المقصود بالمسألة: أيهما أفضل أن يداوم على المسح على الخفين أو يداوم على غسل الرجلين؟
اختيار القاضي:
اختار -﵀أن عدم المداومة على المسح على الخفين أفضل، خلافًا للمشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي.
قال المرداوي ﵀: (المسح أفضل من الغسل على الصحيح من المذهب، نص عليه وقيل: إن لم يداوم المسح فهو أفضل، اختاره القاضي) (^١).
الأقوال في المسألة:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الغسل أفضل من المسح على الخفين.
وهو مذهب الحنفية (^٢)، والمالكية (^٣)، والشافعية (^٤)، ورواية عن الإمام أحمد (^٥)، اختارها القاضي أبو يعلى كما تقدم.
القول الثاني: المسح أفضل من الغسل.
وهذا القول رواية عن الإمام أحمد، وهي المذهب، وهي من مفردات مذهب الحنابلة (^٦).
القول الثالث: أن غسل الرجلين، أو المسح على الخفين سواء.
وهو رواية عن الإمام أحمد (^٧).
_________________
(١) انظر: الإنصاف (١/ ١٦٩).
(٢) انظر: شرح فتح القدير (١/ ١٤٤)،تبيين الحقائق (١/ ٤٦).
(٣) انظر: منح الجليل (١/ ١٣٤)،حاشية الدسوقي (١/ ١٤١)،شرح الخرشي (١/ ١٧٦).
(٤) انظر: المجموع (١/ ٥٠٢)،حاشيتي قليوبي وعميرة (١/ ٦٤)،نهاية المحتاج (١/ ١٩٩).
(٥) انظر: المغني (١/ ١٧٤)، الإنصاف (١/ ١٦٩).
(٦) انظر: الإنصاف (١/ ١٦٩)،كشاف القناع (١/ ١١٠).
(٧) انظر: الإنصاف (١/ ١٦٩)، شرح الزركشي (١/ ٣٨٠،٣٧٩).
[ ١٨٨ ]
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ الآية (^١)
وجه الدلالة:
أن الغسل هو المفترض في كتاب الله ﷿.
الدليل الثاني: أن الغسل هو الذي واظب عليه النبي - ﷺ - في معظم الأوقات، لذا كان أفضل (^٢).
الدليل الثالث: من حيث النظر قالوا: أن الغسل فيه مشقة أكثر من المسح، وما كان كذلك فأجره أعظم.
أدلة أصحاب القول الثاني:
الدليل الأول: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته) (^٣).
وجه الدلالة:
أن المسح رخصة فهو أحب إلى الله من الغسل.
_________________
(١) المائدة:٦.
(٢) انظر: المجموع (١/ ٤٧٨).
(٣) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ٥٨٦٦ (١٠/ ١٠٧)،وابن حبان في صحيحه، كتاب المواقيت، باب صلاة المسافر ح/٥٤٥ (١/ ١٤٥) وأورده الهيثمي في"مجمع الزوائد"٣/ ١٦٢، وقال: (رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح)، وحسنه المنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ٨٨،٨٧).
[ ١٨٩ ]
الدليل الثاني: عن عائشة ﵂ قالت: (ما خير رسول الله - ﷺ - بين أمرين إلا أخذ أيسرهما) (^١).
وجه الدلالة:
أن المسح على الخفين أيسر من غسلهما، وما كان أيسر فهو أولى.
الدليل الثالث: أن المسح على الخفين فيه إحياء للسنة ومخالفة لأهل البدع فكان أولى (^٢).
أدلة أصحاب القول الثالث: (القائلين أن غسل الرجلين، أو المسح على الخفين سواء).
استدل أصحاب هذا القول بمجموع الأدلة الواردة في غسل الرجلين وكذلك المسح على الخفين، وأن الأدلة جاءت بهذا وهذا، ولم يرد نص في الشرع يفضل أحدهما على الآخر، فيبقى الحكم واحدًا (^٣).
الترجيح:
بعد سياق كلام أهل العلم في المسألة، يتبين لي والله أعلم، أن ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀هو الصواب، وهو أن الأفضل في حق كل أحد بحسبه، فمن كان عليه خف فالأفضل في حقه المسح، ومن كان لا خف عليه فالأفضل في حقه الغسل، لأن فيه جمعًا بين الأدلة وإعمالًا لجميع النصوص والله أعلم (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب صفة النبي - ﷺ -، ح/٣٥٦٠ (٤/ ١٨٩)، ومسلم في كتاب الفضائل، باب مباعدته - ﷺ - للآثام واختياره من المباح، أسهله وانتقامه لله عند انتهاك حرماته، ح/٢٣٢٧ (٤/ ١٨١٣).
(٢) انظر: شرح الزركشي (١/ ٣٧٩).
(٣) انظر: الأوسط (١/ ٤٤٠).
(٤) انظر: الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٠٤).
[ ١٩٠ ]