يزعمون أنهم أهل الحق وأنهم الفرقة الناجية، يقول مقدمهم وكبيرهم عمو بن عبيد١ للخليفة المنصور- وقد سأله أن يعينه بأصحابه: "أظهر الحق يتبعك أهله"٢ يريد المعتزلة. فما على المنصور إذا أراد معونتهم إلا أن يرفع رايتهم ويظهر مذهبهم.
ويستدلون على أنهم الفرقة الناجية برواية محرفة لحديث الافتراق فقالوا: روي سفيان الثوري عن ابن الزبير عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ: "ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أبرها وأتقاها الفئة المعتزلة"، ولعلهم شعروا بتفردهم بهذه الرواية فاتهموا سفيان بأنه قال لأصحابه: "تسموا بهذا الاسم لأنكم اعتزلتم الظلمة، فقالوا: سبقك بها عمرو بن عبيد وأصحابه -قالوا: فكان سفيان بعد ذلك يروي: واحدة ناجية"٣.
ولهؤلاء نقول: من مذهبكم عدم الاحتجاج بأحاديث الآحاد في باب الاعتقاد؛ فكيف سوغتم لأنفسكم الاحتجاج بهذا الحديث مع اتهامكم راويه سفيان بأنه تصرف في الحديث بوضع عبارة مكان أخرى؟
ولكن لا غرابة فإن إحدى علامات أهل البدع: أنهم يأخذون من السنة ما وافق أهواءهم، صحيحًا كان أو ضعيفًا، ويتركون ما لم يوافق أهواءهم من الأحاديث وإن صح وأخرج الشيخان! ٤.
ويزعم المعتزلة أنهم هم المتمسكون بالسنة والجماعة دون غيرهم مع قولهم بعدم حجية حديث الآحاد.
_________________
(١) ١ هو: عمرو بن عبيد من باب أبو عثمان البصري كبير المعتزلة، له كتاب: العدل، والتوحيد، وكتاب الرد على القدرية- يريد السنة مات بطريق مكة سنة ثلاث، وقيل: أربع وأربيعين ومائة، الذهبي: "سير أعلام النبلاء" "٦/ ١٠٤- ١٠٦". ٢ الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ١٢/ ١٦٨. ٣ ابن المرتضى أحمد بن يحيى، المنية والأمل ص ٢- ٣. ٤ انظر: مختصر الصواعق المرسلة ٢/ ٦٢٨- ٦٢٩.
[ ٥٣ ]
فقد جاء في كتاب "فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة"١ قولهم:
"ومعنى السنة إذا أضيفت إليه ﷺ؛ هو ما أمر ليدام عليه، أو فعله ليدام الاقتداء به، فما هذا حاله يعد سنة الرسول ﷺ؛ وإنما يقع هذا الاسم على ما ثبت أنه قاله أو فعله، فأما ما ينقل من أخبار الآحاد فإن صح فيه شروط القبول، يقال فيه: أنه سنة على وجه التعارف؛ لأنا إذا لم نعلم ذلك القول أو ذلك الفعل فالقول بانه سنة يقبح؛ لأنا لا نأمن أن نكون كاذبين في ذلك، وعلى هذا الوجه لا يجوز في العقل أن يقول في خبر الواحد، قال رسول الله ﷺ قطعًا؛ وإنما يجوز أن يقال: روي عنه ﷺ".
وأما الجماعة: فالمراد به ما أجمعت عليه الأمة، وثبت ذلك من إجماعها؛ فأما ما لم يثبت مما لم يجز التمسك به فهو بمنزلة أخبار الآحاد، وإذا صح ما ذكرناه فالمتمسك بالسنة والجماعة هم أصحابنا والحمد لله دون هؤلاء المشنعين.
وهكذا سائر الطوائف والفرق، فما من طائفة إلا وتدعي أنها الناجية، وأن الحق معها، وتستكره النصوص على تأييد مذهبها، كما فعلت الشيعة والمعتزلة، كما أوضحنا ذلك.
_________________
(١) ١ لأبي القاسم البلخي، والقاضي عبد الجبار، والحاكم الجشمي ص ١٨٥- ١٨٦، "نشر: الدار التونسية للنشر".
[ ٥٤ ]