اختيار القاضي:
اختار -﵀أنه يجب مسح جميع الرأس موافقًا المشهور من مذهب الحنابلة، كما سيأتي.
فقال ﵀: (مسألة: واختلفت في مسح جميع الرأس، فنقل حرب وجوب مسح جميعه، وهو اختيار الخرقي، وهو أصح) (^١).
تحرير محل النزاع:
اتفق العلماء على أن مسح الرأس من فروض الوضوء، واختلفوا في القدر المجزئ منه (^٢).
سبب الخلاف:
سببه هو اختلافهم في الباء المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) (^٣) الآية هل هي للإلصاق أو للتبعيض؟ فمن قال: إنها للتبعيض أوجب مسح بعض الرأس لا كله، ومن قال: إنها للإلصاق أوجب مسحه كله (^٤).
_________________
(١) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٧٢).
(٢) انظر: بداية المجتهد (١/ ١٩).
(٣) المائدة:٦.
(٤) انظر: بداية المجتهد (١/ ١٩).
[ ١٦٥ ]
الأقوال في المسألة:
اختلف الفقهاء في ذلك إلى قولين في الأصل:
القول الأول: أنه لا يجب مسح الرأس كله، بل يجزئ مسح بعضه (^١).
وهذا قول الحنيفة (^٢) والشافعية (^٣) ورواية عند أحمد (^٤) وقول لبعض أصحاب مالك (^٥)،وهو قول داود الظاهري (^٦).
القول الثاني: أنه يجب مسح جميع الرأس.
وبهذا قال المالكية (^٧) والحنابلة (^٨).
_________________
(١) هذا هو رأي من قال بذلك في الجملة وإلا لهم تفاصيل في الحد المجزي من المسح.
(٢) انظر: شرح فتح القدير (١/ ١٧) وحاشية رد المحتار (١/ ٩٩)، وبدائع الصنائع (١/ ٤).
(٣) انظر: الأم (١/ ٢٦) المجموع (١/ ٣٩٨)، ومغني المحتاج (١/ ٣) ونهاية المحتاج (١/ ١٧٤).
(٤) انظر: الإنصاف ١/ ١٦١؛ والمغني ١/ ١٢٥.
(٥) انظر: التمهيد ٢٠/ ١٢٦؛ والاستذكار ١/ ١٦٨؛ والكافي ص ٢٢.
(٦) انظر: والاستذكار ١/ ١٦٩؛ والمحلى ص ٢٩٧ - ٢٩٨.
(٧) انظر: المدونة (١/ ١٦١)، وحاشية الدسوقي (١/ ٨٨)، والتمهيد (٣٠/ ١٢٥)، والاستذكار (١/ ١٦٧)
(٨) انظر: الإنصاف (١/ ١٦١)، كشاف القناع (١/ ٩٨) وشرح منتهى الإرادات (١/ ٤٥ - ٤٦).
[ ١٦٦ ]
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
الدليل الأول: من الكتاب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (^١) الآية.
وجه الاستدلال عندهم في هذه الآية:
قالوا: أن الله قال: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ والباء هنا للتبعيض وليست للإلصاق.
وقالوا: إذا دخلت الباء على مفعول يتعدى بنفسه كانت للتبعيض كقوله تعالى:
﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ وإن لم يتعد فللإلصاق، كقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (^٢) فيكون معنى الآية: "وامسحوا ببعض رؤوسكم" (^٣).
وأجيب عن ذلك:
بأن قولهم أن الباء للتبعيض غير صحيح ولا يعرف أهل العربية ذلك، قال ابن قدامة: قال ابن برهان (^٤): "من زعم أن الباء تفيد التبعيض فقد جاء أهل اللغة بما لا يعرفونه" (^٥). أ. هـ.
الدليل الثاني: عن المغيرة بن شعبة (^٦): (أن رسول الله - ﷺ - توضأ ومسح بناصيته (^٧)، وعلى العمامة وعلى خفيه) (^٨).
