المقصود بالمسألة:
إذا عدم الماء وجاز له التيمم بشروطه، هل يشترط لصحة تيممه الاستنجاء قبله أو لا يشترط؟
اختيار القاضي:
اختار -﵀بطلان التيمم، إذا سبق الاستنجاء، موافقًا في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي في ذكر الأقوال.
قال الزركشي:- بعد أن نقل الخلاف في المسألة- ( واختار القاضي، وأبو البركات، وابن حمدان البطلان في التيمم، لأنه مبيح، ولا استباحة قبل الاستنجاء.) (^١)
_________________
(١) انظر: الفروع وتصحيح الفروع (١/ ١٤٣)، شرح الزركشي (١/ ١٨١).
[ ٢٧٣ ]
الأقوال في المسألة:
القول الأول: أنه لا يصح.
وهو الصحيح من المذهب عند الشافعية (^١)، وأحد الاحتمالين عند المالكية (^٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٣)، وهو اختيار القاضي كما تقدم.
أدلة هذا القول:
الدليل الأول: فعل النبي - ﷺ - فقد كان يقدم الاستجمار على الوضوء، كما في حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ -، أنه خرج لحاجته فاتبعه المغيرة بإداوة فيها ماء، فصب عليه حين فرغ من حاجته، فتوضأ ومسح على الخفين (^٤).
وجه الدلالة:
أن الفاء تدل على الترتيب.
وأجيب عنه:
أن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب، بل يدل على الاستحباب (^٥).
_________________
(١) انظر: الحاوي (١/ ١٧٥)، المجموع (٢/ ٩٧).
(٢) انظر: الذخيرة (١/ ٢١٢).
(٣) انظر: المغني (١/ ٨٢)، الفروع (١/ ١٢٤)، الإنصاف (١/ ١١٥).
(٤) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب المسح على الخفين ح/٢٠٣، (١/ ٣٦٧ مع الفتح)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين (٣/ ١٦٨ مع النووي).
(٥) انظر: البحر المحيط (٣/ ٢٥٦)، البرهان (١/ ٢٨٥).
[ ٢٧٤ ]
الدليل الثاني: حديث علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: كنت رجلًا مذاءًا (^١) وكنت أستحيي أن أسأل النبي ^ لمكان ابنته فأمرت المقداد بن الأسود - ﵁ - (^٢) فسأله فقال: (يغسل ذكره ويتوضأ) (^٣).
وجه الدلالة:
أنه قدم غسل الذكر على الوضوء، والأصل أن ما قدم فهو الأسبق (^٤).
ونوقش:
أنه جاء في بعض ألفاظ الحديث في الصحيحين تقديم الوضوء على غسل الذكر بلفظ: (توضأ واغسل ذكرك) (^٥) ولفظ: (توضأ وانضح فرجك) (^٦)، فظاهرهما التعارض، ويجمع بينهما بأن الواو لا تقتضي الترتيب.
الدليل الثالث: أن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما تستباح به الصلاة، ولا استباحة قبل الاستنجاء (^٧).
ونوقش:
بعدم التسليم بأن التيمم لا يرفع الحدث، بل هو رافع للحدث حتى يتمكن من استعمال الماء (^٨).
_________________
(١) (مذا ء) كثير المذي وهو ماء أبيض رقيق يخرج غالبا عند ثوران الشهوة وعند ملاعبة النساء والتقبيل.
(٢) هو: المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة، أبو الأسود ويقال غير ذلك، المعروف بالمقداد بن الأسود الكندي أسلم قديمًا، هاجر الهجرتين وشهد بدرًا والمشاهد بعدها، هو أحد السبعة الذين كانوا أول من أظهر الإسلام، آخى ا - ﷺ - بينه وبيت عبد الله بن رواحه. روى عنه علي وأنس وعبيد الله بن عدي وآخرون توفي سنة ٣٣ هـ. (انظر ترجمته في تهذيب التهذيب (١٠/ ٢٨٥) والإصابة (٣/ ٤٥٤)؛ والأعلام للزركلي (٨/ ٢٠٨).
(٣) أخرجه مسلم، كتاب الحيض، باب المذي (٣/ ٢١٢ مع النووي).
(٤) انظر: الشرح الممتع (١/ ١١٥).
(٥) أخرجه البخاري، كتاب الغسل، باب غسل المذي والوضوء منه ح ٢٦٩ (١/ ٣٧٩ الفتح).
(٦) أخرجه مسلم، كتاب الحيض، باب المذي (٣/ ٢١٣ مع النووي).
(٧) انظر: شرح الزركشي (١/ ١٨١).
(٨) انظر: مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٣٧)، وأضواء البيان (٢/ ٥٢).
[ ٢٧٥ ]
القول الثاني: أنه يصح تيممه ولو كان قبل الاستنجاء.
وهو الاحتمال الثاني عند المالكية (^١)، ووجه عند الشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).
ودليل هذا القول: لأن التيمم طهارة فأشبهت طهارة الوضوء، والمنع من الإباحة لمانع آخر لا يقدح في صحة التيمم، كما لو تيمم في موضع نهي عن الصلاة فيه، أو تيمم من على ثوبه نجاسة أو على بدنه في غير الفرج (^٤).
ونوقش: أن نجاسة الفرج سبب وجوب التيمم، فجاز أن يكون بقاؤها مانعا منه، بخلاف سائر النجاسات (^٥).
الترجيح:
الذي يظهر والله أعلم أن الإنسان إذا كان في حال السعة فإننا نأمره أولا بالاستنجاء ثم بالوضوء أوالتيمم، وذلك لفعل النبي - ﷺ -، وأما إذا نسي، أو كان جاهلا فإنه لا يجسر الإنسان على إبطال صلاته، أو أمره بإعادة الوضوء والصلاة (^٦).
_________________
(١) انظر: (١/ ٢١٢) الذخيرة.
(٢) انظر: الحاوي (١/ ١٧٥)، المجموع (٢/ ٩٧).
(٣) انظر: المغني (١/ ٨٢)، الإنصاف (١/ ١١٥).
(٤) انظر: المغني (١/ ٨٢).
(٥) انظر: المغني (١/ ٨٢).
(٦) انظر: الشرح الممتع (١/ ١٤٣).
[ ٢٧٦ ]