(وَالْهِبَةُ): تَبَرُّعُ جَائِزِ التَّصَرُّفِ بِتَمْلِيكِ مَالِهِ المَعْلُومِ المَوْجُودِ فِي حَيَاتِهِ غَيْرَهَ،
[ ١٢٥ ]
فَمَنْ قَصَدَ بِإِعْطَاءِ ثَوَابِ الآخِرَةِ فَقَطْ صَدَقَةً وَإِكْرَامًا وَتَوَدُّدًا وَنَحْوَهَ فَهَدِيَّةٌ، وَإِلَّا فَهِبَةٌ وَعَطِيَّةٌ وَنِحْلَةٌ، وَهِيَ (مُسْتَحَبَّةٌ) إِذَا قُصِدَ بِهَا وَجْهُ اللهِ تَعَالَى؛ كَالِهبَةِ لِلْعُلَمَاءِ وَالفُقَرَاءِ وَمَا قُصِدَ بِهِ صِلَةُ الرَّحِمِ.
(وَتَصِحُّ هِبَةُ مُصْحَفٍ) كَوَقْفِهِ، (وَ) يَصِحُّ هِبَةُ (كُلِّ مَا يَصِحُّ بَيْعُهُ) مِنَ الأَعْيَانِ.
(وَتَنْعَقِدُ) الهِبَةُ (بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا عُرْفًا) مِنْ إِيجَابٍ وَقَبُولٍ أَوْ مُعَاطَاةٍ وَتَمَلُّكٍ.
(وَتَلْزمُ) الهِبَةُ (بِقَبْضٍ)، وَلَا يَصِحُّ إِلَّا (بِإِذْنِ وَاهِبٍ).
(وَمَنْ أَبْرَأَ غَرِيمَهُ مِنْ دَيْنِهِ) بِلَفْظِ حَلَالٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ: (بَرِئَ وَلَوْ) رَدَّهُ وَ(لَمْ يَقْبَلْ).
(وَيَجِبُ) عَلَى أَبٍ وَأُمٍّ وَغَيْرِهِمَا (تَعْدِيلٌ فِي عَطِيَّةِ) قَرِيبٍ (وَارِثٍ) مِنْ وَلَدٍ وَغَيْرِهِ؛ (بِأَنْ يُعْطِيَ كَلًّا) مِنْهُمْ (بِقَدْرِ إِرْثِهِ، فَإِنْ) خَصَّ أَوْ (فَضَّلَ) بَعْضَهُمْ بِلَا إِذْنٍ: حَرُمَ، وَ(سَوَّى) وُجُوبًا (بِرُجُوعٍ) إِنْ أَمْكَنَ، (وَإِنْ مَاتَ) مُعْطٍ (قَبْلَهُ) أَيِ التَّعْدِيلِ: (ثَبَتَ تَفْضِيلُهُ) لِآخِذٍ، وَلَا يَرْجِعُ بَقِيَّةُ الوَرَثَةِ عَلَيْهِ.
(وَيَحْرُمُ عَلَى وَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ بَعْدَ قَبْضٍ) أَيْ بَعْدَ قَبْضِهَا، (وَكُرِهَ) رُجُوعُ وَاهِبٍ (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ القَبْضِ، (إِلَّا الأَبَ).
(وَلَهُ) أَيْ لِأَبٍ حُرٍّ فَقَطَ (أَنْ) يَأْخُذَ وَ(يَتَمَلَّكَ بِقَبْضٍ)، وَشُرِطَ كَوْنُ تَمَلُّكِهِ (مَعَ قَوْلٍ أَوْ نِيَّةٍ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ - غَيْرَ سُرِّيَّةٍ) أَيْ أَمَةٍ لِلابْنِ وَطِئَهَا؛ فَلَيْسَ لِأَبِيهِ تَمَلُّكُهَا؛ لِأَنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِالزَّوْجَةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أُمَّ وَلَدٍ - (مَا شَاءَ؛ مَا لَمْ يَضُرَّهُ) أَيِ الوَلَدَ، (أَوْ لِيُعْطِيَهُ لِوَلَدٍ) لَهُ (آخَرَ)، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، (أَوْ) مَا لَمْ (يَكُنْ) أَيِ التَّمْلِيكُ (بِمَرَضِ مَوْتِ أَحَدِهِمَا) أَيِ الوَلَدِ أَوِ الوَالِدِ، (أَوْ) مَا لَمْ (يَكُنْ) أَيِ الأَبُ (كَافِرًا،
[ ١٢٦ ]
وَالابْنُ مُسْلِمًا).