وجه الاستدلال من هذا الحديث:
قالوا: إن الرسول - ﷺ - مسح على ناصيته، والناصية: مقدمة الرأس، فهذا دليل على أن مسح بعض الرأس يجزئ ولو كان مسح جميع الرأس واجبًا لفعله النبي - ﷺ -.
وأجيب عن ذلك:
بأن هذا ورد مع العمامة، فالرسول - ﷺ - مسح بناصيته وعلى العمامة فلا يتم الاستدلال بالحديث على محل النزاع؛ لأن النزاع في مسح بعض الرأس مكشوفًا، ولو جاز الاقتصار على الناصية لما مسح على العمامة (^٩)، فدل هذا على أن هذا الحديث ليس فيه حجة لهم فيما ذهبوا إليه.
_________________
(١) المائدة:٦.
(٢) الحج:٢٩.
(٣) انظر: الحاوي الكبير (١/ ١١٥).
(٤) عبد الواحد بن علي بن برهان العكبري، أبو القاسم شيخ العربية، سكن بغداد، وكان مضطلعًا بعلوم كثيرة منها: النحو، واللغة، ومعرفة النسب، والحفظ لأيام العرب، وأخبار المتقدمين، وله أنس شديد بعلم الحديث، مات يوم الأربعاء سلخ جمادى الأولى من سنة ست وخمسين وأربعمائة. تاريخ بغداد ١١/ ١٧؛ وسير أعلام النبلاء ١٨/ ١٢٤.
(٥) المغني (١/ ١٢٦)
(٦) هو المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود الثقفي، أحد دهاة العرب وقادتهم وولاتهم، صحابي، يقال له مغيرة الرأي، أسلم قبل عمرة الحديبية، وشهدها واليمامة وفتوح الشام، وذهبت عينه يوم اليرموك، وشهد القادسية ونهاوند وهمدان، ولاه عمر ثم عثمان، ثم ولاه معاوية الكوفة وتوفي بها سنة ٥٠ هـ. انظر ترجمته في: الإصابة (٣/ ٤٥٢)، وأسد الغابة (٤/ ٤٠٦).
(٧) الناصية: مقدم الرأس. انظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود ١/ ٢٥٥.
(٨) أخرجه مسلم من حديث طويل ذكر فيه كيفية وضوء النبي - ﷺ - في كتاب الطهارة، باب المسح على الناصية والعمامة، حديث رقم (٢٧٤) ١/ ٢٣٠ - ٢٣١.
(٩) انظر: تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق ١/ ٣٧٣.
[ ١٦٧ ]
الدليل الثالث: عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: (رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ وعليه عمامة قطرية (^١)، فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة) (^٢).
ويجاب عن الاستدلال بهذا الحديث بأمرين:
أولًا: بأن هذا الحديث ضعيف (^٣).
ثانيًا: لو صح فإنه يحمل على أن النبي - ﷺ - مسح على مقدمة رأسه لوجود العمامة عليه، ومعروف أن العمامة يمسح عليها فاكتفي عن بقية الرأس بالمسح على العمامة، وإن لم يكن في هذا الحديث تصريح بالمسح على العمامة إلا أنه يحمل على الأحاديث التي رواها المغيرة بن شعبة والتي فيها التصريح بالمسح على العمامة وهي أصح من هذا الحديث.
أدلة أصحاب القول الثاني:
الدليل الأول: من الكتاب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (^٤) الآية.
وجه الاستشهاد من هذه الآية: قالوا: إن الباء في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ للإلصاق وليست للتبعيض، فكأنه قال: "وامسحوا رؤوسكم" (^٥) فمن مسح بعض رأسه لم يصدق عليه أنه مسح رأسه (^٦)، فالباء هنا للإلصاق كما في آية التيمم وهي قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾.
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (^٧).
وجه الاستشهاد من هذه الآية:
قالوا: إن الإجماع منعقد على أنه لا يجوز الطواف ببعض البيت، فكذلك الرأس لا يجزئ مسح بعضه (^٨).
