المبحث الرابع: في أسماء أهل السنة وألقابهم عندهم وعند خصومهم
هناك أسماء وألقاب أخرى تطلق على أهل السنة؛ منها ما هو حق مرضي عندهم عرفوا به، كما عرفوا باسم أهل السنة، ومنها ألقاب نبذهم بها خصومهم من أهل البدع والأهواء، وهم منها براء، والقصد من ذكرها هنا أن يعرف القارئ أن أهل السنة هم المقصودون، إن ورد لقب من هذه الألقاب في كتاب من كتب الفرق والمقالات؛ لأن خصومهم لا يذكرونهم باسم: "أهل السنة" أو غيره من الأسماء المرضية عند أهل السنة إلا نادرًا؛ وإنما يذكرونهم بهذه الألقاب التي نبزوهم بها، تنفيرًا من إتباعهم.
فكان لا بد أن نورد الأسماء والألقاب التي أطلقت على أهل السنة سواء من قبلهم، أو من قبل خصومهم من الفرق والطوائف التي تخالفهم في المنهج والاعتقاد، مع بيان وجه التسمية بكل، وبيان ما يلحقهم من الأسماء والألقاب وما لا يلحقهم.
أولًا: الأسماء التي عرف بها أهل السنة وهي مرضية عندهم محببة إليهم
١- أهل الجماعة:
وهذا الاسم من الأسماء المشهورة التي عرف بها "أهل السنة"، وهو يطلق مقرونًا بـ "السنة" فيقال: "أهل السنة والجماعة"، وقد يرد منفردًا فيقال:
[ ٩١ ]
"أهل الجماعة"١، وهو قليل، والغالب اقترانه بالسنة.
وأهل السنة هم أهل الجماعة؛ "فإن السنة مقرونة بالجماعة، كما أن البدعة مقرونة بالفرقة فيقال: أهل السنة والجماعة، كما يقال: أهل البدعة والفرقة"٢.
وهو مأخوذ من قوله ﷺ في بيان الفرقة الناجية في حديث الافتراق: "وهي الجماعة"؛ فعن أنس بن مالك؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار؛ إلا واحدة وهي الجماعة" ٣.
وقد جاءت النصوص من الكتاب والسنة بالأمر بلزوم الجماعة والنهي عن الفرقة؛ وذلك كقوله ﷿: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ٤، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ٥. ومن السنة قوله ﷺ لحذيفة بن اليمان ﵁: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم" ٦، وقوله ﷺ: "من خرج من الطاعة
_________________
(١) ١ انظر: ابن تيمية، منهاج السنة ٣/ ٤٦٨، ٥/ ١٥٨، ٦/ ٤٠٨، ودرء التعارض ٧/ ٣٥٠، والفتاوى ٣/ ١٥٧. ٢ ابن تيمية، الاستقامة ١/ ٤٢، "تحقيق د. محمد رشاد سالم، ط. الأولى ١٤٠٤ هـ، جامعة الإمام". ٣ جه: كتاب الفتن، باب افتراق الأمم ٢/ ١٣٢٢، وقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر: صحيح ابن ماجه له ٢/ ٣٦٤، وانظر أيضًا: سليلة الأحاديث الصحيحة ح ٢٠٤، والسنة لابن أبي عاصم ص ٣٢، ح ٦٤. ٤ سورة آل عمران آية ١٠٣. ٥ سورة الأنعام آية ١٥٩. ٦ خ: كتاب الفتن، باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة ١٣/ ٣٥، ح ٧٠٨٤. م: كتاب الإمارة، باب وجوب ملامة جماعة المسلمين ٣/ ١٤٧٥، ح ٥١.
[ ٩٢ ]
وفارق الجماعة مات ميتة جاهلية"١ والأحاديث في ذلك كثيرة.
وقد اختلف أهل العلم في المراد بالجماعة التي ورد الأمر بلزومها على أقوال نذكرها باختصار٢:
الأول: أنها السواد الأعظم من أهل الإسلام، يدل له رواية "كلها في النار إلا السواد الأعظم"٣.
