنى أوسع من معناها عند المحدثين، أو الأوصليين، أو الفقهاء.
إذ يعنون بالسنة: موافقة الكتاب وسنة الرسول صلى الله الله عليه وسلم وأصحابه، سواء في أمور الاعتقادات، أو العبادات.
ويقابلها: البدعة٣، فيقال فلان على السنة: إذا كانت أعماله على وفق الكتاب وسنة النبي ﷺ، ويقال فلان على البدعة؛ إذ كان عمله مخالفًا للكتاب والسنة أو أحدهما.
قال الشاطبي: ويطلق -أي: لفظ السنة أيضًا- في مقابلة البدعة فيقال: فلان على سنة؛ إذ عمل على وفق ما عمل عليه النبي ﷺ، كان ذلك مما نص
_________________
(١) ١ كتاب الفقيه والمتفقه، "بتصحيح الشيخ إسماعيل الأنصاري، نشر: مكتبة أنس ١٤٠٠ هـ"، ص ٨٦. ٢ الفتح، ١٣/ ٢٤٥. ٣ البدعة: في اللغة من "بدع"، يقال: أبدعت الشيء: اخترعته لا على مثال: والله بديع السماوات والأرض، والبديع المبتدع. وهي في الاصطلاح: عبارة عن "طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله"، كما قال الشاطبي في الاعتصام، ١/ ٣٧، "بتعريف محمد رشيد رضا، نشر: دار المعرفة"، وقال الحافظ ابن رجب: هي ما أحدث مما لا أصل في الشريعة. جامع العلوم والحكم ٢٥٢، "نشر: دار المعرفة- بيروت". وقال الحافظ ابن حجر: وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة. انظر: فتح الباري ٤/ ٢٥٣.
[ ٣٢ ]
عليه الكتاب أو لا، ويقال: "فلان على بدعة"، إذا عمل على خلاف ذلك، وكأن هذا الإطلاق إنما اعتبر فيه عمل صاحب الشريعة، فأطلق لفظ السنة من تلك الجهة، وإن كان العمل بمقتضى الكتاب.
ويطلق أيضًا لفظ السنة على ما عمل عليه الصحابة، وجد ذلك في الكتاب والسنة أو لم يوجد١ لكونه اتباعًا لسنة ثبتت عندهم لم تنقل إلينا، أو اجتهادًا مجتمعًا عليه منهم أو من خلفائهم٢.
ويقول الحافظ ابن رجب: والسنة هي: الطريق المسلوك، فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون، من الاعتقادات، والأعمال والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة؛ ولهذا كان السلف قديمًا لا يطلقون اسم السنة إلا على ما يشمل ذلك٣.
والذي كان عليه النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون هو الكتاب والسنة، فيكون لفظ السنة شاملًا لذلك كله في مقابلة البدعة.
ولأهمية وخطورة مسائل الاعتقاد، التي هي أصل الدين وعليها يبنى غيرها من أعمال الإسلام، أطلق السلف لفظ "السنة" على موافقة الكتاب والسنة فيقضايا الاعتقاد.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ولفظ السنة في كلام السلف، يتناول السنة في العبادات، وفي الاعتقادات، وإن كان كثير ممن صنف في السنة يقصدون الكلام في الاعتقادات.
_________________
(١) ١ قال شارحه الشيخ عبد الله دراز: أي: عثرنا عليه في السنة أو لم نعثر عليه فيها ليصح قوله بعد "لكونه ابتاعًا لسنة ثبتت عندهم ولم تنقل إلينا"، الموافقات ج ٤/ ٤ حاشية رقم "١". ٢ أبو إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة "بشرح الشيخ عبد الله دراز، نشر: دار المعرفة -بيروت"، ٤/ ٣- ٦. ٣ انظر: جامع العلوم والحكم، ص ٢٤٩.
[ ٣٣ ]
وهذا كقول: ابن مسعود، وأبي بن كعب، وأبي الدرداء ﵃: "اقتصاد في سنة من اجتهاد في بدعة"١، ٢.
وقال ابن رجب: "وكثير من العلماء المتأخرين يخص السنة بما يتعلق بالاعتقاد؛ لأنها أصل الدين، والمخالف فيها على خطر عظيم"٣.
