وهذا اللقب مستفاد من قول المصطفى ﷺ من حديث المغيرة بن شعبة ﵁: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون" ١.
وفي حديث معاوية بن قرة عن أبيه: "لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة" ٢. وقد بين السلف المراد بهذه الطائفة٣.
وقال يزيد بن هارون "١١٨- ٢٠٦ هـ": "إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم"٤.
وقال علي بن المديني "١٦١- ٢٣٤ هـ": "هم أصحاب الحديث"٥.
وقال الإمام أحمد بن حنبل "١٦٤- ٢٤١": "إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث فلا أدري من هم"٦.
قال الحافظ ابن حجر: سنده صحيح٧.
وقال الإمام البخاري "١٩٤- ٢٥٦ هـ": "وهم أهل العلم"٨.
_________________
(١) ١ خ: كتاب الاعتصام بالسنة، باب لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين ١٣/ ٢٩٣، ح ٧٣١١. ٢ ت: كتاب الفتن، باب ما جاء في الشام ٤/ ٤٨٥، ح ٢١٩٢، جه: مقدمة، باب إتباع سنة الرسول ﷺ ١/٤، ح ٦، وقال الألباني: "صحيح"، انظر: صحيح الترمذي ٢/ ٢٣٩، وصحيح ابن ماجه ١/ ٦. ٣ الخطيب البغدادي: شرف أصحاب الحديث ص ٢٦. ٤ نفس المصدر ص ٢٦. ٥ انظر: جامع الترمذي ٤/ ٤٨٥. ٦ انظر: الحاكم، معرفة علوم الحديث ص ٣. ٧ الفتح ١٣/ ٢٩٣. ٨ نفس المصدر.
[ ١٢٢ ]
وروى الخطيب البغدادي عنه بسنده أنه قال: "يعني: أصحاب الحديث"١ ولا منافاة بين القولين؛ فإن أهل الحديث من أهل العلم.
وقال أحمد بن سنان " - ٢٥٩": "هم أهل العلم وأصحاب الآثار"٢.
والمراد بأهل الحديث: أهله رواية ودراية، علمًا وعملًا وإتباعًا؛ إذ هم الذين يستحقون النصر والظهور لنصرتهم سنة رسول الله ﷺ وعملهم بها وذبهم عنها؛ فهم أولى الناس بأن يكونوا الطائفة المنصورة كما قال أبو عبد الله الحاكم بعد أن ذكر قول الإمام أحمد في الطائفة المنصورة السابق، قال: "فلقد أحسن أحمد بن حنبل في تفسير هذا الخبر أن الطائفة المنصورة التي يرفع الخدلان عنهم إلى قيام الساعة، هم أصحاب الحديث، ومن أحق بهذا التأويل من قوم سلكوا محجة الصالحين، واتبعوا آثار السلف الماضيين، ودفعوا أهل البدع والمخالفين بسنن رسول الله ﷺ وعلى آله أجمعين"٣.
وأهل الحديث بهذا المعنى هم أهل السنة؛ ولهذا قال القاضي عياض "٤٧٦- ٥٤٤ هـ" عقب قول الإمام أحمد السابق: "إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث"٤.
فأهل الحديث، في تفسير السلف للطائفة المنصورة، هم أهل السنة والجماعة، فهم الطائفة المنصورة؛ ولهذا نرى كثيرًا من أهل العلم يطلق اسم الطائفة المنصورة على أهل السنة والجماعة؛ فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية يقول في مقدمة العقيدة الواسطية: "أما بعد:
_________________
(١) ١ شرف أصحاب الحديث ص٢٧. ٢ نفس المصدر. ٣ معرفة علوم الحديث ص٣٠. ٤ انظر: شرح صحيح مسلم للنووي ١٣/ ٦٧، كتاب الإمارة.
[ ١٢٣ ]
فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، أهل السنة والجماعة"١، ويقول في آخر هذه العقيدة أيضًا: وهم -أي: أهل السنة- الطائفة المنصورة الذين قال فيهم النبي ﷺ: "ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة" ٢.
وما ورد في بعض الروايات من أن هذه الطائفة هم أهل الشام، كما جاء في حديث سعد بن أبي وقاص؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة" ٣.
