نسبة إلى السلف.
السلف في اللغة:
جمع سالف على وزن حارس وحرس، وخادن وخدم، والسالف: المتقدم والسلف الجماعة المتقدمون١.
ومنه قوله ﷿: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِين﴾ ٢.
قال البغوي في تفسيرها: "والسلف: من تقدم من الآباء، فجعلناهم متقدمين؛ ليتعظ بهم الآخرون"٣.
_________________
(١) ١ ابن منظور، لسان العرب ٩/ ١٥٨. ٢ الزخرف ٥٦. ٣ معالم التنزيل ٤/ ١٤٢.
[ ٩٦ ]
وقال ابن الأثير: "سلف الإنسان من تقدمه بالموت من آبائه وذوي قرابته؛ ولهذا سمي الصدر الأول من التابعين السلف الصالح"١.
والسلف في الاصطلاح:
اختلف في تحديد مفهوم السلف زمنيًا على عدة أقوال:
الأول: أنهم الصحابة فقط: وهو قول عدد من شراح الرسالة لابن أبي زيد القيرواني٢.
الثاني: أنهم الصحابة والتابعون: وإليه ذهب أبو حامد الغزالي في قوله: "اعلم أن الحق الصريح الذي لا مراء فيه عند أهل البصائر هو مذهب السلف أعني مذهب الصحابة والتابعين"٣.
الثالث: أنهم الصحابة والتابعون وتابعوا التابعين: أي القرون الثلاثة التي أثبت لها النبي ﷺ الخيرية بقوله في حديث عمران بن حصين ﵄: "خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة"٤.
وفي حديث عبد الله بن مسعود ﵁: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته" ٥.
_________________
(١) ١ النهاية ٢/ ٣٩٠. ٢ انظر: تحرير المقالة من شرح الرسالة ق ٣٦، مخطوط بمكتبة الجامعة الإسلامية رقم ٦٠٤. حاشية العدوي ١/ ١٠٦ رقم١، والثمر الداني، لعبد السميع الآبي ص ٢٤. ٣ الجام العوام من علم الكلام، "بتحقيق محمد المعتصم بالله البغدادي"، ص ٥٣. ٤ خ: كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ ٧/ ٣، ح ٣٦٥٠. ٥ خ: كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ ٧/ ٣، ح ٣٦٥١.
[ ٩٧ ]
وإليه ذهب كثير من أهل العلم، كالإمام الشوكاني١، والسفاريني٢، وعليه يدل صنيع شيخ الإسلام ابن تيمية في نحو قوله: "سلف الأمة وخيار قرونها"٣، وربما أدخل من بعد تابعي التابعين، كالإمام أحمد "١٦٤- ٢٤١ هـ" في مفهوم السلف فيقول: "وكذلك قال ابن الماجشون، وأحمد بن حنبل وغيرهما من السلف"٤.
ويحدد ابن رجب "ت ٧٩٥ هـ" السلف المقتدى بهم إلى عصر الإمام أحمد وأقرانه فيقول: "وفي زماننا يتعين كتابة كلام السلف المقتدي بهم إلى زمن الشافعي "ت ٢٠٤ هـ"، وأحمد "ت ٢٤١"، وإسحاق "ت ٢٣٨ هـ" وأبي عبيد "ت ٢٢٤ هـ"، وليكن الإنسان على حذر مما حدث بعدهم، فإنه حدث بعدهم حوادث كثيرة"٥.
ولعل سلفه في ذلك الإمام الآجري "ت ٣٦٠ هـ"؛ فقد رأيته عند ذكره الأئمة الذي يقتدي بهم، وقف على الإمام أحمد وأقرانه، فقال: "علامة من أراد الله ﷿ به خيرًا: سلوك هذا الطريق: كتاب الله ﷿، وسنن رسول الله ﷺ، وسنن أصحابه ﵃ ومن تبعهم بإحسان رحمة الله عليهم، وما كان عليه أئمة المسلمين في كل بلد إلى آخر ما كان عن العلماء مثل: الأوزاعي "ت ١٥٧ هـ"، وسفيان الثوري "ت ١٦١ هـ"، ومالك بن أنس "ت ١٧٩ هـ" والشافعي، وأحمد بن حنبل، والقاسم بن سلام، ومن كان على طريقتهم، ومجانبة كل مذهب لا يذهب إليه هؤلاء العلماء"٦.
_________________
(١) ١ انظر: التحف في مذاهب السلف ص ٧- ٨، ١١. ٢ انظر: لوامع الأنوار ١/ ٢٠. ٣ انظر: درء تعارض العقل والنقل ٧/ ١٣٤. ٤ المرجع نفسه ١/ ٢٠٧. ٥ انظر: فضل علم السلف على علم الخلف، "بتحقيق يحيى مختار غزاوي"، ص ٦٠. ٦ انظر: الشريعة ص ١٤.
[ ٩٨ ]
وممن مال إلى تحديد السلف بالقرون الثلاثة الدكتور محمد الجليند؛ حيث قال: "وحسمًا للموقف أرى أن لا نتخطى القرون الثلاثة الأولى للهجرة، وندعي أن هناك آراء سلفية مهما بلغ بنا حسن الظن بالمتقدمين، خاصة وأن تراثنا الإسلامي قد تعرض لهزات عنيفة ابتداء القرن الثالث الهجري وعبثت به الأهواء"١.