الثاني: أنها جماعة العلماء المجتهدين؛ لأن الله جعلهم حجة على الخلق والناس تبع لهم في أمر الدين. وهذا قول غير واحد من الأئمة، منهم الإمام البخاري حيث قاله في "صحيحه": "باب ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ وما أمر النبي ﷺ بلزوم الجماعة، وهم أهل العلم"٤.
وقال الإمام الترمذي: "وتفسير الجماعة عند أهل العلم هم: أهل الفقه والعلم والحديث"، وروي عن ابن المبارك٥ أنه: قيل له: "من الجماعة؟ فقال: أبو بكر وعمر، قيل له: قد مات أبو بكر وعمر، قال: فلان وفلان، قيل له: قد مات فلان وفلان، قال: أبو حمزة السكري٦ جماعة٧".
_________________
(١) ١ م: كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين ٣/ ١٤٧٦، ح ٥٣. ٢ للتوسع انظر: الشاطبي، الاعتصام ٢/ ٢٦٠- ٢٦٥، وانظر أيضًا: ابن حجر، فتح الباري ١٣/ ٣٧. ٣ اللالكائي، شرح أصول أعتقاد أهل السنة ١/ ١٠٣- ١٠٤، ح ١٥٢. وقال محققه: سنده ضعيف. ٤ ١٣/ ٣١٦ "مع الفتح". ٥ هو: عبد الله بن المبارك، كان إمامًا حجة كثير الحديث ولد سنة ١١٨ هـ، ومات بهيت منصرفًا من الغزو سنة ١٨١ هـ. ابن سعد، الطبقات ٧/ ٣٧٢. ٦ وهو: الإمام الحجة محمد بن ميمون المروزي عالم مرو، كان من الأئمة المقتدى بهم. في زمنه. انظر ترجمته لدى: البغدادي، تاريخ بغداد ٣/ ٢٦٦، والذهبي، السير ٧/ ٣٨٥. ٧ الجامع الصحيح ٤/ ٤٦٧.
[ ٩٣ ]
الثالث: أن الجماعة هي: الصحابة على الخصوص؛ فإنهم الذين أقاموا عماد الدين وأرسوا أوتاده، وهم الذين لا يجتمعون على ضلالة أصلًا. يدل لهذا القول رواية: "ما أنا عليه وأصحابي"١.
الرابعِ: أن الجماعة هي جماعة أهل الإسلام، إذا أجمعوا على أمر؛ فواجب على غيرهم من أهل الملل إتباعهم.
قال الإمام الشاطبي عقب هذا القول: "وكأن هذا القول يرجع إلى الثاني أو يرجع إلى القول الأول وهو الأظهر"٢.
الخامس: أن الجماعة جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير؛ فأمر النبي ﷺ بلزومه ونهى عن فراق الأمة فيما اجتمعوا عليه من تقدميه عليهم، فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة. وهو اختيار الإمام الطبري.
السادس: أن المراد بالجماعة: موافقة الحقو لزومه.
كما قال عبد الله بن مسعود ﵁ "الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك"٣، وفي رواية: "إنما الجماعة ما وافق طاعة الله وإن كنت وحدك"٤.
قال أبو شامة: "وحيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به لزوم الحق وإتباعه وإن كان المتمسك بالحق قليلًا والمخالف كثيرًا؛ لأن الحق الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي ﷺ وأصحابه ﵃ ولا نظر إلى
_________________
(١) ١ تقدم تخريجها، انظر: ص ٤٨. ٢ انظر الاعتصام ٢/ ٢٦٤. ٣ أبو شامة: شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل، الباعث على إنكار البدع والحوادث، ص ٢٠، "ط. الثانية ١٤٠١ هـ. نشر: طبعة النهضة الحديثة -مكة". ٤ اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ١٠٩، ح ١٦٠.
