اختيار القاضي:
اختار القاضي﵀-، أن الغسل من الحجامة مستحب، مخالفًا في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي في ذكر الأقوال.
قال المرداوي: -وهو متحدثا عن الأغسال المستحبة-: (ومنها: الغسل للحجامة، على إحدى الروايتين، اختاره القاضي في المجرد) (^٢).
تحرير محل النزاع:
اتفق العلماء على أنه لا يجب الغسل للحجامة (^٣)، واختلفوا في استحباب الغسل منها على قولين.
الأقوال في المسألة:
القول الأول: يستحب الغسل بعد الحجامة.
وبه قال: الحنفية (^٤)، والشافعي في القديم وهو المذهب عندهم (^٥)، ورواية عن الإمام أحمد (^٦)، اختارها القاضي كما تقدم.
القول الثاني: لا يستحب الغسل بعد الحجامة.
وهو مذهب الحنابلة (^٧).
_________________
(١) الحجامة: الحجم المص، والحجامة مص الدم من الجرح أو القيح من القرحة بآلة كالكأس. انظر: معجم لغة الفقهاء ١٧٥.
(٢) انظر: الإنصاف (١/ ٢٥١).
(٣) انظر: مراتب الإجماع (ص: ٢١)، البدر المنير (٢/ ٥٣٨)، الجوهر النقي (١/ ٣٠٠).
(٤) انظر: المبسوط (١/ ٨٣)،المحيط البرهاني (١/ ٢٠٦)،مجمع الأنهر (١/ ٢٥)،حاشية ابن عابدين (١/ ١٧٠).
(٥) انظر: اللباب (ص: ٦٧)،نهاية المطلب (٢/ ٥٣١)،الوسيط (٢/ ٢٩٢)،المجموع (٢/ ٢٠٣).
(٦) انظر: الإنصاف (١/ ٢٥١).
(٧) انظر: الإنصاف (١/ ٢٥١)، كشاف القناع (١/ ١٥٢)، دقائق أولي النهى (١/ ٨٥).
[ ٢٦٨ ]
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
الدليل الأول: عن عائشة ﵂: أن النبي - ﷺ - (كان يغتسل من أربع: من الجنابة، ويوم الجمعة، ومن الحجامة، ومن غسل الميت) (^١).
وجه الدلالة:
فهذا يدل على أنه يستحب لمن احتجم أن يغتسل، لأن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب فيكون الأمر للاستحباب.
بأنه حديث ضعيف، والضعيف لا تقوم به حجة (^٢).
الدليل الثاني: علي بن أبي طالب - ﵁ - (أنه كان يحب أن يغتسل من الحجامة) (^٣).
ويناقش:
بأنه معارض بترك غيره من الصحابة، فعن ابن عمر، أنه كان إذا احتجم يغسل أثر محاجمه ويتوضأ ولا يغتسل (^٤)، فلا يكون فعل أحدهما حجة على الآخر.
الدليل الثالث: من النظر والتعليل قالوا:
أولا: أن الحجامة قد يعقبها الضعف بسبب خروج الدم فإذا اغتسل فإنه يستعيد نشاطه (^٥).
ثانيًا: أن الاغتسال من الحجامة إنما هو لإماطة الأذى، ولما لا يؤمن أن يكون قد أصاب المحتجم رشاش من الدم فالاغتسال منه استظهار بالطهارة واستحباب للنظافة (^٦).
ويناقش:
بأن الاستحباب حكم شرعي، يفتقر إلى دليل، ولا دليل صحيح في المسألة.
_________________
(١) أخرجه أحمد ح/٢٥١٩٠ (٤٢/ ١٠٦)،وأبو داود (١/ ٩٦) كتاب الطهارة باب في الغسل يوم الجمعة، وضعفه ابن عبد البر انظر: الاستذكار (٣/ ١٣).
(٢) قال ابن المنذر: (فهذا غير ثابت) انظر: الأوسط (١/ ١٨٠).
(٣) الأوسط لابن المنذر (١/ ١٧٩).
(٤) انظر: المصدر السابق.
(٥) انظر: أسنى المطالب (١/ ٢٦٥).
(٦) انظر: معالم السنن (١/ ١١٠).
[ ٢٦٩ ]
أدلة أصحاب القول الثاني:
الدليل الأول: عن أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - (احتجم فصلى ولم يتوضأ ولم يزد عن غسل محاجمه) (^١).
الدليل الثاني: القياس: قالوا لا يستحب لأنه دم خارج أشبه الرعاف (^٢).
الترجيح:
الراجح والله أعلم القول الثاني القائل بعدم استحباب الغسل من الحجامة، لعدم الدليل الصحيح الصريح في استحباب ذلك، ولمناقشة أدلة القول الآخر.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني ورجح وقفه، كتاب الطهارة، باب في الوضوء من الخارج من البدن كالرعاف والقيء والحجامة ونحوه، ح/٥٥٤ (١/ ٢٧٦).
(٢) انظر: الشرح الكبير (١/ ٢١٣).
[ ٢٧٠ ]