بل وكثير من علماء السلف المتقدمين أيضًا، خصوا السنة بذلك، وأطلقوها على ما يتعلق بأمور الاعتقاد، فمن وافق فيها السنة فهو من أهل السنة.
وفيما يلي ذكر بعض أئمة السلف الذين أطلقوا ذلك ونماذج من أقوالهم:
١- سفيان بن عيينة "ت ١٩٨ هـ"٤:
أخرج اللالكائي عنه من طريق بكر بن الفرج أبي العلا، قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: السنة عشرة، فمن كن فيه فقد استكمل السنة، ومن ترك منها شيئًا فدق ترك السنة.
إثبات القدر، وتقديم أبي بكر وعمر، والحوض، والشفاعة، والميزان، والصراط، والإيمان في قول وعمل، والقرآن كلام الله، وعذاب القبر، والبعث يوم
_________________
(١) ١ الأثر أخرجه الدارمي عن ابن مسعود بلفظ: "القصد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة" ١/ ٧٢، والبيهقي، انظر: السنن الكبرى ٣/ ١٩. قال الألباني: وهذا الأثر صحيح. انظر: صلاة التراويح ص٦. ٢ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص٧٧، "بتحقيق د. صلاح الدين المنجد، ط. الأولى ١٣٩٦، نشر: دار الكتاب الجديد- بيروت". ٣ جامع العلوم والحكم ٢٤٩. ٤ وهو إمام وعلم وشيخ من شيوخ الإسلام قال عنه الإمام أحمد: "ما رأيت أعلم بالسنن منه". انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي، ١/ ٢٦٢، وانظر: ترجمته أيضًا في: "تهذيب التهذيب ٤/ ١١٧، وميزان الاعتدال ٢/ ١٧٠، وفيات الأعيان ٢/ ٣٩٣.
[ ٣٤ ]
القيامة، ولا تقطعوا بالشهادة على مسلم١.
فهذه كلها أمور ومسائل اعتقادية، خصها ابن عيينة ﵀ باسم السنة.
٢- الإمام الشافعي: "١٥٠- ٢٠٤ هـ".
قال: القول في السنة التي أنا عليها، ورأيت عليها الذين رأيتهم مثل سفيان ومالك وغيرهما، الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن الله على عرشه في سمائه، يقرب من خلقه كيف شاء وينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء. وذكر سائر الاعتقاد٢.
٣- علي بن المديني "٢٣٤ هـ":
قال: "السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها، أو يؤمن بها، لم يكن من أهلها: الإيمان بالقدر خيره وشره، ثم تصديق بالأحاديث والإيمان بها لا يقال: لم؟ ولا كيف؟ إنما هو التصديق بها، والإيمان بها، وإن لم يعلم تفسير الحديث، ويبلغه عقله. ولا يخاصم أحدًا، ولا يناظر ولا يتعلم الجدل، والكلام في القدر وغيره من السنة مكروه ولا يكون صاحبه وإن أصاب السنة بكلامه من أهل السنة حتى يدع الجدل ويسلم.
والقرآن كلام الله ليس بمخلوق ولا تضعف أن تقول ليس بمخلوق، فإن كلام الله ﷿ ليس بباين منه، وليس منه شيء مخلوق، يؤمن به، ولا يناظر فيه أحدًا"٣ إلى آخر ما ذكر من مسائل الاعتقاد.
_________________
(١) ١ أبو القاسم هبة الله بن الحسين الطبري اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، "بتحقيق د. أحمد سعد حمدان، نشر: دار طيبة - الرياض"، ١/ ١٥٥- ١٥٦. ٢ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، العلو للعلي الغفار، "بتقديم وتصحيح عبد الرحمن محمد عثمان، نشر: المكتبة السلفية بالمدينة"، ص ١٢٠. وانظر: ابن القيم، تهذيب سنن أبي داود ٧/ ١١٤. ٣ اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ١٦٥- ١٦٦.
[ ٣٥ ]
٤- الإمام أحمد بن حنبل "ت ٢٤١ هـ":
أخرج اللالكائي من طريق عبدوس بن مالك العطار؛ قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل يقول: أصول السنة عندنا:
التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ، والاقتداء بهم، وترك الخصومات والجلوس مع أصحاب الأهواء، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين.
