المقصود بالمسألة: أن من اغتسل لخروج المني منه، ثم خرج منه بقية المني بعد اغتساله هل يكفيه الغسل الأول أو يجب عليه غسلٌ جديد؟
اختيار القاضي:
اختار -﵀أنه يجب عليه الغسل، إذا خرج منه المني قبل البول، مخالفًا في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي في ذكر الأقوال.
فقال -﵀-: (مسألة واختلفت في بقية المني يخرج بعد الغسل، وقبل البول، ونقل مهنا وحنبل ومحمد بن الحكم فيه الغسل، لأن انتقاله كان على وجه الشهوة وهذه الرواية أصح) (^١).
تحرير محل النزاع:
اتفق الفقهاء على أن المني إذا نزل على وجه الدفق والشهوة يجب منه الغسل، واختلفوا فيما إذا نزل لا على وجه الدفق والشهوة (^٢).
سبب الخلاف:
هو اختلاف العلماء في الصفة المعتبرة في كون خروج المني موجبا للطهر هل هو اعتبار اللذة في ذلك؟ أو أن نفس خروجه هو الموجب للطهر سواء أخرج بلذة، أو بغير لذة (^٣)
_________________
(١) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٨٧).
(٢) انظر: حاشية ابن عابدين (١/ ١٠٨)، والاختيار (١/ ١٢)،وحاشية الدسوقي (١/ ١٢٧، ١٢٨) والشرح الصغير (١/ ٦١)، والخرشي (١/ ١٦٣) ومغني المحتاج (١/ ٧٠) والقليوبي (١/ ٦٣) والمجموع (٢/ ١٤٠، ١٤١) وكشاف القناع (١/ ١٣٩، ١٤٢).
(٣) انظر: بداية المجتهد (١/ ٤٢).
[ ٢٥٨ ]
الأقوال في المسألة:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن من جامع أو احتلم فأمنى ثم اغتسل ثم خرج منه المني بعد ذلك، فإنه لا يجب عليه الغسل مرة ثانية، وإنما يكفيه الوضوء.
روي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن عباس - ﵃ - (^١)، وبه قال: أبوحنيفة (^٢)، والمالكية (^٣)، وهو المذهب عند الحنابلة (^٤).
القول الثاني: أن من جامع أو احتلم فأمنى ثم اغتسل ثم خرج منه المني بعد ذلك فإنه يجب عليه الغسل مرة ثانية ولا يكفيه الوضوء.
وبه قال الشافعية (^٥)، وهي رواية ثانية عن أحمد (^٦).
القول الثالث القول بالتفصيل: إذا خرج المني بعد البول فلا غسل عليه، ويكفيه الوضوء، وأما إذا خرج المني قبل البول فإنه يجب عليه الغسل.
وهو مذهب الحنفية (^٧) ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل (^٨)، وهي اختيار القاضي أبي يعلى كما تقدم.
_________________
(١) انظر: المغني (١/ ٢٠١)، المجموع (٢/ ١٣٩).
(٢) انظر: شرح فتح القدير (١/ ٦٢)، تبيين الحقائق (١/ ١٦)، اللباب (١/ ١٦).
(٣) انظر: الكافي في فقه أهل المدينةص ١٥،الخرشي (١/ ١٦٣).
(٤) انظر: المغني (١/ ٢٠١)، الإنصاف (١/ ٢٣١).
(٥) انظر: المجموع (٢/ ١٣٩)، ومغني المحتاج (١/ ٧٠)، ونهاية المحتاج (١/ ١/٢١٦).
(٦) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٨٧)، المغني (١/ ٢٠١)، والإنصاف (١/ ٢٣١).
(٧) انظر: شرح فتح القدير (١/ ٦٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٦٠)، تبيين الحقائق (١/ ١٦).
(٨) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٨٧)، الإنصاف (١/ ٢٣١).