وتابعه على هذا الرأي الدكتور محمود خفاجي قائلًا: "فإنني أرى أن من يحدد السلف بالصحابة والتابعين، وتابعي التابعين هو الأميل للصواب، لموافقته الأثر٢ من ناحية، ولما نجده من الاتفاق بين من يذكرون السلف بطريق الاسم من عد تابعي التابعين من السلف من ناحية أخرى٣"٤.
الرابع: أن السلف هم من كانوا قبل الخمسمائة: وهذا قول البيجوري؛ فإنه قال: السلف: وهم من كانوا قبل الخمسمائة، وقيل: القرون الثلاثة والتابعون وأتباع التابعين"٥.
قال الدكتور محمود خفاجي معقبًا على ذلك: "وإذا تساءلنا عن السبب لماذا انسحب مفهوم لفظ السلف ليشمل من عاش في أو قبل القرن الخامس الهجري دون غيره؟ ذلك ما لم أجد له إجابة عند هؤلاء الذين حددوا السلف بهذا الحد"٦.
ولعل سبب ذهاب البيجوري إلى ذلك، هو رغبته إدخال أئمة الأشاعرة
_________________
(١) ١ انظر: الإمام ابن تيمية وقضية التأويل، ط. الثالثة، ص ٥٢. ٢ يشير إلى حديث عمران بن حصين وابن مسعود المتقدم. ٣ كما تقدم في كلام ابن رجب والآجري. انظر: ص ٩٨. ٤ انظر: في العقيدة الإسلامية بين السلفية والمعتزلة، ط. الأولى ص ٢٠. ٥ انظر: تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد، "ط. الأولى ١٤٠٣، دار الكتب"، ص ٩١. ٦ انظر: في العقيدة الإسلامية ص ١٩.
[ ٩٩ ]
في مفهوم السلف؛ إذ لا يمكن إدخالهم في مفهوم السلف -زمنيًا؛ إلا على رأيه هذا، إذ كلهم كانوا بعد القرون الثلاثة، باستثناء الإمام الأشعري الذي توفي سنة ٣٢٤ هـ. والله تعالى أعلم.
والذي أصبح على مذهب الإمام أحمد١ بعد رجوعه عن الاعتزال وقول ابن كلاب. والمنتسبون إليه ينتسبون إلى مذهب تركه.
هل التحديد الزمني كاف لتحديد مفهوم "السلف"؟
إذا قلنا بأن المراد بالسلف زمنيًا هم أهل القرون الثلاثة المفضلة، استئناسًا بالأحديث الواردة في تعيين القرون المفضلة، ولأنا نرى من يذكر السلف بالاسم لا يخرج عن إطار القرن الثالث كما تقدم في كلام الدكتور خفاجي.
فهل نعتبر كل من عاش في هذه القرون سلفًا يقتدي به؟
لا شك أن الإجابة على هذا التساؤل هي النفي؛ وذلك لما نعلمه جميعًا من وجود الكثير من أئمة أهل البدع والأهواء في تلك الحقبة.
ففيها خرجت الخوارج في عهد الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب ﵁؛ حيث اعترضوا على التحكيم سنة ٣٧ هـ فكان بداية خروجهم.
وفيها ظهر التشيع والرفض على يد ابن سبأ اليهودي الذي ادعى الإسلام وزعم محبة آل البيت.
وفيها نبتت فتنة القدرية على يد معبد الجهني "ت ٨٠ هـ".
وفيها أيضًا ظهرت بدعة الإرجاء وكان من زعماء المرجئة الأوائل غيلان
_________________
(١) ١ كما صرح بذلك في مصنفاته التي ألفها بعد رجوعه كالإبانة، والمقالات: انظر: المقالات ١/ ٣٤٥- ٣٥٠، والإبانة ص ٢٠ وما بعدها.
[ ١٠٠ ]
الدمشقي "ت ١٠٥ هـ".
وفيها نجم قرن التجهم، والاعتزال؛ فعاش في هذا الوقت: الجعد بن درهم "ت ١٢٤هـ" أستاذ الجهم بن صفوان "١٢٨ هـ" زعماء الجهمية الأوائل منكري الصفات كما عاش فيه واصل بن عطاء مؤسس فرقة المعتزلة الأول "ت ١٣١ هـ".
وبهذا يتضح أن القرون الثلاثة عاش فيها سلف صالح يقتدي به، كما عاش فيها أصحاب أهواء ورواد ابتداع أدخلوا على الإسلام والمسلمين أمورًا ليست من الدين، وفتحوا عليهم أبواب شر عظيم، ما زالت الأمة تعاني من آثاره إلى اليوم.
إذن: "ليس السبق الزمني كافيًا في تعيين السلف؛ بل لا بد أن يضاف إلى هذا السبق الزمني موافقة الرأي للكتاب والسنة نصًا وروحًا، فمن خالف رأيه الكتاب والسنة، فليس بسلفي وإن عاش بين ظهراني الصحابة والتابعين"١.
ولهذا كان الإمام السفاريني موفقًا أيما توفيق في تعريفه لمذهب السلف؛ حيث احترز فقيد "السلف" الذي يقتدى به بأن يكون ممن شهد له بالإمامة، ولم يرم ببدعة، فقال: "المراد بمذهب السلف ما كان عليه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وأعيان التابعين لهم بإحسان، وأتباعهم، وأئمة الدين ممن شهد له بالإمامة، وعرف عظم شأنه في الدين، وتلقى الناس كلامهم خلفًا عن سلف، دون من رمي ببدعة، أو شهر بلقب غير مرض، مثل: الخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة، والجبرية، والجهمية، والمعتزلة، والكرامية، ونحو هؤلاء"٢.