_________________
(١) قطرية: بكسر القاف وسكون الطاء المهملة، هو ضرب من البرود فيه حمرة ولها أعلام فيها بعض الخشونة، وقيل: حلل جياد وتحمل من البحرين من قرية تسمى قطرًا. انظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود ١/ ٢٥٠ - ٢٥١.
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب المسح على العمامة، حديث رقم (١٤٧) ١/ ١٠٢ - ١٠٣؛ وأخرجه ابن ماجة في كتاب الطهارة، باب ما جاء في المسح على العمامة، حديث رقم (٥٦٤) ١/ ١٨٦ قال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب ص ٦٧٤: "أبو معقل، عن أنس، في المسح على العمامة مجهول". أ. هـ. وقال الذهبي: أبو معقل عن أنس في المسح على العمامة لا يعرف، وقال ابن القطان: مجهول، انظر: حاشية التلخيص الحبير ١/ ٥٨.
(٣) انظر: التخريج السابق للحديث.
(٤) المائدة:٦.
(٥) انظر: شرح منتهى الإرادات ١/ ٤٥ - ٤٦.
(٦) انظر: الاستذكار ١/ ١٦٨.
(٧) الحج:٢٩.
(٨) الاستذكار ١/ ١٦٨.
[ ١٦٨ ]
الدليل الثالث: من السنَّة ما ثبت عن عبد الله بن زيد أن رجلًا (^١) قال له: أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله - ﷺ - يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم فذكر الحديث إلى أن قال: "ثم مسح رأسه بيده فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه ثم غسل رجليه" (^٢).
فقالوا: هذا دليل على أنه - ﷺ - كان يعمم المسح على رأسه كله؛ لأن عبد الله بن زيد قال في آخر الحديث: (هكذا كان وضوء رسول الله - ﷺ -).
الترجيح:
بعد عرض قولي العلماء في هذه المسالة وأدلتهم في ذلك يتبيَّن عندي -والله أعلم- أن القول الراجح في هذه المسألة: القول الثاني القائل بأنه يجب مسح جميع الرأس، ولا يجزئ مسح بعضه للأسباب الآتية:
أولًا: قوة أدلتهم وضعف أدلة المخالفين، "فالباء" في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ الراجح أنها ليست للتبعيض، فهي إما أن تكون زائدة مؤكدة ليست للتبعيض، والمعنى "امسحوا رؤوسكم، أو تكون للإلصاق (^٣)
ثانيًا: إن في حديث عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري ما يدفع هذا الإشكال فهو - ﵁ - وصف وضوء النبي - ﷺ - الذي جاء فيه: " ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه؛ ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه " الحديث، خصوصًا وأنه ورد عند مسلم: هكذا كان وضوء رسول الله - ﷺ -، فهذا الحديث ثابت صحيح يدل على أنه - ﷺ - مسح على جميع رأسه، فهذا هو المجزئ دون غيره إذا عرفنا أن الأحاديث التي استدل بها المخالف على جواز مسح بعض الرأس إما أنها لا تدل على محل النزاع أو أنها ضعيفة لا تقارن بهذا الحديث.
ثالثًا: إن مسح جميع الرأس فيه خروج من الخلاف والخروج من الخلاف مستحب، وقد نص بعض أهل العلم على أن استيعاب الرأس بالمسح أحد فروع هذه القاعدة (^٤).
_________________
(١) الرجل هو: عمرو بن أبي حسن. انظر: فتح الباري (١/ ٢٩٠).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب مسح الرأس كله ١/ ٥٤ - ٥٥؛ وأخرجه مسلم بلفظ مقارب في كتاب الطهارة، باب في وضوء النبي - ﷺ - حديث رقم ١/ ٢١٠.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٨٧)،تيسير الكريم الرحمن للسعدي (٢/ ٢٥١).
(٤) انظر: الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية ١/ ١٣٦.
[ ١٦٩ ]