المقصود بالمسألة: إذا توضأ المسلم وبقي عليه شيء من ماء وضوئه، فما حكم تنشيف أعضائه بمنديل ونحوه؟
اختيار القاضي:
اختار القاضي ﵀، أن تنشيف الأعضاء بعد الوضوء غير مكروه موافقًا في ذلك المشهور من مذهب الحنابلة، كما سيأتي في ذكر الأقوال.
فقال ﵀: (مسألة: واختلفت هل يكره أن تنشّف الأعضاء من ماء الوضوء، ومن غسل الجنابة؟ فنقل جماعة منهم أبو داود ويعقوب بن بختان وصالح أنه غير مكروه، وهو أصح). (^٢)
تحرير محل النزاع:
اتفق الفقهاء على أنه لا يحرم تنشيف الأعضاء بعد الوضوء أو الغسل، وإنما وقع الخلاف في الكراهة، وأيهما أفضل التنشيف أو عدمه (^٣)؟
سبب الخلاف:
وسبب هذا الاختلاف أن هناك أحاديث دلت على أن النبي - ﷺ - لم يمسح بالمنديل بل رده حين عرض عليه، وهناك من الأحاديث ما يدل على أن النبي - ﷺ - كان له منديل ينشف به بعد الوضوء (^٤)، كما سيأتي في ذكر الأدلة.
_________________
(١) التنشيف لغة مصدر نشف، يقال: نشف الماء تنشيفا أخذه بخرقة ونحوها. قال ابن الأثير: أصل النشف دخول الماء في الأرض والثوب، يقال نشفت الأرض الماء تنشفه نشفا: شربته، ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللفظ عن المعنى اللغوي، فقالوا: المراد بالتنشيف أخذ الماء بخرقة مثلا، انظر: القاموس المحيط، والمصباح المنير، والنهاية لابن الأثير مادة: " نشف "، وحاشية قليوبي وعميرة (١/ ٥٥).
(٢) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٧٦).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية (١/ ٢٥٣).
(٤) انظر: دفع إيهام تعارض أحاديث الأحكام في كتاب الطهارة ص ١٢٨، للدكتورة: رقية المحارب.
[ ١٨١ ]
الأقوال في المسألة:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يباح التنشيف ويستوي فعله وتركه.
وبه قال: الحنفية (^١)،والمالكية (^٢)، ووجه عند الشافعية (^٣)، ورواية عن الإمام أحمد (^٤).
القول الثاني: ترك التنشيف أفضل.
وهو الصحيح من الأوجه عند الشافعية (^٥)، وهو مذهب الحنابلة (^٦).
القول الثالث: التنشيف مكروه إلا لحاجة كبرد ونحوه.
وروي ذلك عن بعض الصحابة، منهم جابر بن عبد الله وابن عباس (^٧) - ﵃ -، وذهب إلى ذلك الزهري (^٨)،وهو وجه عند الشافعية (^٩)، ونُقلت رواية عن الإمام أحمد، وردها بعض أصحابه (^١٠).
_________________
(١) انظر: المبسوط (١/ ٧٣)، البحر الرائق (١/ ٥٤)، البناية شرح الهداية (١/ ٢٥٣)، رد المحتار (١/ ١٣١).
(٢) انظر: المدونة (١/ ١٢٥)، مختصر خليل (ص ١٢)، شرح الخرشي (١/ ١٤٠)،حاشية الدسوقي (١/ ٩٦).
(٣) انظر: فتح العزيز (١/ ٤٤٥)، المجموع (١/ ٤٦١)، أسنى المطالب (١/ ٤٢)، نهاية المحتاج (١/ ١٩٦).
(٤) انظر: الكافي (١/ ٧٢)، الفروع (١/ ٩٤)، المبدع (١/ ١٣٢)، الإنصاف (١/ ٣٧٠).
(٥) انظر: فتح العزيز (١/ ٤٤٥)، المجموع (١/ ٤٦١)، أسنى المطالب (١/ ٤٢)، نهاية المحتاج (١/ ١٩٦).
(٦) انظر: الكافي (١/ ٧٢)، الفروع (١/ ٩٤)، المبدع (١/ ١٣٢)، الإنصاف (١/ ٣٧٠)،كشاف القناع (١/ ١٠٦).
(٧) أخرجه عبد الرزاق (١/ ١٨٢) وابن أبي شيبة (١/ ١٤٩، ١٥٠)، وابن المنذر (١/ ٤١٨).
(٨) انظر: جامع الترمذي (١/ ٧٧).
(٩) انظر: فتح العزيز (١/ ٤٤٦ - ٤٤٨)،المجموع (١/ ٤٦١ - ٤٦٢)، مغني المحتاج (١/ ٦١).
(١٠) ردها أبو بكر الخلال وخطأ نقلها عن الإمام أحمد انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٧٦).
[ ١٨٢ ]
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
الدليل الأول: عن قيس بن سعد (^١) قال:" أتانا النبي - ﷺ - فوضعنا له ماء فاغتسل، ثم أتيناه بملحفة ورسية (^٢)، فاشتمل بها، فكأني أنظر إلى أثر الورس على عكنه (^٣» (^٤).
