المقصود بالمسألة:
لو أحدث المرء واستخدم في استجماره غير الأحجار، كالمناديل ونحوها هل يجزئه، أم يقتصر على الأحجار فقط ولا يجزئه غيرها؟
اختيار القاضي:
أن الاستجمار بغير الأحجار من كل طاهر ينقي بشروطه جائز، موافقًا في ذلك المشهور من مذهب الحنابلة، كما سيأتي.
فقال ﵀: (مسألة واختلفت في جواز الاستجمار بغير الأحجار، فنقل الميموني جواز ذلك وهو اختيار الخرقي وهو أصح) (^٢)
تحرير محل النزاع:
أجمع أهل العلم على جواز استخدام الحجارة في الاستجمار (^٣)، واختلفوا فيما عداها كالخِرق والخشب وغير ذلك على قولين:
القول الأول: جواز الاستجمار بغير الأحجار من كل طاهر ينقي بشروطه.
وبه قال: الحنفية (^٤)، المالكية (^٥)، والشافعية (^٦)، والحنابلة (^٧).
القول الثاني: أن الاستجمار بالحجر متعين، ولا يجزئ غيره.
وبه قال بعض أهل الظاهر (^٨) وهي رواية عن الإمام أحمد (^٩)،اختارها أبو بكر عبدالعزيز غلام الخلال (^١٠).
_________________
(١) الاستجمار طهارة مستقلة على الأصح، وهو استعمال الجِمار في إزالة النجاسة، والجِمار هي الحجارة ومنه رمي الجِمار: وهو رمي الحصا بمنى، انظر: شرح السنة (١/ ٤١٢)، مغني المحتاج (١/ ٤٣)، الروض المربع ١/ ٣٣، المبدع (١/ ٧٨).
(٢) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٨١).
(٣) انظر: مراتب الإجماع (ص ٢٠)،بداية المجتهد (١/ ٩٠)، المجموع (٢/ ١٢٥)، الشرح الكبير (١/ ٩٤)، المبدع (١/ ٩١).
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (٤/ ٦٦)، تحفة الفقهاء (١/ ١١)،تبيين الحقائق مع حاشية الشلبي (١/ ٧٧)، البناية شرح الهداية (١/ ٧٤٩).
(٥) انظر: الكافي في فقه أهل المدينة (١/ ١٦٠)، الذخيرة للقرافي (١/ ٢٠٩)، المدخل لابن الحاج (١/ ٣٢)، التاج والإكليل (١/ ٤١٤).
(٦) انظر: الحاوي الكبير (١/ ١٦٣)، نهاية المطلب (١/ ٤٨)، المجموع (٢/ ١٢٥)، تحفة المحتاج مع حواشي الشرواني والعبادي (١/ ١٧٩).
(٧) انظر: الكافي (١/ ١٠٠)، المغني (١/ ١١٥)، كشاف القناع (١/ ٦٨)، مطالب أولي النهى (١/ ٧٦).
(٨) انظر: بداية المجتهد (١/ ٩٠)، المغني (١/ ١١٥)،نيل الأوطار (١/ ١٢٠).
(٩) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٨١)،المغني (١/ ١٤٧)،الشرح الكبير (١/ ٩٤)،نقد مراتب الإجماع (١/ ٢٨٨).
(١٠) انظر: نقد مراتب الإجماع (١/ ٢٨٨)، و(غلام الخلال):هو أبو بكر عبد العزيز بن جعفر بن احمد يزداد البغوي، أبو بكر، المشهور بغلام الخلال مفسر، محدث ثقة، من أعيان الحنابلة، ولد سنة ٢٨٥ هـ قال ابن أبي يعلي: «كان أحد أهل الفهم؛ موثوقا به في العلم متسع الرواية» من مصنفاته الشافي، المقنع، الخلاف مع الشافعي، وغيرها، توفي ﵀ ٣٦٣ هـ انظر: ترجمته في طبقات الحنابلة لابن أبي يعلي (٢/ ١١٩ - ١٢٧)؛ والأعلام (٤/ ١٣٩).
[ ١١٤ ]
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
الدليل الأول: عن سلمان الفارسي - ﵁ - قال: قال له رجل: إن صاحبكم ليعلمكم كل شيء حتى الخِراءة (^١)؟ قال: "أجل نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو أن نستنجي بأيماننا، أو أن نكتفي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع (^٢) أو عظم) (^٣).
الدليل الثاني: عن خزيمة بن ثابت الأنصاري،: أن النبي - ﷺ - ذكر الاستطابة فقال: (ثلاثة أحجار ليس فيها رجيع) (^٤).
وجه الدلالة من الحديثين:
أن تخصيص هذين بالنهي عنهما يدل على أنه أراد الحجارة، وما قام مقامها، فلولا أنه أراد الحجر وما في معناه لم يستثن منها الرجيع؛ لأنه لا يحتاج إلى ذكره، ولم يكن لتخصيص الرجيع بالذكر معنى (^٥).
الدليل الثالث: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إذا قضى أحدكم حاجته فليستنج بثلاثة أعواد أو بثلاثة أحجار، أو بثلاث حثيات من التراب) (^٦).