أي أن من قرف بشيء من هذه الأهواء والبدع فلا يعد من السلف الصالح
_________________
(١) ١ د. الجليند: الإمام ابن تيمية وقضية التأويل ص ٥٢ بتصرف يسير. ٢ انظر: لوامع الأنوار ١/ ٢٠.
[ ١٠١ ]
المقتدى به، وإن عاش في عصرهم وبين ظهرانيهم.
إذ ليس كل سلف يقتدي به؛ وإنما تكون القدوة والأسوة بأولئك السلف الأخيار الذين مضى وصفهم، وذكر فضلهم، من أصحاب رسول الله ﷺ، وأئمة التابعين، وتابعيهم من أهل القرون المفضلة المشهود لهم بالخيرية على لسان الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم١، الذين عرف عنهم التمسك بالسنة، والإمامة فيها، واجتناب البدعة، والحذر والتحذير منها.
وقد أمرنا الله ﷿ بإتباع سبيل أصحاب رسول الله ﷺ واقتفاء آثارهم وسلوك منهجهم، فقال ﷿: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ ٢.
قال الإمام ابن القيم في بيان وجه الاستدلال بالآية: "وكل من الصحابة منيب إلى الله فيجب اتباع سبيله، وأقواله وأعتقاداته من أكبر سبيله"٣.
وأخبرنا ﵎ عن رضاه عمن اتبعهم بإحسان، وما أعده لهم من الثواب العظيم فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ٤.
وقال الرسول ﷺ: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" ٥.
_________________
(١) ١ في قوله ﷺ: "خير أمتي قرني، ثم الذين يلونه، ثم الذين يلونهم"، وقد تقدم ص٩٧. ٢ سورة لقمان آية ١٥. ٣ انظر: إعلام الموقعين ٤/ ١٦٨، "بتحقيق: عبد الرحمن الوكيل". ٤ سورة التوبة آية ١٠٠. ٥ د: كتاب السنة، باب لزوم السنة ٥/ ١٣- ١٤، ح ٤٦٠٧. ت: كتاب العلم، باب الأخذ بالسنة واجتناب البدعة ٥/ ٤٤، ح ٢٦٧٦. ابن أبي عاصم: السنة ١/ ١٨، ١٩، ٢٩، وقال الشيخ الألباني: إسناده صحيح ورجاله ثقات.
[ ١٠٢ ]
وقال ﷺ في وصف الفرقة الناجية -وقد قيل له: من هي يا رسول الله؟: "ما أنا عليه وأصحابي" ١.
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: "من كان مستنًا فليستن بمن قد مات أولئك أصحاب محمد ﷺ، كانوا خير هذه الأمة، وأبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ، ونقل دينه فتشبهوا بأخلاقهم، وطرائقهم، فهم كانوا على الهدي المستقيم"٢.
وقال الإمام أحمد بن حنبل: "أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ والاقتداء بهم وترك البدع"٣.
وما زال أئمة السنة وعلماء الأمة جيلًا بعد جيل يدعون إلى إتباع السلف الصالح والاقتداء بهم وسلوك طريقهم، ومن ذلك قول الإمام الأوزاعي "ت ١٥٧ هـ": "عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك القول"٤، وقوله أيضًا: "أصبر نفسك على السنة وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا: وكف عما كفوا عنه، وأسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك"٥.
وما برح أهل السنة يستدلون على دينهم، وعقائدهم، بما جاء في كتاب الله ﷿، وبما صح من سنة رسول الله ﷺ؛ فإن لم يجدوا فبما ثبت وأثر
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه، انظر: ص ٤٨. ٢ البغوي، شرح السنة ١/ ٢١٤. ٣ انظر: اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ١٥٦. ٤ الآجري، الشريعة ص١٠٢. وقال الشيخ الألباني: إسناده صحيح. انظر: مختصر العلو ص ١٣٨. ٥ اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ١٥٤.
[ ١٠٣ ]
عن السلف الصالحين، من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين المعروف عنهم الإمامة في السنة والتقدم فيها، فيسلكون طريقهم ويقولون فيها بقولهم.
فانظر مثلًا إلى الإمام أبي القاسم اللالكائي وهو يوضح منهجه في الاستدلال على مسائل الاعتقاد في كتابه "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" قائلًا: "ثم استدل على صحة مذاهب أهل السنة بما ورد في كتاب الله تعالى فيها، وبما روي عن رسول الله ﷺ؛ فإن وجدت فيهما جميعًا ذكرتهما، وإن وجدت في إحداهما دون الآخر ذكرته، وإن لم ِأجد فيهما إلا عن الصحابة الذين أمر الله ورسوله أن يقتدى بهم ويهتدى بهم ويهتدى بأقوالهم، ويستضاء بأنوارهم لمشاهدتهم الوحي والتنزيل، ومعرفتهم معاني التأويل احتججت بها؛ فإن لم يكن فيها أثر عن صحابي فعن التابعين لهم بإحسان الذين في قولهم الشفا والهدى"١.
