المقصود بالمسألة:
هل يطهر جلد الميتة بالدباغ (^١) أو لا يطهر؟
اختيار القاضي:
اختار القاضي ﵀، أن جلد الميتة لا يطهر ولو دبغ، موافقًا في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة، كما سيأتي في ذكر الأقوال.
فقال ﵀: (جلود الميتة لا تطهر بالدباغ) (^٢).
تحرير محل النزاع:
أجمع أهل العلم على إباحة جلد الحيوان المذكى إذا كان مأكول اللحم (^٣)، واختلفوا في حكم جلد الميتة بعد دبغه، هل يطهر بذلك أو لا؟
سبب الخلاف:
سببه اختلافهم في التوفيق بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض في المسألة، وتنازعهم في معنى الإهاب لغة، وهل الدباغ كالحياة أو كالذكاة (^٤)، كما سيأتي.
_________________
(١) الدباغ: مصدر دبغ الإهاب يدبغه دبغًا، ودباغةً، ويطلق على مايدبغ به من قرظ ونحوه. انظر: لسان العرب (٨/ ٤٢٤).
(٢) انظر: الجامع الصغير (ص ٣٠).
(٣) انظر: مراتب الإجماع (ص ٢٣)، روضة الطالبين (١/ ٤١)،المجموع (١/ ٢١٧)،المغني (١/ ٨٩).
(٤) انظر: الأوسط (٢/ ٢٦٥)، شرح معاني الآثار (١/ ٤٧١)، المغني (١/ ٩١)،اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية الفقهية للحارثي (١/ ٢١٤).
[ ٩١ ]
الأقوال في المسألة:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على خمسة أقوال:
القول الأول: لا يطهر جلد الميتة مطلقًا، دبغ أولم يدبغ.
وبه قال: المالكية (^١)، والحنابلة (^٢).
القول الثاني: يطهر بالدباغ كل جلد.
إلا الخنزير عند الحنفية (^٣)، واستثنى الشافعية الكلب والخنزير (^٤).
القول الثالث: يطهر بالدباغ جلد كل ميتة مطلقًا.
وبه قال: الظاهرية (^٥)، وبعض الحنفية (^٦).
القول الرابع: يطهر بالدباغ جلد ميتة ما كان طاهرًا في الحياة سواء كان مأكولًا كالشاة، أو غير مأكول كالهرة.
وهو رواية عن الإمام أحمد (^٧).
القول الخامس: لا يطهر بالدباغ من جلود الميتات، إلا جلد مأكول اللحم.
وبه قال: الإمام أحمد في رواية (^٨)، اختارها ابن تيمية (^٩).
_________________
(١) انظر: التلقين (١/ ٦٥)، بداية المجتهد (١/ ٦٨)، القوانين الفقهية (ص ٢٦)، بلغة السالك (١/ ٢١،٢٠).
(٢) انظر: المغني (١/ ٨٩)،الإنصاف (١/ ٨٦)،شرح النتهى (١/ ٣١)،كشاف القناع (١/ ٥٤).
(٣) انظر: المبسوط (١/ ٢٠٢)،بدائع الصنائع (١/ ٨٦)،شرح فتح القدير (١/ ٩٢)،حاشية ابن عابدين (١/ ٢٦٠).
(٤) انظر: الأم (١/ ٧)،روضة الطالبين (١/ ٤٢)،المجموع (١/ ٢١٧)،مغني المحتاج (١/ ٨٢).
(٥) انظر: التمهيد (٤/ ١٧٢)،المجموع (١/ ٢١٧)،مجموع الفتاوى (٢١/ ٩٥).
(٦) انظر: المبسوط (١/ ٢٠٢)،بدائع الصنائع (١/ ٨٦).
(٧) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٦٦)،الكافي (١/ ١٩)،الإنصاف (١/ ٨٦).
(٨) انظر: المغني (١/ ١٩٤)،شرح العمدة (١/ ١٢٥)،الإنصاف (١/ ٨٧،٨٦).
(٩) انظر: مجموع الفتاوى (٢١/ ٩٥).
[ ٩٢ ]
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
استدلوا على أن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ بما يأتي:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (^١).
وجه الدلالة:
أن الله ﷿ حرم الميتة في كتابة تحريمًا عامًا، ويعم ذلك الجلد وغيره قبل الدبغ وبعده (^٢).
نوقش:
أن المراد من تحريم الميتة تحريم أكلها لقوله - ﷺ -: (إنما حرم من الميتة أكلها) (^٣).
الدليل الثاني: عن عبدالله بن عكيم (^٤) - ﵁ - قال: (كتب إلينا رسول الله - ﷺ - قبل وفاته بشهر أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) (^٥).
ونوقش:
بأن الحديث ضعيف، والضعيف لا تقوم به حجة (^٦).
وأجابوا عن ذلك:
بأن هناك من الأئمة من صححه (^٧).