قال الإمام أحمد بن حنبل: "هم أهل الشام"٤، وقال معاذ بن جبل ﵁: "وهم بالشام"٥؛ فلا ينافي تفسير الأئمة بأنهم أهل الحديث؛ فالطائفة المنصورة هم أهل الحديث والسنة سواء كانوا في الشام أم في غيرها، ولا يمنع أن يكون أهل الشام في بعض الأوقات هم الطائفة المنصورة، أو أحق الناس دخولًا فيها لقيامهم بالسنة ودفاعهم عن حمى الإسلام والمسلمين، كما حدث زمن اجتياح التتار بلاد المسلمين في أواخر القرن السابع الهجري؛ فإن أهل الشام في ذلك الوقت كانوا هم الطائفة المنصورة لتمسكهم بالسنة وثباتهم عليها وذودهم عن بلاد المسلمين، ولنستمع لشيخ الإسلام ابن تيمية وهو شاهد حال عاصر الفتنة، وكان من المجاهدين فيها بلسانه وسنانه رحمة الله عليه؛ إذ يقول: "أما الطائفة بالشام ومصر ونحوهما، فهم في هذا الوقت المقاتلون عن دين الإسلام، وهم من أحق الناس دخولًا في الطائفة المنصورة التي ذكر النبي ﷺ بقوله في الأحاديث الصحيحة المستفيضة عنه: "لا تزال طائفة من أمتي
_________________
(١) ١ انظر: العقيدة الواسطية بشرح الهراس ص١٤. وقد سبقت الإشارة لذلك ص١٢١. ٢ نفس المصدر ص١٥٧. ٣ م: كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي" ٣/ ١٥٢٥، ح ١٩٢٥. ٤ انظر: الفتاوى لابن تيمية ٢٨/ ٥٣٢. ٥ نفس المصدر والصفحة.
[ ١٢٤ ]
ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم؛ حتى تقوم الساعة، ومن يتدبر أحوال العالم في هذا الوقت يعلم أن هذه الطائفة هي أقوم الطوائف بدين الإسلام، علمًا وعملًا، وجهادًا، عن شرق الأرض وغربها؛ فإنهم هم الذين يقاتلون، أهل الشوكة العظيمة من المشركين وأهل الكتاب، ومغازيهم مع النصارى، ومع المشركين من الترك، ومع الزنادقة المنافقين من الداخلين في الرافضة وغيرهم، كالإسماعيلية ونحوهم من القرامطة معروفة، معلومة قديمًا وحديثًا"١.
ثم ذكر ﵀ أحوال أهل الأقطار الإسلامية، وما حل بهم من ضعف وعجز عن الجهاد، وبعد عن الكتاب والسنة، وتلبس بالبدع والضلال والفجور؛ فيقول: "وذلك أن سكان اليمن في الوقت ضعاف، عاجزون عن الجهاد، أو مضيعون له وهم مطيعون لمن ملك هذه البلاد، حتى ذكروا أنهم أرسلوا بالسمع والطاعة لهؤلاء. وأما سكان الحجاز؛ فأكثرهم أو كثير منهم خارجون عن الشريعة، وفيهم من البدع والضلال والفجور ما لا يعلمه إلا الله، وأهل الإيمان والدين فيهم مستضعفون عاجزون، وأما بلاد إفريقية فأعرابها غالبون عليها، وهم من شرق الخلق؛ بل هم مستحقون للجهاد والغزو، وأما المغرب الأقصى فمع استيلاء الإفرنج على أكثر بلادهم لا يقومون بجهاد النصارى هناك؛ فهذا وغيره مما يبين أن هذه العصابة التي بالشام ومصر في هذا الوقت، هم كتيبة الإسلام، وعزهم عز الإسلام، وذلهم ذل الإسلام؛ فلو استولى عليهم التتار لم يبق للإسلام عز، ولا كلمة عالية، ولا طائفة ظاهرة عالية يخافها أهل الأرض تقاتل عنه"٢.
فهذه الصورة التي نقلها شيخ الإسلام لواقع المسلمين في عصره، تبين في جلاء أن أكثر أهل الديار الإسلامية قد ابتعدوا عن الكتاب والسنة، ودب فيهم الضلال والفجور والبدع، مما جعلهم غير مؤهلين للدفاع عن بلاد الإسلام، وجهاد الأعداء، وإن أهل الشام كانوا في ذلك الوقت هم أهل السنة العاملين بها والذابين عنها قولًا وعملًا وجهادًا لأعدائها؛ فكانوا هم الطائفة المنصورة في عصرهم.
_________________
(١) ١ الفتاوى ٢٨/ ٥٣١- ٥٣٢. ٢ الفتاوى ٢٨- ٥٣٣- ٥٣٤.
[ ١٢٥ ]