اختيار القاضي:
اختار القاضي -﵀كراهة السواك الرطب للصائم قبل الزوال مخالفًا في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي في ذكر الأقوال.
لما تكلم ابن مفلح (^١) عن السواك للصائم قال: (ويكره للصائم بعد الزوال ، وعنه يكره قبله بعود رطب اختاره القاضي) (^٢).
تحرير محل النزاع:
لا يرى الفقهاء بالاستياك بالعود اليابس أول النهار للصائم بأسا (^٣)، واختلفوا في استياكه بالعود الرطب قبل الزوال على قولين:
_________________
(١) هو محمد بن مفلح بن محمد بن مفرح، فقيه، أصولي، محدث، أعلم أهل عصره بمذهب الإمام أحمد بن حنبل، ولد سنة ٧١٠ هـ، قال عنه ابن تيمية: ما أنت ابن مفلح بل أنت مفلح اهـ، وقال عنه ابن القيم: ما تحت قبة الفلك أعلم بمذهب الإمام أحمد من ابن مفلح اهـ، من تصانيفه: " الآداب الشرعية والمنح المرعية " و" كتاب الفروع "، توفي سنة ٧٦٣ هـ. انظر: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ٦/ ١٤. شذرات الذهب ٨/ ٣٤٠.
(٢) انظر: الفروع وتصحيح الفروع (١/ ١٤٥).
(٣) انظر: المغني (٣/ ١٢٦).
[ ١٣٩ ]
الأقوال في المسألة:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يشرع للصائم السواك بالعود الرطب قبل الزوال.
وبه قال: الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).
القول الثاني: يكره للصائم السواك بالعود الرطب قبل الزوال.
وبه قال: بعض الحنفية (^٤)،وهو مذهب المالكية (^٥)،ورواية عن الإمام أحمد (^٦)، اختارها القاضي كما تقدم.
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع (١/ ١٩)، تبيين الحقائق (١/ ٣٣٢)، البناية شرح الهداية (٤/ ٧٤)،حاشية ابن عابدين (٢/ ٤١٩).
(٢) انظر: الأم (٢/ ١١١)،الحاوي الكبير (٣/ ٤٦٦)،فتح العزيز (٦/ ٤٢٢)،المجموع (٦/ ٣٧٧).
(٣) انظر: الإنصاف (١/ ١١٧)،المبدع (١/ ٧٩)،كشاف القناع (١/ ٧٢)،مطالب أولي النهى (١/ ٨١).
(٤) انظر: تبيين الحقائق (١/ ٣٣٢).
(٥) انظر: التاج والإكليل (٣/ ٣٥٠)، شرح الخرشي (٢/ ٢٥٩)،الثمر الداني (١/ ٢٩٨).
(٦) انظر: الإنصاف (١/ ١١٧).
[ ١٤٠ ]
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
الدليل الأول: حديث عامر بن ربيعة (^١) - ﵁ - قال: (رأيت النبي - ﷺ - يستاك وهو صائم ما لا أحصي أو أعد) (^٢).
وجه الدلالة:
أنه نص يشعر بملازمة النبي - ﷺ - السواك وهو صائم ولم يخص رطبًا من يابس (^٣).
الدليل الثاني: حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: (لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة) (^٤).
وجه الدلالة:
أنه يقتضي إباحته في كل وقت وعلى كل حال (^٥).
الدليل الثالث: القياس على المضمضة، فلو كان السواك يكره لكرهت المضمضة إذ هي أبلغ من السواك الرطب (^٦).
_________________
(١) هو أبو عبد الله عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك العنزي، صحابي كان أحد السابقين الأولين، وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرتين، وشهد بدرًا وسائر المشاهد، وكان صاحب عمر لما قدم الجابية واستخلفه عثمان على المدينة، توفي سنة ٣٢ هـ، وقيل غير ذلك. انظر ترجمته: الإصابة (٢/ ٢٤٩).
(٢) أخرجه أبوداود، كتاب الصوم، باب السواك للصائم ح/٢٣٦٤، (٢/ ٣٠٧)،وأخرجه الترمذي وحسنه، أبواب الصوم، باب ما جاء في السواك للصائم ح/٧٢٥ (٣/ ٩٥)،وحسن إسناده الحافظ في التلخيص (١/ ٦٢).
(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر (٤/ ١٥٨).
(٤) أخرجه البخاري واللفظ له، كتاب الجمعة، باب السواك يوم الجمعة ح/٨٤٧، (١/ ٣٠٣)، مسلم، كتاب الطهارة، باب السواك، ح/٦١٢ (١/ ١٥١).
(٥) انظر: بدائع الصنائع (١/ ١٩).
(٦) انظر: فتح الباري لابن حجر (٤/ ١٥٨).
[ ١٤١ ]
أدلة أصحاب القول الثاني:
استدل القائلون بمنع الصائم من السواك الرطب لأنه مغرر بصومه، لاحتمال أن يتحلل منه أجزاء إلى حلقه، فيفطره (^١).
ونوقش:
أن النصوص المرغبة بالسواك مطلقة فلا يجوز تقييدها، بزمان دون آخر ولا بنوع دون غيره (^٢).
الترجيح:
الراجح والله أعلم هو القول الأول القائل بجواز السواك الرطب للصائم قبل الزوال؛ وذلك لأن الأصل في السواك الندب، ولأن الأحاديث المرغبة في السواك كثيرة من غير تفصيل، ولم يجيء في منع الصائم منه حديث صحيح (^٣).
_________________
(١) انظر: المغني (٣/ ١٢٦)، شرح الخرشي (٢/ ٢٥٩).
(٢) انظر: بدائع الصنائع (١/ ١٩)،تبيين الحقائق (١/ ٣٣٢).
(٣) انظر: تهذيب معالم السنن (٣/ ٢٤١).
[ ١٤٢ ]