ونوقش أيضًا:
بأنه على فرض صحته يجوز أن يكون أراد بذلك ما دام ميتة غير مدبوغ، فإنه كان يسأل عن الانتفاع بشحم الميتة فيجيب الذي يسأله بمثل هذا (^٨).
_________________
(١) المائدة:٣.
(٢) انظر: الأوسط (٢/ ٢٦٥).
(٣) جزء من حديث سيأتي تخريجه.
(٤) هو أبو معبد عبد الله بن عكيم، الجهني، الكوفي، أسلم في حياة النبي - ﷺ -، وسمع كتاب النبي - ﷺ - إلى جهينة، واختلف في سماعه منه - ﷺ -، وقيل: بل له صحبة، توفي في إمرة الحجاج. انظر ترجمته: في أسد الغابة (٣/ ٢٣٥)، وتهذيب التهذيب (٥/ ٣٢٣).
(٥) أخرجه الإمام أحمد (٤/ ٣١٠)،وأبوداود، كتاب اللباس، باب من روى أن لا ينتفع بإهاب الميتة ح/٤١٢٧، (٤/ ٣٧٠)،والترمذي، كتاب اللباس، باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت، ح/١٧٢٩، (٤/ ٢٢٢)، والنسائي، كتاب الفرع والعتيرة، باب مايدبغ به جلود الميتةح/٤٢٥١، (٧/ ١٧٥)،وابن ماجه، كتاب اللباس، باب من قال: لاينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب. وصححه الإمام أحمد، وحسنه الترمذي انظر: تنقيح التحقيق (١/ ٢٧٧).
(٦) أعله النووي في المجموع (١/ ٢٧٦)، وانظر: الأوسط (٢/ ٢٧٠)، التخليص الحبير (١/ ٤٨).
(٧) انظر: التخريج السابق للحديث.
(٨) انظر: شرح معاني الآثار (١/ ٤٧١).
[ ٩٣ ]
الدليل الثالث: أن العلة في نجاسة الميتة هو الموت، والموت لا يزول بالدبغ (^١).
ونوقش:
بعدم التسليم بأن الموت هو المنجس لعينه، وإنما لمعنى فيه، وهو أن بالموت تحجز الرطوبات النجسة في الجلد وبالدباغ تزول هذه الرطوبات فيعود الجلد لحالته الأولى (^٢).
أدلة أصحاب القول الثاني:
استدلوا على أن جلد الميتة يطهر بالدباغ بالأدلة السابقة، واستثنوا جلد الكلب والخنزير، لأمرين
الأول: لأن جلدهما نجس العين ولا يحتمل الدباغة (^٣).
الثاني: أن الحياة أقوى من الدباغ، فإذا كانت الحياة لا تطهرهما لنجاستهما في الحياة، فكذلك الدباغ لا يطهر جلدهما من باب أولى (^٤).
_________________
(١) انظر: المغني (١/ ٩١).
(٢) انظر: الانتصار (١/ ١٦٨،١٦٧).
(٣) انظر: المبسوط (١/ ٢٠٢٠).
(٤) انظر: المجموع (١/ ٢٢٢).
[ ٩٤ ]
أدلة أصحاب القول الثالث:
استدل القائلون بطهارة كل جلد دبغ مطلقًا بما يأتي:
الدليل الأول: ما رواه ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول - ﷺ - يقول: (أيما إيهاب دبغ فقد طهر) (^١).
الدليل الثاني: عبد الله ابن عباس ﵄ أنه قال: مر رسول الله - ﷺ - بشاة ميتة، فقال: (هلا استمتعتم بإهابها قالوا: يا رسول الله إنها ميتة، فقال رسول الله - ﷺ -: إنما حرم أكلها) (^٢).
وجه الدلالة:
أنهما نصان صريحان في طهارة جلد الميتة بالدباغ.
ونوقش:
بأن الحديث الأول ضعيف ضعفه الإمام أحمد (^٣)، والضعيف لا تقوم به حجة، والحديث الثاني محمول على جلد مأكول اللحم لا جلد كل ميتة (^٤).
_________________
(١) أخرجه والترمذي، كتاب اللباس، باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت، ح/١٧٢٨ وقال: حسن صحيح، (٤/ ١٩٣)، والنسائي كتاب الفرع والعتيرة، باب مايدبغ به جلود الميتة (٧/ ١٧٣)، وابن ماجه، كتاب اللباس، باب لبس جلود الميتة إذا دبغت ح/٣٦٠٩ (٢/ ١١٩٣)،وصححه النووي في المجموع (١/ ٢٢٠).
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب جلود الميتة ح/٣٠، (٦/ ٢٣١)، ومسلم في كتاب الحيض، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ، ح/٣٦٣، (١/ ٢٧٦)، بزيادة (فدبغتموه فانتفعتم به).
(٣) انظر: طبقات الحنابلة (١/ ٣١٦).
