المقصود بالمسألة: حكم عظم الميتة من حيث الطهارة والنجاسة.
اختيار القاضي:
اختار -﵀نجاسة عظم الميتة موافقًا في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة، كما سيأتي في ذكر الأقوال في المسألة.
فقال ﵀: (وعظم الميتة نجس) (^١).
تحرير محل النزاع:
اتفق الفقهاء على طهارة عظام ما لا ينجس بالموت كالسمك (^٢)،وإنما اختلفوا في عظام الميتة إذا كانت مما ينجس بالموت كبهيمة الأنعام.
سبب الخلاف:
السبب هو اختلافهم فيما ينطلق عليه اسم الحياة من أفعال الأعضاء، فمن رأى أن النمو والتغذي هو من أفعال الحياة قال: إن العظام إذا فقدت النمو والتغذي فهي ميتة، ومن رأى أنه لا ينطلق اسم الحياة إلا على الحس قال: العظام ليست بميتة؛ لأنها لا حس لها (^٣).
_________________
(١) انظر: الجامع الصغير (ص ٣٠).
(٢) انظر: المغني (١/ ١٠٠)، الشرح الكبير (١/ ٢٨).
(٣) انظر: بداية المجتهد (١/ ٨٥).
[ ١٠٢ ]
الأقوال في المسألة:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن عظام الميتة طاهرة.
وبه قال: الحنفية (^١)، ومالك في رواية (^٢)، وأحمد في رواية (^٣)، اختارها ابن تيمية (^٤).
القول الثاني: أن عظام الميتة نجسة.
وبه قال: المالكية (^٥)، والشافعية (^٦)، والحنابلة (^٧).
_________________
(١) انظر: اللباب (١/ ٩٩)،رؤوس المسائل (١/ ٩٩)،المبسوط (١/ ٢٠٣)،بدائع الصنائع (١/ ١٦٣).
(٢) انظر: الشرح الصغير (١/ ٢١،٢٠).
(٣) شرح العمدة (١/ ١٢٨)،شرح الزركشي (١/ ١٥٧).
(٤) انظر: الفتاوى الكبرى (١/ ٢٦٧)،مجموع الفتاوى (٢١/ ٩٧).
(٥) انظر: التلقين (١/ ٦٥)،بداية المجتهد (١/ ٨٥)،الكافي (١/ ٤٤٠)،الشرح الصغير (١/ ٢١،٢٠).
(٦) انظر: مختصر الخلافيات (١/ ١٥٧)،الحاوي الكبير (١/ ٧٣)،المجموع (١/ ٢٣٦).
(٧) انظر: المغني (١/ ٩٧)،شرح العمدة (١/ ١٢٨)،الإنصاف (١/ ٩٢)،كشاف القناع (١/ ٥٧،٥٦).
[ ١٠٣ ]
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
الدليل الأول: مارواه ثوبان (^١) - ﵁ - أن رسول - ﵃ - قال: (يا ثوبان اشتر لفاطمة (^٢) قلادة من عصب (^٣)، وسوارين من عاج (^٤» (^٥).
الدليل الثاني: عن أنس قال: (رأيت رسول الله - ﷺ - يمتشط بمشط من عاج) (^٦).
ونوقش:
أنهما حديثان ضعيفان فلا حجة فيهما.
الدليل الثالث: ما قاله الزهري (^٧) -﵀في عظام الموتى من الفيل وغيره: (أدركت ناسًا من سلف العلماء يمتشطون بها، ويدهنون فيها، لا يرون به بأسًا) (^٨).
ونوقش:
بأن بعض السلف كرهوا عظام الفيل والعاج، والا متشاط بذلك لأنها ميتة (^٩)، وإذا اختلف السلف لم يجز المصير لقول أحدهم إلا بدليل.
_________________
(١) ثوبان مولى رسول - ﷺ - سبي من أرض الحجاز، فاشتراه - ﷺ - وأعتقه ولزم النبي - ﷺ - وحفظ عنه كثيرًا من العلم مات بحمص سنة ٥٤ هـ. انظر ترجمته: سير أعلام النبلاء (٣/ ١٥)،شذرات الذهب (١/ ٥٩).
