المقصود بالمسألة: من كان عليه حدثان -أصغر كالبول، وأكبر كالحنابلة- فاغتسل دون الوضوء ناويًا رفع الحدثين، فهل يجزئه هذا الغسل عن الوضوء ويرتفع الحدثان أو لا؟
اختيار القاضي:
اختار -﵀- ارتفاع الحدثين -الأصغر والأكبر- إذا نواهما موافقًا للمشهور عند الحنابلة، كما سيأتي.
فقال -﵀-: (مسألة: واختلفت إذا أحدث وأجنب، فنقل عبد الله أنه يقتصر على غسل البدن ويجزئ ذلك عن الطهارتين إذا نوى بذلك عن الطهارتين ونقل موسى بن عيسى الجصاص أنه يلزمه أن يأتي بكل واحدة من الطهارتين بكمالها والأولى أصح) (^١).
_________________
(١) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٨٧).
[ ٢٦٢ ]
الأقوال في هذه المسألة:
اختلف العلماء فيها على أربعة أقوال:
القول الأول: لا يجزئ الغسل عن الوضوء مطلقًا، نواه أو لم ينوه، فلابد من الوضوء قبل الغسل أو بعده.
وبه قال: أحمد في رواية عنه (^١)، وهو أحد قولي الشافعي (^٢).
القول الثاني: لا تشترط النية في الوضوء والغسل مطلقًا، وإنما تستحب، فيجزئ الغسل عن الوضوء، نواهما أو نوى أحدهما أو لم ينو شيئًا.
وبه قال: الحنيفة (^٣).
القول الثالث: لا يجزئ الغسل عن الوضوء إلا بالنية.
وبه قال: أحمد –في الرواية المشهورة المعتمدة عند أصحابه (^٤) - وهو مذهب الظاهرية (^٥).
القول الرابع: يجزئ الغسل عن الوضوء وإن لمن ينوه، فما دام نوى بغسله رفع الحدث الأكبر، فإن الحدث الأصغر يرتفع تبعًا له.
وبه قال: المالكية (^٦)، والشافعية (^٧) وهو وجه عند الحنابلة (^٨)، وحكي رواية (^٩)، اختارها ابن تيمية (^١٠).
_________________
(١) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٨٨)، المقنع لابن البناء (١/ ٢٤٣)، المغني (١/ ٢٨٩)، مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٩٦)، شرح العمدة (١/ ٣٧٦)، شرح الزركشي (١/ ٣١٣)، الإنصاف (١/ ٢٥٩).
(٢) انظر: الحاوي الكبير (١/ ٩٤)، المجموع (٢/ ١٩٣ - ١٩٥).
(٣) انظر: رؤوس المسائل للزمخشري: ١٠٠، بدائع الصنائع (١/ ١٩)، إيثار الإنصاف في آثار الخلاف: ٤٢، اللباب للمنبجي (١/ ١٠٠).
(٤) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٨٨)، المقنع لابن البناء (١/ ٢٤٣)، المغني (١/ ٢٨٩)، شرح العمدة (١/ ٣٧٦)، مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٩٦)، القواعد الفقهية لابن رجب: ٢٣، شرح الزركشي (١/ ٣١٢، ٣١٣)، الإنصاف (١/ ٢٥٩).
(٥) انظر: المحلى (٢/ ٤٣).
(٦) انظر: المعونة (١/ ١٣٢).
(٧) انظر: الحاوي الكبير (١/ ٩٤)، المجموع (١/ ٣٢٢)، (٢/ ١٩٩٣، ١٩٤).
(٨) انظر: المغني (١/ ٢٩٢)، شرح العمدة (١/ ٣٧٦)، الإنصاف (١/ ٢٦٠).
(٩) انظر: القواعد في الفقه الإسلامي لابن رجب: ٢٥، الإنصاف (١/ ٢٦٠).
(١٠) انظر: مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٩٩، ٣٩٦، ٣٩٧)، الفروع (١/ ٢٠٥)، الاختيارات الفقهية: ١٧،
[ ٢٦٣ ]
أدلة أصحاب القول الأول:
الدليل الأول: أن النبي - ﷺ - كان يتوضأ قبل الغسل، فعن عائشة ﵂ (أن النبي - ﷺ - كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعره ثم يصب على رأسه ثلاث غرف بيديه ثم يفيض الماء على جلده كله) (^١)
وجه الدلالة:
أن فعله - ﷺ - يفسِّر قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ الآية (^٢) إذ أن الرسول - ﷺ - يبين لنا ما نزل إلينا من كتاب ربنا، وفعله إذا خرج بيانًا للآية وجب العمل به في معناها لا سيما وقد داوم عليه ولم يخل به - ﷺ - (^٣).