(٤) انظر: فتح الباري (٩/ ٦٥٩).
[ ٩٥ ]
أدلة أصحاب القول الرابع:
استدل القائلون: أن الدباغ يطهر جلد ميتة ما كان طاهرًا في الحياة سواء كان مأكولًا كالشاة، أو لا كالهرة، بما يلي:
الدليل الأول: عن ابن عباس، قال: (أراد النبي - ﷺ - أن يتوضأ من سقاء فقيل له: إنه ميتة، فقال: دباغه يذهب بخبثه، أو نجسه، أو رجسه) (^١).
وجه الدلالة:
أنه لما ذهب بخبثه ونجسه عاد إلى حالته الأولى، فيطهر ما كان طاهرًا في الحياة دون ما كان نجسًا حال الحياة (^٢).
الدليل الثاني: ما رواه ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول - ﷺ - يقول: (أيما إيهاب دبغ فقد طهر) (^٣).
وجه الدلالة:
أن الحديث عام يتناول المأكول وغيره وخرج منه ما كان نجسا في الحياة؛ لكون الدبغ إنما يؤثر في دفع نجاسة حادثة بالموت، فيبقى فيما عداه على قضية العموم (^٤).
_________________
(١) أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (١/ ٢٦٥)، والبيهقي في السنن الكبرى وقال: إسناده صحيح (١/ ١٧).
(٢) انظر: الكافي (١/ ٤٩).
(٣) تقدم تخريجه قريبًا.
(٤) انظر ا لمغني (١/ ٩٤).
[ ٩٦ ]
أدلة أصحاب القول الخامس:
استدل القائلون: أن الدباغ يطهر جلد مأكول اللحم فقط بالإضافة لما سبق من الأدلة، بما يلي:
الدليل الأول: عن سلمة بن المحبق (^١) - ﵁ - أن - ﷺ - أتى على بيت قدامه قربة معلقة، فسأل النبي - ﷺ - الشراب فقالوا: إنها ميتة. فقال: (ذكاتها دباغها) (^٢).
وجه الدلالة:
أن في قصة الحديث دلالة على أنه في جلد ما يؤكل لحمه (^٣).
الدليل الثاني: عن أبي المَلِيح (^٤) بن أسامة (^٥) عن أبيه أن رسول الله - ﷺ - (نهى عن جلود السباع) (^٦).
وجه الدلالة:
أن الحديث دل على أن الدباغ لا يطهر جلود السباع، ويقاس عليها غير مأكول اللحم (^٧).
الترجيح:
الراجح والله أعلم هو القول الأخير فلا يطهر بالدباغ إلا جلد ميتة مأكول اللحم، لأن فيه جمع بين الأدلة التي ظاهرها التعارض، وبه يتحقق العمل بجميع النصوص.
_________________
(١) سلمة هو: سلمة بن المحبِّق الهذلي، بكسر الباء المشددة وقيل بفتحها، قيل: اسم المحبِّق، صخر، وقيل: ربيعة، يكنى أبا سنان، روى عنه ابنه سنان، وجَوْنُ بن قتادة، والحسن البصري، روى اثني عشر حديثًا انظر: الإصابة (٣/ ١٢٨).
(٢) أخرجه أحمد في المسند (٣٣/ ٢٥٨)، البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٣)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، انظر: المستدرك مع التلخيص (٤/ ١٥٧)،قال الحافظ: إسناده صحيح، انظر: التلخيص الحبير (١/ ٨٠).
(٣) انظر: السنن الكبرى (١/ ٣٣).
(٤) أبو المليح، بفتح الميم وكسر اللام واسمه عامر وقيل زيد بن أسامه الهذلي الكوفي ثم البصري من التابعين ثقة، مات سنة ٩٨ هـ. انظر ترجمته: المغني في ضبط أسماء الرجال ٢٤٠.
(٥) هو أسامه بن عمير الهذلي البصري له صحبة نزل البصره ولم يرو عنه إلا ولده انظر: تهذيب التهذيب برقم ٣٩٤، (١/ ٢١٠).
(٦) أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٧٤، ٧٥) والترمذي في سننه، كتاب اللباس، باب ما جاء في النهي عن جلود السباع ٤/ ٢٤١ (١٧٧٠) وأبو داود في سننه، كتاب اللباس، باب في جلود النمور والسباع ٤/ ٣٧٤، ٣٧٥ (٤١٣٢) والنسائي في سننه، كتاب الفرع والعتيرة، باب النهي عن الانتفاع بجلود السباع ٧/ ١٧٦ (٤٢٥٣) قال الحاكم: (هذا الإسناد صحيح). ووافقه الذهبي. انظر: المستدرك مع التلخيص (١/ ١٤٤).
(٧) انظر: كشاف القناع (١/ ٢٨٧)،حاشية الروض لابن قاسم (١/ ١١٢).
[ ٩٧ ]