اختيار القاضي:
اختار القاضي -﵀أن التسمية عند ابتداء الوضوء واجبة على الذاكر وتسقط سهوًا، موافقًا في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي في ذكر الأقوال.
قال المرداوي ﵀: (التسمية واجبة في أصح الروايتين، في طهارة الحدث كلها: الوضوء، والغسل، والتيمم اختارها القاضي) (^١).
الأقوال في المسألة:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن التسمية عند ابتداء الوضوء سنة.
وبه قال: الحنفية (^٢)،والمالكية وهي عندهم من الفضائل لا السنن (^٣)،والشافعية (^٤)، ورواية عن الإمام أحمد (^٥).
القول الثاني أن التسمية عند ابتداء الوضوء واجبة على الذاكر دون الناسي.
وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٦)، وهو اختيار القاضي أبي يعلى كما تقدم.
القول الثالث: أن التسمية عند ابتداء الوضوء واجبة لا تسقط بجهل أو نسيان.
وهو رواية عن الإمام أحمد (^٧).
_________________
(١) انظر: الإنصاف (١/ ١٢٩،١٢٨).
(٢) انظر: البحرالرائق (١/ ٢٥٥)، الدر المختار (١/ ٣٥٠).
(٣) انظر: الفواكه الدواني (١/ ١٤٧)، التاج والإكليل (١/ ٣٨٣).
(٤) انظر: اللباب (١/ ٧٤)، المجموع (٢/ ٢٣٣).
(٥) انظر: المستوعب (١/ ٣٠١)، الفروع وتصحيحه (١/ ٢٩٩).
(٦) انظر: الإنصاف (١/ ١٢٩،١٢٨)، كشاف القناع (١/ ٤٢١).
(٧) انظر: الإنصاف (١/ ١٢٩).
[ ١٤٧ ]
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ الآية. (^١)
الدليل الثاني: عن رفاعة بن رافع (^٢)، أن رسول الله - ﷺ -: قال له: (توضأ كما أمرك الله) (^٣) الحديث.
وجه الدلالة من الآية والحديث:
أن الوضوء الذي أمر الله به في الآية، والذي وجه النبي - ﷺ - رفاعة لأن يمتثله لم يرد فيه ذكر التسمية.
الدليل الثالث: من المعقول قالوا: إنها طهاة لا تفتقر إلى تسمية كالطهارة من النجاسة، أو هي عبادة لا تجب فيها التسمية كسائر العبادات (^٤).
واستدلوا للاستحباب بأن التسمية مستحبة في جميع العبادات، وغيرها من الأفعال حتى عند الجماع، لذا عقد البخاري في صحيحه بابًا في ذلك فقال: باب التسمية على كل حال وعند الوقاع.
واحتج بحديث ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: (لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فقضي بينهما ولد لم يضره) (^٥).
فإذا كان حال الوقوع أبعد حال من ذكر الله تعالى، ومع ذلك تسن التسمية فيه، ففي سائر الأحوال من باب أولى (^٦).
نوقش:
بأنه جاء في حديث أبي هريرة الأمر بالتسمية كما سيأتي، والأمر للوجوب.
_________________
(١) المائدة:٦.
(٢) هو رفاعة بن رافع بن مالك، أبو معاذ، الرزقي الأنصاري الخزرجي صحابي - ﵁ - روى عنه ابناه عبيد ومعاذ وابن أخيه يحيى بن خلاد بن رافع وغيرهم. قال ابن إسحاق: إنه ممن شهد بدرا وأُحدا والخندق وبيعة الرضوان، والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ - توفي سنة ٤١ هـ. انظر ترجمته: الاستيعاب (٢/ ٤٩٧)،وأسد الغابة (٢/ ٧٣).
(٣) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، ح/٨٦١، (١/ ٢٢٨)، والترمذي وحسنه، أبواب الصلاة، باب ما جاء في وصف الصلاة، ح/٣٠٢ (٢/ ٢٠٢).
(٤) انظر: المغني (١/ ٧٣).
(٥) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب التسمية على كل حال وعند الوقاع، ح/١٤١، (١/ ٤٠)،ومسلم، كتاب النكاح، باب مايستحب أن يقوله عند الجماع، ح/١٤٣٤، (٢/ ١٠٥٨).
(٦) انظر: شرح ابن بطال (١/ ٢٣٠)،المجموع (١/ ٣٤٤).
[ ١٤٨ ]
أدلة أصحاب القول الثاني:
استدلوا بأن التسمية عند ابتداء الوضوء واجبة بحديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه) (^١)
ونوقش من وجهين:
الوجه الأول: أنه حديث ضعيف (^٢).
الوجه الثاني: على فرض صحته أنه محمول على نفي الكمال دون الإجزاء (^٣).
أدلة أصحاب القول الثالث:
استدل أصحاب القول ا لثالث القائلين بأن التسمية واجبة عمدًا وسهوًا، بحديث أبي هريرة السابق، وقالوا: الحديث عام يشمل العمد والسهو.
ويناقش:
بعموم قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ الآية. (^٤)
ولأن الوضوء عبادة تتغاير أفعالها فكان في واجباتها ما يسقط بالسهو كالصلاة (^٥).
الترجيح:
الراجح والله أعلم هو القول الأول القائل بأن التسمية عند ابتداء الوضوء سنة، لقوة ما استدلوا به ولمناقشة أقوال المخالفين.
ثمرة الخلاف:
أن من قال إنها سنة فلا يؤثر تركها نسيانًا أو عمدًا على صحة الوضوء، ومن قال إنها واجبة مع الذكر قال: الوضوء غير صحيح بتركها عمدًا، ومن قال: لا تسقط نسيانًا ولا عمدًا قال: ببطلان الوضوء بدونها.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (٩٤٠٨)، وأبو داود، كتاب الطهارة، باب في التسمية على الوضوء، ح/١٠١، (١/ ٢٥)،والترمذي، أبواب الطهارة، باب في التسمية على الوضوء، ح/٢٥، (١/ ٣٨): ثم قال: (قال أحمد بن حنبل: لا أعلم في هذا الباب حديثا له إسناد جيد).
(٢) انظر: تخريج الحديث.
(٣) انظر: الحاوي الكبير (١/ ١٠١).
(٤) البقرة: ٢٨٦.
(٥) انظر: المغني (١/ ٧٧).
[ ١٤٩ ]