وإلى قول الإمام ابن كثير وهو يجنح إلى إتباع السلف والقول بقولهم: "وأما قول تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٢ فللناس في هذا مقالات كثيرة جدًا، ليس هذا موضع بسطها؛ وإنما يسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح، مالك "٩٣- ١٧٩ هـ"، والأوزاعي، والثوريي "٩٧- ١٦١ هـ"، والليث بن سعد "ت ١٧٥ هـ" والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق"٣.
وقول الإمام ابن أبي العز شارح "الطحاوية": "وقد أحببت أن أشرحها سالكًا طريق السلف في عبراتهم، وانسج على منوالهم متطفلًا عليهم لعلي أنظم في سلكهم وأدخل في عدادهم"٤.
_________________
(١) ١ انظر: مقدمة شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ٢٧. ٢ سورة الأعراف آية ٥٤. ٣ تفسير القرآن العظيم ٢/ ٤٢٢، ط. الشعب. ٤ شرح العقيدة الطحاوية ص ٧٤.
[ ١٠٤ ]
وقال الإمام الذهبي في مقدمة كتابه القيم "العلو للعلي الغفار" بعد أن ذكر عددًا من آيات الاستواء والعلو: "فإن أحببت يا عبد الله الإنصاف؛ فقف مع نصوص القرآن والسنن، ثم انظر ما قاله الصحابة والتابعون وأئمة التفسير في هذه الآيات، وما حكوه من مذاهب السلف، فإما أن تنطق بعلم، وإما تسكت بحلم"١.
ضرورة بيان مذهب السلف ومواقفهم من أهل البدع:
كان الناس على عهد رسول الله ﷺ وصدر القرن الأول على قول واحد وصراط مستقيم إلى أن أطلت الفتن، وبزغت قرون أهل البدع والخلاف؛ فخرجت الخوارج، وتشيعت الشيعة، وتجهمت الجهمية، واعتزلت المعتزلة، واستطار شرر المتكلمين في الأمصار يثير الشبهات.
وكان هؤلاء وأولئك يرون أنهم على حق وأنهم الفرق الناجية، ويستدلون على أقوالهم ومذاهبهم بنصوص من الكتاب والسنة ينزلونها على آرائهم، ويصرفونها عما دلت عليه ظواهرها، كما ألمحنا إلى ذلك فيما سبق، ويدعون انهم متبعون للكتاب والسنة، وربما التبس الأمر على عامة الناس، لما يظهره هؤلاء من الاستدلال بنصوص الشرع على مذاهبهم وأقوالهم.
فلما كان الأمر كذلك احتاج أهل السنة إلى بيان وإظهار مذهب السلف الصالح الذين لا يشك أحد في أنهم أهل السنة وأئمتها المعروفون بها، وبيان ما ذهبوا إليه في فهم هذه النصوص وما فسروها به؛ لأنهم أدق فهمًا، وأصفى ذهنًا، وأصدق تسننًا وتدينًا وأعمق علمًا، وأقل تكلفًا، وأقرب إلى مشكاة النبوة، وشعاع الوحي، ما زال نورهما في قلوبهم مضيئًا يهيديهم إلى القول الحق، والطريق المستقيم، ليقف الناس على أقوالهم ومذاهبهم فيتبين لهم مدى مخالفة أقوال ومذاهب تلك الفرق لأقوال السلف الصالح ومباينتها لها.
_________________
(١) ١ ص ١٦.
[ ١٠٥ ]
ولذا نرى كثيرًا من أئمة الإسلام؛ إذ ذكر أمرًا من أمور الاعتقاد يحرص على بيان قول السلف والأئمة المقتدى بهم المتفق على إمامتهم في السنة، ليعلم أن مخالفهم سار على غير هديهم؛ فإما أن يكونوا على الهدى والصواب والسنةن أو يكون مخالفهم هو المصيب، ولا شك أنهم بالحق والصواب أولى؛ لما عرفنا من فضلهم وعلمهم وحرصهم على السنة والتمسك بها.
وذلك كقول الإمام أحمد بن حنبل في مقدمة رسالة "السنة" له: "هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المتمسكين بعروتها، المعروفين بها المقتدي بهم فيها من لدن أصحاب النبي ﷺ إلى يومنا هذا، وأدركت من علماء الحجاز والشام وغيرهما عليها؛ فمن خالف شيئًا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مخالف مبتدع وخارج عن الجماعة زايل عن منهج السنة وسبيل الحق"، ثم ذكر قولهم في مسائل الاعتقاد١.
وكذلك قول الإمامين أبي حاتم "ت ٢٧٧ هـ"، وأبي زرعة "ت ٢٦٤ هـ" الرازيين: "أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا، وعراقًا وشامًا، ويمنًا؛ فكان من مذهبهم الإيمان قول وعمل يزيد وينقص"٢.
وقول الإمام الأوزاعي: "كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله ﷿ فوق عرشه ونؤمن بما وردت بها لسنة من صفاته"٣.
وهكذا كان أهل العلم من الأئمة يحرصون على أن يبينوا ما ذكروه وما قالوه في مسائل الاعتقاد هو قول من سبقهم من أئمة السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم ليعلم أن ما خالف ذلك فليس هو من قولهم ولا من هديهم، وأنه من أقوال أهل البدع والخلاف.