[ ٩٤ ]
كثرة أهل الباطل بعدهم"١.
وكل هذه المعاني متقاربة، واختلافها اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وأهل السنة هم أهل الجماعة على أي معنى من هذه المعاني؛ فأما على المعنى الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس فلا إشكال، فأهل السنة يرون إتباع الأئمة من أهل العلم والدين ولا يخرجون عن إجماعهم كما أن قدوتهم أصحاب رسول الله ﷺ، يهتدون بهديهم ويلزمون آثارهم، وهم أيضًا أعظم الطوائف حرصًا على جماعة المسلمين، وطاعة إمام المسلمين القائم بالعلم والدين ولا يرون الخروج عليه، ما لم يروا كفرًا بواحًا لديهم من الله فيه برهان.
وقيل ذلك وبعده فهم ينظرون إلى الحق والصواب يتلمسونه فيلزمونه ويتمسكون به، وإن كان أكثر الناس على خلافه.
وأما على القول الأول، وهو أن المراد بالجماعة "السواد الأعظم من المسلمين"؛ فأهل السنة أيضًا هم أهل الجماعة بهذا المعنى؛ وذلك أن المراد بالسواد الأعظم: السواد الأعظم من العلماء المعتبر اجتهادهم، وإن انضم إليهم العوام فبحكم التبع؛ لأنهم غير عارفين بالشريعة، ولا بد من رجوعهم في دينهم إلى العلماء، فإن العامة لو تمالئوا على مخالفة العلماء فيما حدوا لهم لكانوا هم الغالب والسواد الأعظم في ظاهر الأمر لقلة العلماء وكثرة الجهال؛ فلا يقولن أحد إن اتباع جماعة العوام هو المطلوب، وإن العلماء هم المفارقون للجماعة، والمذمومون في الحديث، بل الأمر بالعكس، وأن العلماء هم السواد الأعظم وإن قلوا، والعوام هم المفارقون للجماعة وإن خالفوا٢.
سئل الإمام إسحاق بن راهويه٣ من السواد الأعظم؟ فقال: "محمد بن
_________________
(١) ١ الباعث على إنكار البدع والحوادث ص ١٩. ٢ الشاطبي: الاعتصام ٢/ ٢٦٦. ٣ وهو الإمام الحافظ الكبير أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم شيخ أهل المشرق المعروف بابن راهويه ولد سنة ١٦٦، وقيلِ: ١٦١، ومات سنة ٢٣٨، الذهبي، تذكرة الحفاظ ٢/ ٤٣٣.
[ ٩٥ ]
أسلم١ ومن تبعه، وقال: لو سألت الجهال من السواد الأعظم؟ قالوا: جماعة الناس ولا يعلمون أن الجماعة عالم متمسك بأثر النبي ﷺ وطريقه؛ فمن كان معه وتبعه فهو الجماعة ومن خالفه فيه ترك الجماعة"٢.
وقال الإمام ابن القيم معقبًا على قول الإمام إسحاق بن راهويه هذا:
"وصدق الله، فإن العصر إذا كان فيه عارف بالسنة داع إليها فهو الحجة، وهو الإجماع، وهو السواد الأعظم وهو سبيل المؤمنين التي من فارقها واتبع سواها ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا"٣.
_________________
(١) ١ وهو: أبو الحسن محمد بن أسلم الطوسي، المذكور بالسواد الأعظم، كان بالآثار مقتديًا، وعن الآراء منتهيًا، قاله أبو نعيم في الحلية ٩/ ٢٣٨، وقال الذهبي: الإمام الحافظ الرباني شيخ الإسلام، وقال: مولده في حدود الثمانين ومائة. سير أعلام النبلاء ١٢/ ١٩٥. ٢ أبو نعيم، حلية الأولياء ٩/ ٢٣٨- ٢٣٩. ٣ إغاثة اللهفان ١/ ٨٥، "بتحقيق محمد سيد كيلاني، ط. مصطفى الحلبي بمصر".
[ ٩٦ ]