ويناقش:
بأنه قد جاء عن النبي - ﷺ - ما يدل على عدم وجوبه إذ لم يذكره في وصف الغسل من الجنابة لمّا سئل عن كيفية غسل الجنابة (^٤)، ويجمع بين الأحاديث بحمل غسله فقط على الإجزاء، وما ورد عنه بالوضوء مع الغسل على الكمال.
الدليل الثاني: إن الجنابة والحدث وجدا منه (^٥)، وهما عبادتان مختلفتا الصفة والقدر والفروض، فلم يتداخلا فتجب لهما الطهارتان (^٦)، كما لو كانا منفردين (^٧).
نوقش:
بأنهما عبادتان من جنس واحد تداخلتا فأجزأت إحداهما عن الأخرى (^٨).
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الغسل، باب الوضوء قبل الغسل، برقم ٢٤٥ واللفظ له، ومسلم، كتاب الحيض، باب صفة الجنابة برقم ٧٤٤.
(٢) المائدة:٦.
(٣) انظر: المغني (١/ ٢٨٩)، شرح العمدة (١/ ٣٧٦)، شرح الزركشي (١/ ٣١٤).
(٤) كما في حديث أم سلمة الآتي.
(٥) انظر: المغني (١/ ٢٨٩).
(٦) أي: الطهارة الكبرى والصغرى.
(٧) انظر: المغني (١/ ٢٨٩)، شرح العمدة (١/ ٣٧٦).
(٨) انظر: مجموع الفتاوى (٢١/ ٩).
[ ٢٦٤ ]
أدلة أصحاب القول الثاني:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (^١) الآية.
وجه الدلالة:
أن الله تعالى ذكر فروض الطهارة ولم يذكر منها النية، ولو كانت شرطًا في الطهارة لذكرها (^٢).
نوقش:
بأن النية معلومة بأدلة أخرى صحيحة، ولا يجوز ترك العمل ببعض الأدلة، بل يجب العمل بجميع ما جاء عن الله -﷿- ورسوله - ﷺ -.
الدليل الثاني: حديث أم سلمة -﵂- أنها قالت للنبي - ﷺ - يا رسول الله إني امرأة أشد ضَفْرَ (^٣) رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟ فقال: (لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين) (^٤).
وجه الدلالة: أنه لم يقتصر على جواب سؤالها، بل زادها بيانًا للغسل المجزئ، ولم يذكر النية، فدل على أنها ليست شرطًا (^٥).
ويناقش:
بأنه دليل على أن هذا هو الغسل المجزئ، والنية علمت من أدلة أخرى صحيحة.
_________________
(١) المائدة:٦.
(٢) انظر: رؤوس المسائل للزمخشري: ١٠٠.
(٣) الضَّفْرُ: نسج الشعر وغيره عريضًا، والتضفير مثله، والضَّفيرةُ: العَقيصَة وقد ضَفَر الشعر ونحوه، يَضفِرُهُ ضَفْرًا: نسج بعضه على بعض، انظر: لسان العرب (٤/ ٤٨٩).
(٤) رواه مسلم في كتاب الحيض، باب حكم ضفائر المغتلسة (١/ ٢٥٩) برقم ٣٣٠.
(٥) انظر: اللباب لمنبجي (١/ ١٠٠).
[ ٢٦٥ ]
أدلة أصحاب القول الثالث:
الدليل الأول: قوله - ﷺ -: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) (^١).
الدليل الثاني: قوله - ﷺ -: (لا عمل إلا بنية) (^٢).
وجه الدلالة من الحديثين:
أنه لم ينو بغسله رفع الحدثين وإنما نوى رفع الحدث الأكبر فليس له إلا ما نواه كما هو ظاهر عموم هذا الحديث (^٣).
نوقش: بأنه إذا نوى رفع الأكبر ارتفع الأصغر تبعًا له، بدليل ما ورد من الإجزاء كما في حديث أم عطية (^٤).
أدلة أصحاب القول الرابع:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ الآية (^٥) مع قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (^٦).
وجه الدلالة:
أن الغسل مجزئ إذ الآية الثانية توضح معنى الآية الأولى وأن المراد بالتطهير: الاغتسال، والاغتسال وحده يكفي إذ الظاهر منهما أن الواجب الغسل دون الوضوء حيث لم يذكر الله -﷿- شيئًا سوى الغسل (^٧).
الدليل الثاني: حديث أم سلمة -﵂- في صفة غسل الجنابة –حيث قال لها النبي - ﷺ -: (إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين الماء عليك فتطهرين) (^٨).
الدليل الثالث: حديث علي - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال له: (في المذي الوضوء، وفي المني الغسل) (^٩).