_________________
(١) ١ انظر: السنة ص ٣٣- ٣٤، مع الرد على الجهمية. ٢ اللالكائي، شرح أصوال اعتقاد أهل السنة ١/ ١٧٦. ٣ الذهبي، العلو ص ١٠٢، وقال: أخرجه البيهقي في كتاب الأسماء والصفات.
[ ١٠٦ ]
وأهل البدع وإن كانوا يدعون اتباع الكتاب والسنة ويستدلون بالكثير من نصوصهما على ما يذهبون إليه على نحو ما ذكرنا، ويزعمون أنهم أهل الحق وربما تسمى بعضهم بأهل السنة؛ إلا أنهم لم يدعوا يومًا أنهم على مذهب السلف أو من أتباعهم أو قائلون بقولهم. بل يصرحون بمخالفتهم ومباينتهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "بل والطوائف المشهورة بالبدعة، كالخوارج والروافض، لا يدعون أنهم على مذهب السلف؛ بل هؤلاء يكفرون جمهور السلف، فالرافضة تطعن في أبي بكر وعمر وعامة السابقين والأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإسحان، وسائر أئمة الإسلام، بل ويكفرونهم فكيف يزعمون أنهم على مذهب السلف، ولكن ينتحلون مذهب أهل البيت كذبًا وافتراء؟ "
وكذلك الخوارج قد كفروا عثمان وعليًا، وجمهور المسلمين من الصحابة والتابعين فكيف يزعمون أنهم على مذهب السلف؟
والمعتزلة أيضًا تفسق من الصحابة والتابعين طوائف، وتطعن في كثير منهم وفيما رووه من الأحاديث التي تخالف آراءهم وأهواءهم. وليس انتحال مذهب السلف من شعائرهم. -إلى أن قال: فالمقصود هنا أن المشهورين من الطوائف بين أهل السنة والجماعة بالبدعة، ليسوا منتحلين للسلف فعلم أن شعار أهل البدع هو ترك انتحال إتباع السلف.
وأما متكلمة أهل الإثبات من الكلابية والكرامية والأشعرية، مع الفقهاء والصوفية وأهل الحديث فهؤلاء في الجملة لا يطعنون في السلف؛ بل قد يوافقونهم في أكثر جمل مقالاتهم، لكن كل ما كان بالحديث من هؤلاء أعلم، كان بمذهب السلف أعلم وله اتبع؛ وإنما يوجد تعظيم السلف عند كل طائفة بقدر استنانها وقلة ابتداعها.
أما أن يكون انتحال السلف من شعائر أهل البدع، فهذا باطل قطعًا، فإن
[ ١٠٧ ]
ذلك غير ممكن إلا حيث يكثر الجهل ويقل العلم.
يوضح ذلك: أن كثيرًا من أتباع أبي الحسن الأشعري يصرحون بمخالفة السلف، في مثل مسألة الإيمان، ومسألة تأويل الآيات والأحاديث، يقولون: مذهب السلف، أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص، وأما المتكلمون من أصحابنا فمذهبهم كيت وكيت١، وكذلك يقولون: مذهب السلف أن هذه الآيات والأحاديث الواردة في الصفات لا تتأول، والمتكلمون يريدون تأويلها إما وجوبًا أو جوازًا ويذكرون اغلخلاف بين السلف وبين أصحابهم المتكلمين، هذا منطوق ألسنتهم ومسطور كتبهم"٢.
فلما كان هذا حال هذا الفرق والطوائف؛ تصريح بأن مذهبهم خلاف مذهب السلف، مع ادعاء اتباع الكتاب والسنة والاستدلال بهما والتسمي بأهل الحق، وأهل السنة والجماعة من قبل بعضهم أظهر أهل السنة مذهب السلف وأبرزوه وذكروا أقوال أئمة السلف من الصحابة ومن بعدهم من أهل العلم والإتباع الذين هم أئمة السنة وأهلها بلا منازع ليبينوا من خالف قولهم؛ فليس هو على السنة المحضة وإن أصاب بعضها في بعض أقواله وليتميز المحق في ادعائه من المبطل، فإن اتباع الكتاب والسنة كل يديعيه، والميزان هو اتباع وارتضاء طريقتهم، وانتهاج منهجهم؛ فإنهم كانوا على هدي مستقيم، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه٣، وبذلك يظهر المحق من المبطل ويميز بين أهل السنة وأهل البدعة الذين شعارهم مجانبة السلف ومخالفتهم.
_________________
(١) ١ قارن بقول الرازي وهو من أئمة الأشاعرة: "الإيمان عندنا لا يزيد ولا ينقص، وعند المعتزلة: لما كان اسمًا لأداء العبادات كان قابلًا لهما، وعند السلف، لما كان اسمًا للإقرار والاعتقاد والعمل فكذلك". محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين ص ٢٣٩. ٢ انظر: الفتاوى ٤/ ١٥٣- ١٥٧. ٣ انظر قوله في هذا المعنى: ص ١٠٣.
