المقصود بالمسألة:
حكم الماء القليل الذي انفصل من يد القائم من نوم ليل ناقض للوضوء من غير غمس، بأن صب على جميع يده من الكوع إلى أطراف الأصابع، هل يسلبه طهوريته أم لا (^١)؟
اختيار القاضي:
اختار -﵀أنه يسلبه طهوريته، موافقًا في اختياره المشهور عند الحنابلة، كما سيأتي في ذكر الأقوال.
قال المرداوي ﵀: (ظاهر قوله " أو غمس يده " أنه لو حصل في يده من غير غمس: أنه لا يؤثر، والرواية الثانية: أنه كغمس يده: وهو الصحيح، اختاره القاضي) (^٢).
تحرير محل النزاع:
اتفق الأئمة الأربعة على مشروعية غسل اليدين عند القيام من نوم الليل، قبل غمسهما في الإناء، واختلفوا في النهي عن غمسهما هل هو للتحريم أو للتنزيه؟ وهل إذا غمسهما قبل غسلهما أو صب الماء عليهما يسلب الماء طهوريته فيصيره مستعملًا أو لا يسلبه طهوريته؟ (^٣)
سبب الخلاف:
سبب الخلاف مبني على اختلافهم هل هذا الماء لا يزال على إطلاقه أم خرج عن إطلاقه، فأصبح مقيدًا بالاستعمال؟ وهل الأمر بغسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء هل هو للوجوب أو للاستحباب؟ فبعض من قال: إنه للوجوب قالوا: سلبه الطهورية إذا خالف الأمر، ومن قال: للاستحباب لم يسلبه طهوريته بذلك (^٤)؟
_________________
(١) انظر: حاشية الروض لابن قاسم (١/ ٨٥).
(٢) انظر: الإنصاف (١/ ٤٠).
(٣) انظر: الأوسط (١/ ٣٧٢ - ٣٧٥)، بداية المجتهد (١/ ١٦)،حلية العلماء (١/ ١٣٦)، الإفصاح (١/ ١٠٨)، المغني (١/ ٣٥)،مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٦،٤٣)، الإنصاف (١/ ٣٩).
(٤) انظر: بداية المجتهد (١/ ١٦)، المجموع (١/ ١١٧).
[ ٤٧ ]
الأقوال في المسألة:
اختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه يسلبه الطهورية ويكون نجسًا.
وبه قال: الإمام أحمد في رواية اختارها الخلال (^١)، وهي من المفردات (^٢).
القول الثاني: أنه يسلبه طهوريته، ويكون الماء طاهرًا غير مطهر.
وبه قال: الإمام أحمد في الرواية المشهورة عنه، وهي المذهب وهي أيضًا من المفردات (^٣)، وهي اختيار القاضي أبي يعلى كما تقدم.
القول الثالث: أنه لا يسلبه الطهورية، بل هو طاهر مطهر.
وبه قال: الحنيفة (^٤)، والمالكية (^٥)،والشافعية (^٦)، وأحمد في رواية (^٧)، اختارها ابن تيمية (^٨).
_________________
(١) والخلال: هو أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون البغدادي الحنبلي مؤلف علم الإمام أحمد وجامعه ومرتبه، صنف السنة والعلل والجامع توفي سنة ٣١١ هـ، وله ثمانون عامًا. انظر: ترجمته في: تاريخ بغداد (٢/ ١٦٢) برقم ٥٨٩، البدايةوالنهاية (١١/ ١٥٦).
(٢) انظر: الإنصاف (١/ ٣٨).
(٣) انظر: المغني (١/ ٣٥)، شرح العمدة (١/ ١٧٤)،المبدع (١/ ٤٦)، الإنصاف (١/ ٣٨)، كشاف القناع (١/ ٣٣).
(٤) انظر: بدائع الصنائع (١/ ٢٠)، شرح فتح القدير (١/ ١٣)، البناية في شرح الهداية (١/ ١٢٨ - ١٣٠).
(٥) انظر: التلقين (١/ ٤٣)، والمعونة (١/ ١٢٠)، الذخيرة (١/ ٢٧٤،٢٧٣).
(٦) انظر: لحاوي الكبير (١/ ١٠٢،١٠١)،حلية العلماء (١/ ١٣٦)، المجموع (١/ ٣٤٩،٣٤٩)،
(٧) انظر: الفروع (١/ ٨٠)،المبدع (١/ ٤٧) الإنصاف (١/ ٣٨).
(٨) انظر: مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٥).