الدليل الرابع: عن يسار بن نمير (^٧) مولى عمر، قال: كان عمر - ﵁ - إذا بال قال: ناولني شيئًا أستنجي به قال: فأناوله العود والحجر، أو يأتي حائطا يمسح به أو يمس الأرض، ولم يكن يغسله) (^٨).
وجه الدلالة:
أن في هذا الحديث والأثر تصريح ظاهر في جواز الاستجمار بغير الأحجار.
الدليل الخامس: القياس، وهو أن كل جامد طاهر منقٍ غير مطعوم لا حرمة له فهو كالحجر (^٩).
_________________
(١) الخِراءَةَ: اسم لهيئة الحدث، وأما نفس الحدث فبحذف التاء وبالمد، مع فتح الخاء وكسرها، ذكره النووي. انظر: المجموع (٢/ ٨٢).
(٢) الرجيع: الروث والعذرة فعيل بمعنى فاعل لأنه يرجع عن حاله الأولي بعد أن كان طعاما أو علفا، انظر: المصباح (١/ ٢٢١).
(٣) أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب الاستطابة ح ٢٦٢/ (١/ ٢٢٣).
(٤) أخرجه أبوداود، كتاب الطهارة، باب باب الاستنجاء بالحجارة، ح/٤١ (١/ ١١)، وصححه الألباني في صحيح أبو داود الأم (١/ ٧٣)، وأحمد ح/٢١٨٥٦ (٣٦/ ١٧٩)،وقال الأرناؤوط: صحيح لغيره.
(٥) انظر: المغني (١/ ١١٥).
(٦) أخرجه الدارقطني، كتاب الطهارة، باب الاستنجاء، ح/١٥٥، (١/ ٩٠)، البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الطهارة، باب ما ورد في الاستنجاء بالتراب، ح/٥٣٨، (١/ ١٧٩)، وقال: (ولا يصح وصله ولا رفعه).
(٧) المدني، مولى عمر بن الخطاب، وخازنه، من كبار التابعين، ثقة نزل الكوفة، وروى عنه الكوفيون. انظر: ترجمته: الطبقات الكبرى (٦/ ١٩٤)، التقريب (٢/ ٣٧٣).
(٨) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (١/ ٥٦)، البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الطهارة، باب ما ورد في الاستنجاء بالتراب، برقم/٥٤٠، (١/ ١٧٩) وقال: (هذا أصح ما روي في هذا الباب وأعلاه).
(٩) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٨١).
[ ١١٥ ]
أدلة أصحاب القول الثاني:
الدليل الأول: عن عائشة - ﵂ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فليذهب معه بثلاثة أحجار، يستطيب بهن، فإنها تجزي عنه) (^١).
وجه الدلالة:
أن النص ورد بالأحجار فيراعى عين المنصوص عليه (^٢).
ونوقش:
إنما نُص على الأحجار؛ لكونها غالب الموجود للمستنجي بالفضاء، مع أنه لا مشقة فيها، ولا كلفة في تحصيلها؛ وهذا نحو قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ (^٣) وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (^٤) ونظائر ذلك، فكل هذا مما ليس له مفهوم يُعمل به؛ لخروجه على الغالب (^٥).
الدليل الثاني: أن الاستجمار بالأحجار موضع رخصة (^٦)، ورد الشرع فيها بآلة مخصوصة، فوجب الاقتصار عليها، كالتراب في التيمم (^٧).
نوقش:
بأن الأحجار لقب لم يقل بمفهومه الجمهور، وإنما خص الحجر - والله أعلم - بالذكر لأنه أعم الجامدات وجودا، وأسهلها تناولا، ولأنه متى ورد النص بشيء لمعنى معقول وجب تعديته إلى ما وجد فيه المعنى، والمعنى ههنا إزالة عين النجاسة وهذا يحصل بغير الأحجار كحصوله بها فأما التيمم فإنه غير معقول (^٨).
الترجيح:
بعد ذكر الخلاف الوارد في هذه المسألة مع أدلته يظهر جليًا، رجحان القول القائل، بجواز الاستجمار بالأحجار وغيرها من الخرق والمناديل، لقوة أدلتهم وسلامتها من المناقشة ولمناقشة أدلة القول الثاني.
_________________
(١) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب الاستنجاء بالحجارة ح/٤٠ (١/ ١٠) النسائي، كتاب الطهارة، الاجتزاء في الاستطابة بالحجارة دون غيرها، ح/٤٤، (١/ ٤١)، والحديث صححه الألباني في الإرواء (١/ ٨٤).
(٢) انظر: الشرح الكبير (١/ ٩٤)،بدائع الصنائع (١/ ١٨).
(٣) جزء من الآية (١٥١) من سورة الأنعام.
(٤) جزء من الآية (١٠١) من سورة النساء.
(٥) انظر: المجموع (٢/ ١١٤).
(٦) انظر: بدائع الصنائع (١/ ١٨).
(٧) انظر: الشرح الكبير (١/ ٩٥).
(٨) انظر: شرح الزرقاني (١/ ١٤٧)، الشرح الكبير (١/ ٩٥)، شرح الزركشي (١/ ٢٢٤).
[ ١١٦ ]