[ ١٠٨ ]
جواز الانتساب إلى السلف والتلقب بـ "السلفية" والرد على من أنكر ذلك:
كان للجهود التي بذلها الأئمة من أهل السنة -وعلى رأسهم إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل، والإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة "٣١١ هـ"، والإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري "٣٦٠ هـ"، والإمام أبو عبد الله بن بطة العكبري "٣٧٨ هـ"، والإمام أبو القاسم هبة الله بن الحسن اللالكائي "٤١٨ هـ"، والإمام أبو القاسم إسماعيل بن محمد الأصبهاني "٥٣٥ هـ"، ثم شيخ الإسلام ابن تيمية "٧٢٨ هـ"، وتلميذه الإمام ابن القيم "٧٥١ هـ"، ثم شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب "١٢٠٦ هـ" رحمة الله عليهم جميعًا في الدعوة إلى السنة والعودة إلى طريقة السلف ومنهجهم، والاقتداء بهم- الأثر الكبير في ظهور اتجاه سلفي على مر التاريخ يستقي أسس دينه وعقيدته من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وسيرة سلفه الصالح من الصحابة والتابعين، والتابعين لهم من أهل القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية، ويقاوم كل تياربدعي يخرج عن هذه الأسس، ويرتكز على علم الكلام والفلسفة في تقرير العقائد.
عرف أتباع هذا المنهج بأنهم أبتاع السلف؛ لشدة تمسكهم بآثارهم، وحرصهم على سلوك طريقهم، ومعرفة رأيهم: وقولهم وموقفهم في كل مسألة من مسائل الدين؛ فهل يسوغ أن يطلق على هؤلاء لقب "السلفيين" أو "السلفية" وهل يلقب الفرد منهم بـ "السلفي"؟
الواقع أننا إذا عرفنا: "أن الدعوة إلى اتباع السلف، أو إلى السلفية كما يعبر البعض إنما هي دعوة إلى الإسلام الحق، وإلى السنة المحضة، دعوة إلى العودة إلى الإسلام كما أنزل على رسول الله ﷺ وتلقاه عنه أصحابه الكرام رضوان الله عليهم"؛ فلا شك أن هذه الدعوة دعوة حق، والانتساب إليها حق، فلا ضير في الانتساب إلى السلف والاعتزاء إليهم حينئذ.
[ ١٠٩ ]
كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لا عيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب إليه، واعتزى إليه؛ بل يجب قبول ذلك منه، فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقًا"١، قال ذلك فيمن قال إنه على مذهب السلف.
وقد جاء في "الأنساب" للسمعاني "ت ٥٦٢ هـ" السلفي: بفتح السين واللام وفي آخرها الفاء هذه النسبة إلى السلف، وانتحال مذاهبم على ما سمعت منهم"٢.
وقال ابن الأثير: "ت ٦٣٠ هـ" عقب كلام السمعاني السابق: "وعرف به جماعة"٣، وهذا يعني: أن التلقب بالسلفية والانتساب إليها أمر عرف في عصر الإمام السمعاني أو قبله.
وأطلق شيخ الإسلام ابن تيمية لقب "السلفية" في بعض مصنفاته٤، على أولئك الذين قالوا: يقول السلف في الفوقية: وفي عصرنا الحاضر أطلق هذه النسبة وهذا اللقب علماء أفاضل، عرفوا بالتمسك بالسنة والذب عنها، كالشيخ عبد الرحمن المعلمي "ت ١٣٨٦ هـ" في كتابه "القائد إلى تصحيح العقائد"٥. والشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني في كتابه "مختصر العلو"٦، ومقدمته لشرح العقيدة الطحاوية٧ وكتابه: "التوسل"٨، والشيخ العالم القدورة عبد العزيز بن عبد الله بن باز في رسالته "تنبيهات هامة على ما كتبه محمد علي
_________________
(١) ١ الفتاوى ٤/ ١٤٩. ٢ انظر: الأنساب ٣/ ٢٧٣. ٣ انظر: اللباب في تهذيب الأنساب ٢/ ١٢٦. ٤ انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/ ١٢٢. ٥ انظر: ص ٤٧، ٥١، ٥٥، ١٩٩. ٦ ص ١٢٢. ٧ انظر: مقدمة شرح العقيدة الطحاوية ص ٥٧. ٨ انظر: ص ١٤٠.
[ ١١٠ ]
الصابوني في صفات الله ﷿"١، ومن هؤلاء شيخي وأستاذي الفاضل الدكتور علي بن ناصر فقيهي في كتابه: "الفتح المبين بالرد على نقد عبد الله الغماري لكتاب الأربعين"٢، وغير هؤلاء كثير من أهل العلم المعاصرين.
فهؤلاء الأفاضل من أهل العلم لم يروا باسًا في إطلاق لقب "سلفي" أو "السلفيين" مشيرين به إلى أولئك السائرين على منهاج السلف وطريقتهم.
وقد عد بعض من كتب في المذاهب الإسلامية وتاريخها من المحدثين "السلفيين" طائفة متميزة عرفت بهذا الاسم؛ وذلك كصنيع الدكتور محمد أبي زهرة في كتابه "تاريخ المذاهب الإسلامية"٣، والدكتور مصطفى الشكعة في كتابه "إسلام بلا مذاهب"٤، وقد أشارا إلى التطور التاريخي لمسيرة هذه الطائفة واتفقا على أنها امتداد لمدرسة الإمام أحمد بن حنبل، تجددت على يد شيخ الإسلام ابن تيمية في القرن السابع الهجري، والشيخ محمد بن عبد الوهاب في القرن الثاني عشر الهجري، وزعما أن السلفيين هم الذين أطلقوا على أنفسهم هذا اللقب.