[ ٢٥٩ ]
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
الدليل الأول: أن ابن عباس - ﵃ - سئل عن الجنب يخرج منه الشيء بعد الغسل، قال: يتوضأ (^١).
الدليل الثاني: أنه مني واحد فأوجب غسلًا واحدًا وهو الغسل الأول كما لو خرج دفقةً واحدةً (^٢).
الدليل الثالث: أنه خارج لغير شهوة فلا يجب فيه الغسل قياسًا على الخارج لبرد، ولأن الشهوة قد مضت، وإنما هو حدث كبقية الأحداث فيجزئ فيه الوضوء (^٣).
أدلة أصحاب القول الثاني:
الدليل الأول: عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: (إنما الماء من الماء) (^٤)
وجه الدلالة:
أن الحديث عام لم يفرق بين خروج المني قبل الغسل أو بعده (^٥).
ونوقش:
أن المراد من الحديث: (الماء من الماء) هو الماء المتعارف، وهو المنزل عن شهوة لانصراف مطلق الكلام إلى المتعارف (^٦).
_________________
(١) انظر: الأوسط لابن المنذر (٢/ ١١٢).
(٢) انظر: كشاف القناع (١/ ١٤٢).
(٣) انظر: كشاف القناع (١/ ١٤٢).
(٤) رواه مسلم في كتاب الحيض، باب إنما الماء من الماء (١/ ٢٦٩) ح ٣٤٣.
(٥) انظر: المجموع (٢/ ١٤٠).
(٦) انظر: بدائع الصنائع (١/ ٣٧).
[ ٢٦٠ ]
الدليل الثاني: أنه نوع حدث يوجب الغسل مطلقًا، كالبول وسائر الأحداث التي تنقض الطهارة (^١).
ونوقش:
أنه حدث ارتفع بالغسل الأول، وما خرج امتدادًا له يوجب الوضوء لا الغسل، ولأن الماء الموجب للغسل ما خرج دفقًا بلذة (^٢).
أدلة أصحاب القول الثالث: (القائلين بالتفريق بخروجه قبل البول وبعده).
قالوا: لأن البول يقطع مادة الشهوة، فيخرج بلا شهوة فيشبه الودي فلا يجب عليه الغسل، وإن خرج قبل البول فهو بقية ماء خرج بالدفق والشهوة فيوجب غسلًا جديدًا (^٣).
ونوقش:
بأن جعل الضابط في ذلك البول فإن خرج المني قبله فإنه يجب عليه الغسل وإن خرج بعده فلا غسل عليه ويكفيه الوضوء غير دقيق إذ يأتي عليه ما لو خرج المني مرة ثانية بعد الغسل ولم يكن هناك بول فإنه سيلحقونه بما إذا خرج قبل البول فيجب عليه الغسل فكيف يغتسل مرتين والمني واحد؟! (^٤).
الترجيح:
بعد عرض أقوال الفقهاء وأدلتهم في هذه المسألة يترجح عندي -والله أعلم-:
القول الأول: القائل، بأن من خرج منه المني بعد الغسل فإنه يكفيه الوضوء وذلك لقوة أدلة هذا القول، فإن هذا المني الخارج واحد؛ لذلك يوجب غسلًا واحدًا وهو الغسل الأول كما لو خرج هذا المني دفقة واحدة، ولأن قياسهم أيضًا صحيح فإنه خارج لغير شهوة فلم يوجب غسلًا جديدًا قياسًا على خروج المني من البرد ونحوه، فإنه لا يوجب الغسل فهو حدث كبقية الأحداث فيكفي فيه الوضوء، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: المجموع (٢/ ١٤٠).
(٢) انظر: كشاف القناع (١/ ١٤٢).
(٣) انظر: المحيط البرهاني (١/ ٨٥)، تبيين الحقائق (١/ ١٦)، البحر الرائق (١/ ٥٨).
(٤) انظر: اختيارات ابن عبدالبر (ص ١٩٨).
[ ٢٦١ ]