والسنة عندنا آثار رسول الله ﷺ، والسنة تفسير القرآن، وهي دلائل القرآن ومن السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها ويؤمن بها لم يكن من أهلها: الإيمان بالقدر خيره وشره، والتصديق بالأحاديث فيه، والإيمان بها لا يقال: لم؟ ولا كيف؛ إنما هو التصديق بها والإيمان بها. ولا يخاصم أحدًا، ولا يناظره ولا يتعلم الجدل، والإيمان بالميزان، والإيمان بالحوض، والإيمان بعذاب القبر والإيمان بشفاعة النبي١، وذكر عددًا من الأموار الاعتقادية.
٥- سهل بن عبد الله التستري "ت ٢٧٣ هـ":
وقيل له: متى يعلم الرجل أنه على السنة والجماعة؟ قال: إذا عرف من نفسه عشر خصال: لا يترك الجماعة، لا يسب أصحاب النبي ﷺ، لا يخرج على هذه الأمة بالسيف، ولا يكذب بالقدر، لا يشك في الإيمان، لا يماري في الدين، لا يترك الصلاة على من يموت من أهل القبلة بالذنب، لايترك المسح على الخفين، لا يترك الجمعة، خلف كل وال جار أو عدل٢.
هذه نماذج مختارة من كلام السلف، الذين أطلقوا اسم السنة، وأرادوا
_________________
(١) ١ اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ١٥٦- ١٦٤. ٢ انظر: شرح أصول اعتقاد السنة ١/ ١٨٣.
[ ٣٦ ]
بها ما يتعلق بالاعتقادات، وأبلغ من ذلك أنهم سموا الكثير من مصنفاتهم في العقيدة باسم "السنة"؛ وذلك مثل:
١- "السنة" للإمام أحمد بن حنبل "ت ٢٤١ هـ" وهو مطبوع.
٢- "السنة" لأبي داود السجستاني "ت ٢٧٥ هـ" ضمن كتابه "السنن".
٣- "السنة" لابن أبي عاصم "ت ٢٨٧ هـ" وهو مطبوع بتخريج الألباني.
٤- "السنة" لعبد الله بن أحمد "ت ٢٩٠ هـ" وهو مطبوع.
٥- "السنة"١ لأحمد بن هارون الخلاف "ت ٣١١ هـ".
٦- "السنة"٢ لأن أبي حاتم الرازي "ت ٣٢٧ هـ".
٧- "السنة"٣ لأبي القاسم سليمان بن محمد الطبراني، صاحب "المعاجم" "ت ٣٦٠ هـ".
٨- "السنة"٤ لأبي الشيخ الأصبهاني "ت ٣٦٩".
٩- "الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة" لعبيد الله بن بطة "ت ٣٨٧ هـ". وهو مطبوع بتحقيق رضا نعسان معطي.
١٠- "شرح السنة" لابن أبي زمنين "ت ٣٩٩ هـ"٥.
وهناك الكثير غير ما ذكرت مما أطلق عليه "السنة" أو "شرح أصول أهل
_________________
(١) ١ "حقق الأجزاء الثلاثة الأولى منه د. عطية الزهراني"، نال بها درجة الدكتوراه، وقد طبع والحمد لله والمحقق يعمل الأجزاء المتممة للكتاب أعانه الله على إتمامه وإخراجه. ٢ مخطوط بالظاهرية مجموع ١١، انظر: تاريخ التراث للسزكين ١/ ٢٨٨. ٣ انظر: العلو للذهبي ١٦٥. ٤ نفس المصدر ص١٦٦. ٥ "حققه محمد إبراهيم هارون"، ونال به درجة الماجستير من الجامعة الإسلامية عام ١٤٠٣- ١٤٠٤ هـ.
[ ٣٧ ]
السنة"١؛ إذ لم أراد الاستقصاء وإنما القصد التمثيل على أن السلف كانوا يسمون ما يصفنون في أبواب الاعتقاد باسم "السنة" أو "شرح السنة".
وهذه المصنفات اشتملت على المسائل العقدية والاحتجاج عليها من الكتاب والستة وآثار السلف الصالح. وفي ذلك دلالة على أن السلف يقصدون بالسنة معنى زائدًا على الحديث، وأنهم يريدون بها: ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه في أمور الاعتقادات والعبادات وغيرها؛ وذلك شامل للقرآن وسنته ﷺ.
_________________
(١) ١ انظر مثلًا: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٥/ ٢٤.
[ ٣٨ ]