وسواء صح أن دعاة العودة إلى مذاهب السلف هم الذين أطلقوا على أنفسهم هذا القب، أم أطلقه عليهم غيرهم ثم عرفوا به؛ فإني لم أقف على من أنكر عليهم ذلك أو اعترض على إطلاق هذا اللقب عليهم من أهل العلم قديمًا، أو حديثًا ممن عرف بالسنة والدعوة إليها، وأقل ما يقال في جواز التلقب بذلك والانتساب إليه. وأنه اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح ما دام المعنى صحيحًا وحقًا في أصله كما تقدم كلام شيخ الإسلام في ذلك، وأنه لا عيب
_________________
(١) ١ انظر: ص ٣٤- ٣٥. ٢ انظر: ص ٣٩، "ط. الأولى ١٤٠٨. - مطابع الرشيد". ٣ انظر: ص ١٨٧، "ط. دار الفكر العربي". ٤ انظر: ص ٤٩٩- ٥٠٠.
[ ١١١ ]
على من أظهر مذهب السلف وانتسب واعتزى إليه؛ لأن مذهب السلف لأي كون إلا حقًا.
وما كان الموضوع يستدعي الوقوف عنده والإطالة في تقريره لولا ما وقفت عليه من كلام للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه الجديد "السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي"، عد فيه "من الخطأ بمكان أن نعمد إلى كلمة "السلف" فنصوغ منها مصطلحًا جديدًا طارئًا على تاريخ الشريعة الإسلامية ألا وهو "السلفية" فنجعله عنوانًا مميزًا تندرج تحته فئة معينة من المسلمين"١؛ بل عد ذلك من البدع الطارئة على المسلمين فقال: "بل لا نعدوا الحقيقة إن قلنا: وإن اختراع هذا المصطلح بمضامينه الجديدة التي أشرنا إليها بدعة طارئة في الدين لم يعرفها السلف الصالح لهذه الأمة والخلف الملتزمة بنهجه"٢.
وهو يرى في هذا الكتاب: "أن الاقتداء بالسلف لا يكون باتباع آرائهم، وأقوالهم، ومواقفهم التي اتخذوها، وسلوك طريقتهم؛ فيقول: "فإن إتباع السلف لا يكون بالانحباس في حرفية الكلمات التي نطقوا بها، أو المواقف الجزئية التي اتخذوها؛ لأنهم هم أنفسهم لم يفعلوا ذلك؛ وإنما يكون بالرجوع إلى ما احتكموا إليه من قواعد تفسير النصوص وتأويلها، وأصول الاجتهاد والنظر في المبادئ والأحكام"٣.
وإذا نحن أردنا أن نعرف ما هي هذه القواعد؟ ومتى وضعت؛ فإن فضيلته يجيب بوضوح: أن هذه القواعد هي قواعد أصول الفقه، وأنها تعتمد فيما تعتمد على طبيعة اللغة العربية وأساليبها وفهمها، وأن استنباط هذه القواعد تأخر إلى
_________________
(١) ١ انظر: ص ١٣، "ط. الأولى ١٤٠٨ هـ= ١٩٨٨. نشر: دار الفكر-دمشق". ٢ نفس المصدر. ٣ نفس المصدر ص ١٢.
[ ١١٢ ]
عصر الإمام محمد بن إدريس الشافعي "١٥٠- ٢٠٤ هـ"١ أول من وضع قواعد أصول الفقه. وإذا كان عصر الإمام الشافعي لا يمثل إلا الحلقة الثالثة من القرون الثلاثة التي هي خير القرون والتي تمثل بمجموعها السلف المقتدي بهم، كما سبق بيان ذلك؛ فأين القواعد التي اعتمد عليها الصحابة والتابعون بقبل أن يضع الإمام الشافعي هذه القواعد، حتى يمكن أن نقول: لا نقتدي بالصحابة إلا على ضوئها ووفق قوانينها.
وليت فضيلته وقف عند الأصول والقواعد التي وضعها الإمام الشافعي؛ فالإمام الشافعي إمام من أئمة السلف يدعو إلى السنة على طريقة من سبقه من الأئمة؛ وإنما نراه يضع لنا منهجًا عامًا يرى أنه لا بد لمن يريد ممارسة الإسلام الصحيح أن يتبعه فيقول: "إن الإنسان لكي يمارس الإسلام يقينًا وسلوكًا لا بد أن يجتاز المراحل الثلاث التالية:
أ- التأكد من صحة النصوص الواردة والمنقولة عن فهم سيدنا محمد ﷺ، قرآنا كانت هذه النصوص أم حديثًا؛ بحيث ينتهي إلى يقين بأنها موصولة النسب إليه وليست منقولة عليه.
ب- الوقوف بدقة على ما تتضمنه وتعينه تلك النصوص؛ بحيث يطمئن إلى ما يعنيه ويقصده صاحب تلك النصوص منها.
ج- عرض حصيلة تلك المعاني والمقاصد التي وقف عليها وتأكد منها على موازين المنطق والعقل قال: "ونعني بالمنطق هنا قواعد الدراية والمعرفة عمومًا لتمحيصها ومعرفة موقف العقل منها"٢.
ثم أخذ يفصل ويشرح أجزاء كل من هذه الثلاث المراحل التي تكون في مجموعها وبتفاصيلها المنهج العلمي الذي ينبغي اتباعه في فهم النصوص في
_________________
(١) ١ نفس المصدر ص ١٩. ٢ نفص المصدر ص ٦٣.
[ ١١٣ ]
نظره.