(٢) هي فاطمة الزهراء بنت رسول - ﷺ - الهاشمية القرشية ولدت سنة بناء الكعبة، وقيل قبل البعثة بنحو سنة تقريبًا وتوفيت سنة ١١ هـ، بعد وفاة أبيها - ﷺ - بنحو ستة أشهر. انظر ترجمتها في: الإصابة (٤/ ٣٦٥) برقم ٨٣٠.
(٣) العصب: بفتح الصاد، هي أطناب مفاصل الحيوانات التي تلائم بينها وتشدها. انظر: النهاية (٣/ ٢٤٥).
(٤) العاج: الذبل. وقيل: شيء يتخذ من ظهر السلحفاة البحرية. فأما العاج الذي هو عظم الفيل فنجس عند الشافعي، وطاهر عند أبي حنيفة. انظر: النهاية (٣/ ٢٤٥).
(٥) رواه الإمام أحمد (٥/ ٢٧٥)،وأبوداود، كتاب الترجل، باب ماجاء في الانتفاع بالعاج ح/٤٢١٣ (٤/ ٤٢٠،٤١٩)، وضعفه الإمام أحمد، وابن معين، وابن تيمية، انظر: التحقيق لابن الجوزي (١/ ٩٣،٩٢)،الفتاوى الكبرى (١/ ٢٦٩).
(٦) رواه البيهقي في الكبرى وضعفه (١/ ٢٦)، وضعفه أيضًا النووي في المجموع (١/ ٢٣٨).
(٧) والزهري هو: محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري تابعي من كبار الحفاظ والفقهاء، ولد سنة ٥٨ هـ، وهو أول من دون الأحاديث النبوية، ودون معها فقه الصحابة، قال أبو داود: جميع حديث الزهري " ٢٢٠٠ " حديث. أخذ عن بعض الصحابة، توفي سنة ١٢٤ هـ. انظر: تهذيب الكمال ٢٦/ ٤١٩. سير أعلام النبلاء ٥/ ٣٢٦.
(٨) رواه البخاري في صحيحه معلقًا، كتاب الوضوء، باب مايقع من النجاسات في السمن والماء صحيح البخاري مع االفتح (١/ ٣٤٢).
(٩) انظر: مصنف عبدالرزاق (١/ ٦٨)،برقم ٢٠٩،٢١٢،ومصنف ابن أبي شيبة (٨/ ٥٧٩)، والأوسط لابن المنذر (٢/ ٢٨١).
[ ١٠٤ ]
أدلة أصحاب القول الثاني:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (^١).
وجه الدلالة:
أن العظام جزء من الميتة فيكون حراما (^٢).
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ (^٣).
وجه الدلالة:
أن العظم يحيا بحياة الحيوان ويموت بموته، فدل على أن العظم من الميتة فيكون نجسًا مثلها (^٤).
الدليل الثالث: حديث جابر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (لا تنتفعوا من الميتة بشيء) (^٥).
وجه الدلالة:
أن (شيء) نكرة في سياق النهي فتعم كل أجزاء الميتة (^٦).
الترجيح:
الراجح والله أعلم هو القول الأخير القائل بنجاسة عظام الميتة، لقوة أدلتهم ولضعف ما استدل به المخالفون لهم.
_________________
(١) المائدة:٣.
(٢) انظر: المغني (١/ ٩٨).
(٣) يس الآيتان: (٧٩،٧٨).
(٤) انظر: الأوسط (٢/ ٢٨٣).
(٥) رواه الطحاوي شرح معاني الآثار، باب دباغ الميتة هل يطهرها أم لا؟ (١/ ٤٦٩،٤٦٨)، وقال الحافظ في التلخيص (١/ ٤٨)،في إسناده زمعة بن صالح وهو ضعيف.
(٦) انظر: شرح معاني لاآثار (١/ ٤٦٩).
[ ١٠٥ ]