من الأسماء التي ترد كثيرًا معبرًا بها عن "أهل السنة"، "أهل الحديث"، وهذا واضح في كلام كثير من الأئمة كشيخ الإسلام ابن تيمية، وغيره من أهل العلم قبله وبعده، يذكرون "أهل الحديث" و"أهل السنة" مبينين اعتقادهم، ولا يفرقون بين المصطلحين؛ فهذا الإمام الصابوني "٣٧٢- ٤٤٩"، يقول في عقيدته: "إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة حفظ الله أحياءهم، ورحم أمواتهم يشهدون لله تعالى بالوحدانية وللرسول الله ﷺ بالرسالة والنبوة. إلى أن يقول: وقد أعاذ الله أهل السنة من التحريف.
[ ١١٦ ]
والتكييف والتشبيه ومن عليهم بالتعريف والتفهيم"١.
فعبر بكل من المصطلحين عن الآخر مما يدل على أنهما يترادفان ولا سيما إذا ذكرا في كتب الاعتقاد؛ لأن اعتقادهما واحد وهو ما جاء في الحديث والسنة وهما بمعنى واحد.
وشيخ الإسلام يقول مثلًا: "مذهب السلف أهل الحديث والسنة والجماعة"٢.
وهذا كما ذكرت، كثير في كتبهم ﵏؛ وإنما ذكرت ذلك من باب التمثيل، فهل يعني ذلك أن المصطلحين مترادفان أو أن لكل منهما معنى؟
لكي نتبين ذلك لا بد أن نقف على معنى "السنة" و"الحديث" هل هما بمعنى واحد أو أن لكطل منهما معنى؟
تقدم لنا تعريف السنة، وأن معناها يختلف عند المدثين عنه عند الفقهاء، عنه عند الأصوليين، وأن معنى السنة في عرف كثير من السلف مقابل للبدعة، فيقصدون بالسنة موافقة الكتاب وسنة الرسول ﷺ وأصحابه الكرام؛ فيقال: فلان على السنة؛ إذ كان عمله موافقًا للكتاب والسنة، وعمل السلف، وفلان على البدعة؛ إذ كان عمله مخالفًا للكتاب والسنة٣.
والسنة عند المحدثين مرادفة للحديث، فهما كل ما أثر عن النبي ﷺ قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خلقية٤.
وبهذا يتبين لنا أن السنة والحديث وإن كانا بمعنى واحد عند المحدثين
_________________
(١) ١ انظر: عقيدة السلف أصحاب الحديث ص ٣- ٤ بتحقيق بدر البدر. ٢ انظر: درء تعارض العقل والنقل ١/ ٢٠٣. ٣ راجع: مبحث بيان معنى السنة ص ٣٢. ٤ انظر: مبحث بيان معنى السنة ص ٣٠.
[ ١١٧ ]
لكنهما عند غيرهم ليسا كذلك، ولا سيما عند السلف الذين يطلقون السنة في مقابل البدعة فتشمل الكتاب والسنة والشريعة، وليس ذلك لـ "الحديث"؛ فالحديث إذن مصطلح علمي فني أضيق من "السنة".
وعلى هذا: فهنالك فرق بين مصلطح "أهل السنة" و"أهل الحديث"، وإن عبر بأحدهما عن الآخر في أبواب الاعتقاد لما بينهما من التقارب في الغالب؛ وإلا فقد يكون المرء من أهل السنة، وليس من أهل الحديث من الناحية الصناعية؛ أي: ليس بمحدث.
وقد يكون المرء من أهل الحديث صناعة وليس هو من أهل السنة فقد يكون مبتدعًا؛ ولذلك قال عبد الرحمن بن مهدي: "الناس على وجوه؛ فمنهم من هو إمام في السنة إمام في الحديث، ومنهم من هو إمام في الحديث؛ فأما من هو إمام في السنة وإمام في الحديث فسفيان الثوري"١.
وقال الإمام ابن الصلاح: وقد سئل عن الفرق بين السنة والحديث في قول بعضهم عن الإمام مالك أنه جمع بين السنة والحديث؛ قال: "السنة هنا ضد البدعة، وقد يكون الإنسان من أهل الحديث وهو مبتدع، ومالك ﵁ جمع بين السنتين؛ فكان عالمًا بالسنة؛ أي: لحديث - ومعتقدًا للسنة- أي كان مذهبه مذهب أهل الحق من غير بدعة"٢.
لكن في الغالب أن أهل الحديث على السنة؛ لأنهم حملتها، وأقرب الناس إليها، وهم ورثة رسول الله ﷺ ونقله سنته، والمبتدع فيهم قليل بل الغالب عليهم الإتباع.
فإذا قيل: "أهل الحديث" في كتاب العقائد، فالمراد أهله رواية ودراية
_________________
(١) ١ اللالكائي، شرح أصول السنة ١/ ٦٣. ٢ فتاوى ابن الصلاح ١/ ٢١٣.
[ ١١٨ ]
واتباعًا، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان المقصود بلفظ "أهل الحديث": "ونحن لا نعني بأهل الحديث المقتصرين على سماعه أو كتابته وروايته؛ بل نعني بهم: كل من كان أحق بحفظه ومعرفته وفهمه ظاهرًا وباطنًا واتباعه باطنًا وظاهرًا وكذلك أهل القرآن"١.
وعلى هذا المعنى يصح أن يعبر بمصطلح "أهل الحديث" عن "أهل السنة" وهو المراد عند الإطلاق ولا سيما في كتاب الاعتقاد عن السلف. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١ الفتاوى ٤/ ٩٥.
[ ١١٩ ]