وبإلقاء نظرة فاحصة على أجزاء هذا المنهج يتضح لنا بدون أدنى مواربة أن الحكم النهائي في تفسير النص، وقبوله أو رده؛ إنما هو للعقل والمنطق، وهذا منهج أهل الكلام والبدع يعرضون النصوص على العقول فما أجارته وقبلته، أجيز وما لا فلا بد من التصرف فيه بالرد أو التأويل أو بإبطال مفعوله وإيقافه عن العمل في بعض الأبواب دون بعض، وما كان هذا المنهج في يوم من الأيام هو منهج السلف.
ولنسر مع الدكتور البوطي وهو يوضح موقف العقل من نصوص الشرع، بعد أن قسم الحديث إلى متواتر، وآحاد، وضعيف؛ فيقول في المتواتر: "وإنما موقف العقل منه هو القبول والإذعان، أيًا كان هذا العقل، وأيًا كان صاحبه ومهما كانت نحلته؛ فإن العقل الإنساني لا يرتاب في صحة خبر امتد إليه ابتداء من مصدره، عن طريق جموع غفيرة متصلة".
ثم يقول في موقف العقل من خبر الآحاد: "هذا القسم الثاني من الأخبار يسمى صحيحًا، وموقف العقل منه هو الاطمئنان غليه والوثوق به على سبيل الترجيح لا الجزم؛ فإن العقل يظل يجيز احتمال أن يكون قد تسلل إلى الخبر شائبة وهم، من جهة نسيان، أو خطأ أو ذهول وقع من بعض رواته، ومهما كان هذا الاحتمال بعيدًا؛ نظرًا لتوافر شروط الصحة فيه؛ فإنه يظل احتمالا وأردًا.
ولأجل هذا الاحتمال البعيد، يضرب فضيلة الدكتور البوطي ومن قبله أصحاب هذا المنهج من أسلافه عن توفر شروط الصحة في حديث الآحاد صفحًا، ويقرر أن: "هذا القسم لا تتكون منه حجة ملزمة في نطاق الاعتقاد؛ بحيث يقع الإنسان في طائلة الكفر إن هو لم يجزم بمضمون خبر صحيح لم يرق إلى درجة التواتر، وبقي في حدود الآحاد، بل يسعه أن لا يجزم به دون أن
[ ١١٤ ]
يخدش ذلك في إيمانه وإسلامه وإن كان ذلك قد يخدش في عدالته ويتسوجب فسقه".
ويعلل فضيلته هذا الاتجاه: "بأن الاعتقاد انفعال قسري وليس فعلًا اختياريًا؛ فإن وجد العقل أمامه ما يحمله على الانفعال واليقين يأمر ما، اصطبغ بذلك اليقين لا محالة دون أن يكون في ذلك أي اختيار، وإن لم يجد أمامه ما يحمله على ذلك الانفعال واليقين لم يجد بدًا من الوقوف عند درجة الربية والظن"١.
وأي فضل لامرء في إيمان أو اعتقاد لا خيار له فيه؛ وإنما وجد نفسه منفعلة به مقسورة عليه، على ماذا يثاب حينئذ؟ وهل كان إيمان الصحابة إلا تسليمًا وتصديقًا بما جاء به الرسول ﷺوكذلك إيمان سائر السلف من بعدهم لم يكن قهرًا ولا قسرًا ولا وجدوا أنفسهم مضطرين إليه مقسورين عليه؛ إنما جاءهم كتاب ربهم وبلغتهم سنة نبيهم فآمنوا وسلموا تسليمًا، وقالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَار﴾ ٢؛ فقبل منهم هذا الإيمان ووعدهم بالإثابة والأجر عليه فقال: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ ٣. ولم يقبل الله ﷿ إيمان فرعون عندما آمن اضطرارًا، ولم يصدق موسى ﵇ إلا بعد أن وجد نفسه مقسورة على اليقين والإيمان منفعلة به؛ فلا ثواب، بل ولا قبول حينئذ. يقول ﷿: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِين
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص ٦٦. ٢ سورة آل عمران آية ١٩٣. ٣ نفس السورة آية ١٩٥.
[ ١١٥ ]
آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِين﴾ أي: لا ينفعك هذا الإيمان؛ لأنه لم يكن إيمان تسليم؛ وإنما إيمان قسر واضطرار؛ ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ ١.
وبعد: فهذا المنهج الذي يرى فضيلة الدكتور البوطي أنه مقياس اتباع الكتاب والسنة، وهو العنوان على مدى الاعتصام بحبل الله عز وجل٢.
وهو كما ترى منهج يقضي بتحكيم العقل في نصوص الشرع وتسليطه عليها وهو منهج أهل الكلام من المعتزلة والأشاعرة٣.
فانظر أيهما أهدى إتباع السلف الصالح وسلوك طريقهم ومنهجهم، واعتبار أقوالهم وفهمهم وتفسيرهم لنصوص الوحي، أم هذا المنهج الخلقي؟
_________________
(١) ١ سورة يونس الآيات من ٩٠- ٩٢. ٢ انظر: السلفية مرحلة زمنية ص٥٦. ٣ وقد تصدى للرد على البوطي في هذا الكتاب أفاضل من أهل العلم؛ منهم الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في كتابه نظرات وتعقيبات، والشيخ عبد القادر حامد في مقالات له نشرتها مجلة البيان، العدد ٣٤ وما بعده.
[ ١١٦ ]