(وَلَيْسَ لِوَلَدٍ وَلَا لِوَرَثَتِهِ) أَيِ الوَلَدِ: (مُطَالَبَةُ أَبِيهِ) أَيْ أَبِي الوَلَدِ (بِدَيْنٍ وَنَحْوِهِ) كَقَرْضٍ وَقِيمَةِ مُتْلَفٍ وَأَرْشِ جِنَايَةٍ وَثَمَنِ مَبِيعٍ لِلْوَلَدِ فِي ذِمَّةِ وَالِدِهِ؛ (بَلْ) إِذَا مَاتَ الأَبُ أَخَذَهُ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَلَهُ مُطَالَبَتُهُ (بِنَفَقَةٍ وَاجِبَةٍ) عَلَى أَبِيهِ لِفَقْرِهِ وَعَجْزِهِ.
(وَمَنْ مَرَضُهُ غَيْرُ مَخُوفٍ) كَوَجَعِ ضِرْسٍ وَرَمَدٍ وَجَرَبٍ وَنَحْوِهِمْ فَـ (تَصَرُّفُهُ) لَازِمٌ (كَـ) تَصَرُّفِ (صَحِيحٍ).
(أَوْ) أَيْ وَمَنْ مَرَضُهُ (مَخُوفٌ كَبِرْسَامٍ، أَوْ إِسْهَالٍ مُتَدَارِكٍ، وَمَا قَالَ طَبِيبَانِ مُسْلِمَانِ عَدْلَانِ عِنْدَ إِشْكَالِهِ أَنَّهُ مَخُوفٌ): فَعَطَايَاهُ كَوَصِيَّةٍ، فَـ (لَا يَلْزَمُ تَبَرُّعُهُ لِوَارِثٍ بِشَيْءٍ) غَيْرِ الوَقْفِ بِالثُّلُثِ إِلَّا بِإِجَازَةِ الوَرَثَةِ، (وَلَا) يَلْزَمُ تَبَرُّعُهُ (بِمَا فَوْقَ الثُّلُثِ) وَلَوْ بِوَقْفٍ (لِغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الوَارِثِ (إِلَّا بِإِجَازَةِ الوَرَثَةِ) إِنْ مَاتَ مِنْهُ، وَإِنْ عُوفِيَ فَكَصَحِيحٍ.
(وَمَنِ امْتَدَّ مَرَضُهُ بِجُذَامٍ وَنَحْوِهِ) - كَسُلٍّ أَوْ فَالِجٍ -: إِنْ صَارَ صَاحِبُهَا صَاحِبَ فِرَاشٍ فَكَوَصِيَّةٍ، (وَ) إِنْ (لَمْ يَقْطَعْهُ) ذَلِكَ المَرَضُ (بِفِرَاشٍ؛ فَـ) تَصَرُّفُهُ مِنْ كُلِّ مَالِهِ (كَصَحِيحٍ، وَيُعْتَبَرُ عِنْدَ المَوْتِ كَوْنُهُ) أَيْ مَنْ وُهِبَ أَوْ وُصِّيَ لَهُ (وَارِثًا أَوْ لَا) عِنْدَ مَوْتِ المُوصِي؛ فَمَنْ أَوْصَى أَوْ وَهَبَ لِأَحَدِ إِخْوَتِهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، ثُمَّ حَدَثَ لَهُ وَلَدٌ: صَحَّتِ الوَصِيَّةُ أَوِ الهِبَةُ إِنْ خَرَجَتْ مِنَ الثُّلُثِ اعْتِبَارًا بِحَالَةِ المَوْتِ، وَإِنْ أَوْصَى لِأَخِيهِ وَلِلْمُوصِي وَلَدٌ فَمَاتَ قَبْلَهُ: وَقَفَتْ عَلَى إِجَازَةِ بَقِيَّةِ الوَرَثَةِ.
(وَ) تُفَارِقُ العَطِيَّةُ الوَصِيَّةَ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا أَنَّهُ (يُبْدَأُ بِالأَوَّلِ فَالأَوَّلِ بِالعَطِيَّةِ) لِوُقُوعِهَا لَازِمَةً.
(وَ) الثَّانِي: (لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهَا) أَيِ العَطِيَّةِ بَعْدَ قَبْضِهَا وَإِنْ كَثُرَتْ؛ لِأَنَّ
[ ١٢٧ ]
المَنْعَ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ لِحَقِّ الوَرَثَةِ لَا لِحَقِّهِ.
(وَ) الثَّالِثُ: أَنَّ العَطِيَّةَ (يُعْتَبَرُ قَبُولُهَا عِنْدَ وُجُودِهَا)؛ لِأَنَّهَا تَصَرُّفٌ فِي الحَالِ.
(وَ) الرَّابِعُ: أَنَّ أَخْذَ العَطِيَّةِ (يَثْبُتُ المِلْكُ فِيهَا مِنْ حِينِهَا) أَيْ مِنْ حِينِ وُجُودِهَا.
(وَالوَصِيَّةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ كُلِّهِ).
[ ١٢٨ ]