_________________
(١) رواه البخاري، في كتاب بدء الوجي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ - الصحيح مع الفتح- (١/ ٩) برقم ١، ومسلم في كتاب الإمارة، باب قوله - ﷺ -: "إنما الأعمال بالنيات) (٣/ ١٥١٥) برقم ١٩٠٧.
(٢) ذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٣٤٦) ضمن حديث طويل وقال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله - ﷺ - وروى البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٤١) معناه بلفظ: (لا عمل لمن لا نية له).
(٣) انظر: المقنع لابن البناء (١/ ٢٤٤)، المغني (١/ ٢٩٢)، شرح الزركشي (١/ ٣١٣).
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٩٧)، سيأتي حديث أم عطية قريبًا.
(٥) المائدة:٦.
(٦) النساء:٤٣.
(٧) انظر: المقنع لابن البناء (١/ ٢٤٣)، شرح العمدة (١/ ٣٧٦، ٣٧٧)، مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٩٦، ٣٩٧).
(٨) تقدم تخريجه آنفًا.
(٩) رواه أحمد (١/ ٨٧)، وابن ماجة، كتاب الطهارة وسننها، باب الوضوء من المذي (١/ ١٦٨) برقم ٥٠٤، والترمذي، في أبواب الطهارة، باب ما جاء في المني والمذي (١/ ١٩٣) برقم ١١٤، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
[ ٢٦٦ ]
الدليل الرابع: قوله - ﷺ - لفاطمة بنت أبي حبيش (^١) -﵂-: (إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي) (^٢).
وجه الدلالة من هذه الأحاديث:
أنه لم يذكر الوضوء في الطهارة الكبرى مما يدل على أنه غير واجب ولو كان واجبًا لذكره (^٣).
الدليل الخامس: قوله - ﷺ - لأم عطية ومن معها في تغسيل ابنته (^٤): (اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك، بماء وسدر، وابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها) (^٥).
وجه الدلالة:
أنه جعل غسل مواضع الوضوء جزءًا من الغسل، لكنه يقدم كما تقدم الميامن، فإن الواجب في الأصغر جزء من الواجب في الأكبر، لأن الأكبر يتضمن غسل الأعضاء الأربعة وزيادة، فصار الأصغر جزءًا من الأكبر (^٦).
الدليل السادس: أنه غسل صحيح نوى به الفرض فأجزأه، كما لو نوى استباحة الصلاة بالتيمم (^٧).
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- هو القول الثالث القائل لا يجزئ الغسل عن الوضوء إلا إذا نواهما، لقوة أدلته ووضحها وكونها صريحة في المسألة، وهو اختيار العلامة ابن باز ﵀ (^٨) ولقوة تأثير النية في العمل فكيف يغتسل ولا ينوي إلا رفع الجنابة ويقال له ارتفع حدثك الأصغر؟! والأولى أن يتوضأ قبل الغسل لكي يكون مؤديًا لعبادته بيقين، واحتياطًا لنفسه، وإبراء لذمته، وخروجًا من الخلاف، -والله أعلم-.
_________________
(١) هي فاطمة بنت أبي حبيش بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية الأسدية، صحابية ثبت ذكرها في الصحيحين في استحاضتها وفتوى الرسول - ﷺ - لها. انظر ترجمتها في: أسماء الصحابة الرواة: ٢٨٩ برقم ٤٢٧، الإصابة (٤/ ٣٩٩) برقم ٨٣٥.
(٢) رواه البخاري: في كتاب الحيض، باب إقبال الحيض وإدباره –الصحيح مع الفتح- (١/ ٤٢٠) برقم ٣٢٠.
(٣) انظر: المقنع لابن البناء (١/ ٢٤٣)، شرح العمدة (١/ ٣٧٧).
(٤) قال الحافظ في الفتح (٣/ ١٢٨): لم تقع في شيء من روايات البخاري مسماه، والمشهور أنها زينب زوج أبي العاص بن الربيع، والدة أمامة، وهي أكبر بنات النبي - ﷺ - وكانت وفاتها فيما حكاه الطبراني في الذيل في أول سنة ثمان، وقد وردت مسماة عند مسلم)، أ. هـ. ثم ذكر -﵀- الاختلاف في الروايات فبعضها ذكر أنها أم كلثوم زوج عثمان -﵁-.
(٥) رواه البخاري، في كتاب الجنائز، باب ما يستحب أن يغسل وترًا، -الصحيح مع الفتح- (٣/ ١٣٠) برقم ١٢٥٤.
(٦) انظر: مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٩٧).
(٧) انظر: المغني (١/ ٢٩٢).
(٨) انظر: مجموع فتاوى ابن باز (١٠/ ١٧٣).
[ ٢٦٧ ]