الدليل الثاني: عن ميمونة ﵂ قالت: (اغتسل النبي - ﷺ - فأتيته بالمنديل فلم يُرِدْها، وجعل ينفض الماء بيده) (^٥).
وجه الدلالة من الحدثين:
أن النبي - ﷺ - اشتمل بملحفة بعد أن اغتسل، والملحفة تنشف الماء بعد الغسل، وترك التنشيف في حديث ميمونة ﵂، ففعله تارة وتركه تارة يدل على تساوي جانبي الفعل والترك.
الدليل الثالث: عن عائشة -﵂- قالت: (كان لرسول الله - ﷺ - خرقة ينشف بها بعد الوضوء) (^٦).
ونوقش:
بأنه حديث ضعيف لا تقوم به حجة.
_________________
(١) قيس بن سعد هو: قيس بن سعد بن عبادة بن دليم الأنصاري الخزرجي كان حامل راية الأنصار مع رسول - ﷺ - وكان من ذوي الرأي من الناس، شهد فتح مصر واختط بها دارا ثم كان اميرها لعلي مات في آخر خلافة معاوية بالمدينة، انظر: الإصابة (٥/ ٤٧٤).
(٢) ورسية: مصبوغة بالورس، وهو نبت أصفر يصبغ به. انظر: النهاية (٥/ ١٧٣).
(٣) عكنه: ما انطوى وتثنى من لحم البطن سمنا. انظر: القاموس مادة عكن (٤/ ٢٥١).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣/ ٤٢١)، وأبو داود، كتاب الأدب، باب كم مرة يسلم الرجل في الاستئذان ح/٥١٨٥ (٤/ ٣٤٧) ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، باب المنديل بعد الوضوء ح ٤٦٦/ (١/ ١٥٨)، وضعفه النووي في الخلاصة (١/ ١٢٤)، والألباني في ضعيف ابن ماجه (١/ ٣٨).
(٥) أخرجه البخاري، كتاب الغسل، باب من توضأ في الجنابة ثم غسل سائر جسدهح/٢٧٠، (١/ ١٠٦)، ومسلم، كتاب الحيض، باب صفة الغسل من الجنابةح/٣١٧ (١/ ٢٤٥).
(٦) أخرجه الترمذي، في أبواب الطهارة عن رسول الله - ﷺ -، باب المنديل بعد الوضوء ح/٥٣ (١/ ٧٤)، وضعفه فقال: (حديث عائشة ليس بالقائم ولا يصح عن النبي - ﷺ - في هذا الباب شيء).
[ ١٨٣ ]
أدلة أصحاب القول الثاني:
استدل القائلون بأن ترك التنشيف أفضل:
الدليل الأول: حديث ميمونة ﵂ السابق.
ونوقش:
بأن هذا الخبر لا يوجب حظر ذلك، ولا المنع منه، لأن النبي - ﷺ - لم ينه عنه، مع أن النبي - ﷺ -، قد كان يدع الشيء المباح لئلا يشق على أمته (^١).
الدليل الثاني: قالوا: إن أثر الوضوء عبادة، فكان تركه أفضل (^٢).
_________________
(١) انظر: الأوسط لابن المنذر (١/ ٤١٩،٤١٨).
(٢) انظر: أسنى المطالب (١/ ٤٢).
[ ١٨٤ ]
أدلة أصحاب القول الثالث:
استدل القائلون بأن التنشيف مكروه:
الدليل الأول: حديث ميمونة ﵂ السابق.
الدليل الثاني: عن أنس: (أن رسول الله - ﷺ - لم يكن يمسح وجهه بالمنديل بعد الوضوء، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا علي، ولا ابن مسعود) (^١).
نوقش:
بأنه حديث ضعيف لا تقوم به حجة.
الدليل الثالث: قالوا: إن الوضوء يوزن (^٢).
ونوقش: أن هذا تعليل غير صحيح، فإن ميزان الأعمال يوم القيامة ليس كموازين الدنيا، ولا هو مما يدخل تحت الحس في هذه الحياة، وإنما هذا من أمور الغيب الذي نؤمن به كما ورد (^٣).
الترجيح:
بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة يترجح والله أعلم، القول القائل بجواز التمندل بعد الوضوء، لعدم صحة الخبر في النهي عن ذلك، وأما رده - ﷺ - للمنديل في حديث ميمونة ﵂ فإنه - ﷺ - قد يترك المباح ولا يكون تركه لكراهته له، ولأنه ربما ترك المنديل لأمر يختص بعينه دون جنسه (^٤).
_________________
(١) أخرجه ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ ص ١٤٥.، وضعف إسناده الحافظ ابن حجر في التلخيص (١/ ١٧٠)
(٢) انظر: البناية (١٢/ ١٢٤).
(٣) انظر: جامع الترمذي تحقيق أحمد شاكر (١/ ٧٧).
(٤) انظر: الشرح الكبير (١/ ٦٦).
[ ١٨٥ ]