اختيار القاضي:
اختار القاضي -﵀أن من خاف من استعمال الماء زيادة مرضه أن له التيمم، موافقًا في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي في ذكر الأقوال.
فقال ﵀: (مسألة: واختلفت في المريض إذا خاف الزيادة في المرض، هل يجوز له التيمم؟ فنقل الميموني جواز ذلك، وهو أصح) (^١).
تحرير محل النزاع:
اتفق الفقهاء على أن من خاف من استعمال الماء التلف أو الموت أنه يجوز له التيمم، واختلفوا فيمن لم يخف التلف باستعمال الماء وإنما خاف باستعماله زيادة المرض أو تأخر البرء (^٢).
سبب الخلاف:
هو اختلافهم في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ الآية (^٣) هل في الآية محذوف مقدر أم لا؟
فمن رأى أن في الآية محذوفا وأن تقدير الكلام وإن كنتم مرضى لا تقدرون على استعمال الماء، وأن الضمير في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ إنما يعود على المسافر فقد أجاز التيمم للمريض الذي يخاف من استعمال الماء، ومن رأى أن الضمير في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ يعود على المريض والمسافر معا، وأنه ليس في الآية حذف لم يجز للمريض إذا وجد الماء التيمم (^٤).
_________________
(١) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٩٢).
(٢) انظر: المبسوط (١/ ١١٢)،المدونة (١/ ٤٥)،نهاية المحتاج (١/ ٢٨٠)، الكافي (١/ ٩٧).
(٣) النساء:٤٣.
(٤) انظر: بداية المجتهد (١/ ٧٢).
[ ٢٩٢ ]
الأقوال في المسألة:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن من خاف من استعمال الماء زيادة مرض أو تأخر برء جاز له التيمم.
وبه قال: الحنفية (^١)،والمالكية (^٢)، والصحيح عند الشافعية (^٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٤)، وهو اختيار القاضي كما تقدم.
القول الثاني: أنه لا يجوز له التيمم مادام لا يخاف التلف من استعمال الماء.
وهو قول للشافعية (^٥)، ورواية عند الحنابلة (^٦).
_________________
(١) انظر: المبسوط (١/ ١١٢)،بدائع الصنائع (١/ ٣١٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٣٣)،اللباب (١/ ٣١).
(٢) انظر: الرسالة (١/ ٢٠)،التلقين (١/ ٢٩)،الكافي (١/ ١٨١)،منح الجليل (١/ ١٤٤).
(٣) انظر: الإقناع (١/ ٣٠)،التنبيه (١/ ٢١)،مغني المحتاج (١/ ٢٥٤).
(٤) انظر: الكافي (١/ ١١٩)،المغني (١/ ١٧٦)،الفروع (١/ ٢٧٨)،الإنصاف (١/ ٢٦٥).
(٥) انظر: الأم (١/ ٦٠)،التنبيه (١/ ٢١)،مغني المحتاج (١/ ٢٥٤).
(٦) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٩٢).
[ ٢٩٣ ]
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ الآية (^١)
وجه الدلالة:
أن المريض وإن كان واجدًا للماء صورةً، ولكنه لما لم يتمكن من استعماله خشية الضرر صار معدومًا حكمًا، فجاز له التيمم (^٢).
الدليل الثاني: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ﴾ الآية (^٣).
الدليل الثالث: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ الآية (^٤).
وجه الدلالة من الآيتين:
أن الله ﷾ نفى الحرج عن هذه الأمة وهو الضيق، ومن أعظم العسر استعمال الماء الذي يؤدي بالإنسان إلى الضرر أو زيادة المرض (^٥).
الدليل الرابع: عن ابن عباس ﵄ قال: (رخص للمريض التيمم بالصعيد) (^٦).
الدليل الخامس: القياس حيث قالوا: أن الضرر في زيادة المرض أو تأخر البرء فوق الضرر في زيادة ثمن الماء، وذلك يبيح التيمم فهذا أولى (^٧).
_________________
(١) النساء:٤٣.
(٢) انظر: احكام القرآن لابن العربي (١/ ٥٦٦،٥٦٥).
(٣) البقرة:١٨٥.
(٤) المائدة:٦.
(٥) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٤/ ١٠).
(٦) أخرجه عبدالرزاق في مصنفه برقم/٨٦٩، (١/ ٢٢٤).
(٧) انظر: الانتصار (١/ ٤٥١).
[ ٢٩٤ ]
أدلة أصحاب القول الثاني:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ الآية (^١)
وجه الدلالة:
أن الضمير في الآية: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ يعود على المريض والمسافر معا، فالآية أباحت التيمم للمريض بعدم الماء، وهذا واجد للماء فلا يجوز له التيمم (^٢).
ونوقش:
أن المريض وإن كان واجدًا للماء صورةً، ولكنه لما لم يتمكن من استعماله خشية الضرر صار معدومًا حكمًا، فجاز له التيمم (^٣).
الدليل الثاني: القياس قالوا: أنه قادر على الماء لا يخاف التلف من استعماله فلم يجز أن يتيمم كالذي به صداع أو حمى (^٤).
ونوقش:
أن القياس غير صحيح، لأن المحموم ومن به صداع إذا خافا من استعمال الماء فهو مسألة الخلاف، وأما إذا لم يخافا من استعماله فهما كالصحيح، فلا معنى للقياس عليه (^٥).
الترجيح:
الراجح والله أعلم هو القول الأول القائل بجواز التيمم للمريض الذي يخاف من استعمال الماء زيادة في مرضه أو تأخرًا في برئه، لقوة أدلة هذا القول وسلامتها من المناقشة ومناقشة القول الآخر.
_________________
(١) النساء:٤٣.
(٢) انظر: بداية المجتهد (١/ ٧٢)، المهذب (١/ ١٣٤).
(٣) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٥٦٦،٥٦٥).
(٤) انظر: الحاوي (١/ ٢٧١).
(٥) انظر: الانتصار (١/ ٤٥٣).
[ ٢٩٥ ]