[ ٤٨ ]
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
استدلوا بما روي عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثم ليتوضأ فإن غمس يده في الإناء من قبل أن يغسلها فليهريق ذلك الماء) (^١).
وجه الدلالة:
أن الأمر بإراقته دليل على نجاسته (^٢).
نوقش:
بأن هذا الحديث ضعيف، فلا حجة فيه (^٣).
أدلة أصحاب القول الثاني:
الدليل الأول: حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده) (^٤).
وجه الدلالة:
أن الأصل في النهي التحريم، وهو يقتضي فساد المنهي عنه (^٥).
نوقش:
أن الأمر في الحديث للاستحباب، والنهي للتنزيه لا للتحريم، جمعًا بينه وبين آية الوضوء، ولتعليله بما يقتضي الشك في النجاسة، فلا يكون واجبًا (^٦).
وأجيب:
بأنه لا تعارض بين الآية والحديث، فالآية عامة في كل قيام خص منها الحديث من كان قائمًا من نوم الليل، والأصل في أمر النبي - ﷺ - الإيجاب، لا سيمما غسل اليدين مستحب مطلقًا، فلما خص هذه الحال دل على وجوبه (^٧).
الدليل الثاني: أنه ماء خرج عن إطلاقه بغمس اليد فيه أو بصب الماء عليهما فأشبه المستعمل في رفع الحدث بجامع استعمالهما في طهارة تعبد (^٨).
نوقش:
بأنه لا يصح قياسه على رفع الحدث، لأن هذا ليس بحدث (^٩).
_________________
(١) رواه ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال (٦/ ٣٧٢)، وقال: (قوله في هذا المتن فليهريق ذلك الماء منكر لا يحفظ). وقال الحافظ في الفتح (١/ ٢٦٣): (إنه ضعيف).
(٢) انظر: الشرح الكبير (١/ ١٧).
(٣) كما تقدم قبل قليل تضعيفه.
(٤) رواه مسلم في كتاب الطهارة باب كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك في نجاستها في الإناء قبل غسلها ح ٢٧٨ (١/ ٢٣٣)، ورواه البخاري غير أنه لم يذكر العدد، في كتاب الوضوء، باب الاستجمار وترًا ح/١٦٢، الصحيح مع الفتح (١/ ٢٦٣).
(٥) انظر: المغني (١/ ٣٥)، شرح العمدة (١/ ٧٥)، مجموع الفتاوى (٢٩/ ٢٨١)، (٣٢/ ٨٧).
(٦) انظر: الحاوي الكبير (١/ ١٠٢)، بداية ا لمجتهد (١/ ١٧)، المغني (١/ ١٤٠).
(٧) انظر: شرح العمدة (١/ ١٧٤).
(٨) انظر: المغني (١/ ٣٥).
(٩) انظر: المغني (١/ ٣٥).
[ ٤٩ ]
أدلة أصحاب القول الثالث: (القائلين بطهوريته):
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ﴾ (^١) الآية.
وجه الدلالة:
أن الله سبحانه أمر في الآية بالوضوء، ولم يذكر قبل غسل الوجه واجبًا، فلا يؤثر غمسهما في الماء على طهوريته (^٢).
نوقش:
بأنه قد ثبت عن - ﷺ - الأمر بغسل الكفين قبل غمسهما عند القيام من النوم، كما في حديث أبي هريرة السابق.
الدليل الثاني: أنه ماء لاقى أعضاء طاهرة فبقى على أصله (^٣).
الدليل الثالث: أن هذا الماء قبل انفصاله عن اليدين طهور بيقين، فلا تزول طهوريته بالشك والوهم (^٤).
الدليل الرابع: أنه لم يرفع حدثًا أشبه التبرد به (^٥).
الترجيح:
الراجح والله أعلم هو القول الأخير القائل بعدم بطلان طهورية الماء بذلك مطلقًا، لقوة ما استدلوا به، ولأن ما ثبت بقين لا يرفع إلا بقين مثله، فلا تسلب طهورية الماء بالشك؛ ذلك لأن الاحتياط بمجرد الشك في أمور المياه ليس مستحبًا ولا مشروعًا (^٦).
_________________
(١) المائدة:٦.
(٢) انظر: شرح العمدة (١/ ١٧٥).
(٣) انظر: المبدع (١/ ٤٧).
(٤) انظر: الفتاوى الكبرى (١/ ٢١٤).
(٥) انظر المغني (١/ ٣٥).
(٦) انظر: الفتاوى الكبرى (١/ ٢٢٤).
[ ٥٠ ]