اختيار القاضي:
اختار -﵀انتقاض وضوء من مسه ذكره بغير شهوة موافقًا في ذلك ا لمشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي.
قال ﵀: (مسألة: واختلفت إذا مسه بغير شهوة، فنقل أبو داود نقض الوضوء وهو أصح) (^١).
تحرير محل النزاع:
اتفق الأئمة الأربعة -﵏- على أن من مس الذكر من وراء حائل لا ينقض الوضوء (^٢)، واختلفوا في مس الذكر مباشرة هل هو يوجب الوضوء أو لا يوجبه؟
سبب الخلاف:
السبب هو اختلافهم في الأحاديث والآثار المتعارضة في هذه المسألة، فاختلف العلماء تبعًا لذلك (^٣).
_________________
(١) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٨٤).
(٢) انظر: شرح فتح القدير (١/ ٥٤ - ٥٦)، وقوانين الأحكام الشرعية ص ٢٧؛ والخرشي على مختصر خليل (١/ ١٥٦ - ١٥٧)، والأم (١/ ١٩) وفي الإنصاف (١/ ٢٠٢).
(٣) انظر: بداية المجتهد (١/ ٣٥).
[ ٢٣٩ ]
الأقوال في هذه المسألة:
اختلف العلماء فيها على أربعة أقوال:
القول الأول: لا ينتقض الوضوء بمس الذكر مطلقًا.
وبه قال: أبو حنيفة وأصحابه (^١)، ورواية للإمام أحمد (^٢).
القول الثاني: أن مس الذكر ناقض للوضوء، فمن مس ذكره فيجب عليه الوضوء.
وبه قال: المالكية (^٣)، والشافعية (^٤)، وابن حزم (^٥)، وأحمد -في أشهر الروايتين عنه وهي المذهب عند الحنابلة (^٦)، وهي اختيار القاضي أبي يعلى كما تقدم.
القول الثالث: أن الوضوء من مس الذكر مستحب لا واجب.
وهذا قول للمالكية (^٧)،ورواية عن الإمام أحمد (^٨)، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (^٩).
القول الرابع: التفريق بين اللمس بشهوة واللمس بغير شهوة، فمن لمس ذكره بشهوة انتقض وضوءه، أما اللمس بغير شهوة فلا ينتقض الوضوء، وهذه رواية للإمام مالك (^١٠) ورواية للإمام أحمد (^١١).
_________________
(١) انظر: شرح فتح القدير (١/ ٥٤ - ٥٦)،وحاشية رد المختار (١/ ١٤٧).
(٢) انظر: الانتصار (١/ ٣٢٦)، شرح العمدة (١/ ٣٠٥)، شرح الزركشي (١/ ٢٤٦)،الإنصاف (١/ ٢٠٢).
(٣) انظر: الإشراف (١/ ١٤٨)، المعونة (١/ ١٥٦)، كتاب الكافي (١/ ١٤٩)، بداية المجتهد (١/ ٣٤).
(٤) انظر: الحاوي الكبير (١/ ١٨٩)، المجموع (٢/ ٤١).
(٥) انظر: المحلى (١/ ٢٣٥).
(٦) انظر: المبدع (١/ ١٦٠)، الإنصاف (١/ ٢٠٢)، شرح المنتهى (١/ ٧١)، الروض المربع (١/ ٢٤٧)، كشاف القناع (١/ ١٢٦).
(٧) انظر: التمهيد (١٧/ ٢٠٢).
(٨) انظر: شرح العمدة (١/ ٣٠٥)، شرح الزركشي (١/ ٢٤٦)،الإنصاف (١/ ٢٠٢).
(٩) انظر: مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٤١).
(١٠) انظر: المدونة (١/ ١٢١)،بداية المجتهد (١/ ٤٥)، القوانين الفقهية (١/ ٢٢).
(١١) انظر: الإنصاف (١/ ٢٠٢).
[ ٢٤٠ ]
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول: القائلين بعدم النقض بالمس مطلقًا.
الدليل الأول: حديث قيس بن طلق (^١)، عن أبيه (^٢) -﵁-، قال: قدمنا على نبي الله ^ فجاء رجل كأنه بدوي، فقال: يا نبي الله، ما ترى في مسّ الرجل ذكره بعدما يتوضأ؟ أعليه الوضوء؟ فقال: (هل هو إلا مُضْغة (^٣) منه)، أو قال: (بَضْعة (^٤) منه) (^٥).
وجه الدلالة:
أنه نص صريح في عدم نقضه للوضوء.
نوقش من خمسة أوجه:
الوجه الأول: أنه ضعيف، فلا حجة فيه (^٦).
وأجيب عنه:
بأن من أهل العلم من صححه (^٧)، بل قال الترمذي (^٨): هذا الحديث أحسن شيء في هذا الباب (^٩).
_________________
(١) هو قيس بن طلق بن علي الحنفي ا ليمامي، تابعي مشهور، أبوه صحابي صدوق، وثقه العجلي، وذكره ابن حبان في الثقات، انظر ترجمته في: الإصابة (٣/ ٢٦٨) برقم: ٧٣٥٨، تهذيب التهذيب (٨/ ٣٩٨) برقم ٧٠٨.
(٢) هو طلق بن علي بن طلق بن عمرو الحنفي، اليمامي، السحيمي، أبو علي، صحابي مشهور، قال الحافظ: له صحبة ووفادة ورواية. انظر ترجمته في: أسماء الصحابة الرواة: ١٣٨ برقم ١٤٧، الإصابة (٢/ ٢٢٤) برقم ٤٢٨٣، تهذيب التهذيب (٥/ ٣٣) برقم ٥١.
(٣) المُضْغَةُ: القطْعَةُ من اللحم، قَدْرَ ما يُمْضَغُ وجمعها: مُضَغُ، انظر: النهاية (٤/ ٣٣٩)، لسان العرب (٨/ ٤٥١).
(٤) البَضْعة: بفتح الباء أو كسرها وإسكان الضاد، هي القطعة، من اللحم، انظر: النهاية (١/ ١٣٣)، لسان العرب (٨/ ١٢).
(٥) رواه أحمد (٤/ ٢٢، ٢٣)، وأبو داود، في كتاب الطهارة، باب الرخصة في ذلك، (١/ ١٢٧) برقم ١٨٢، واللفظ له، وابن ماجة، في كتاب الطهارة وسننها، باب الرخصة في ذلك (١/ ١٦٣) برقم ٤٨٣، والترمذي في أبواب الطهارة، باب ما جاء في ترك الوضوء من مس الذكر، (١/ ١٣١) برقم ٨٥، والنسائي في كتاب الطهارة، باب الوضوء من ذلك (١/ ١٠١) برقم ١٦٥، صححه ابن حبان والطبراني وابن حزم، وادعى النووي أن الحفاظ اتفقوا على تضعيفه، وردّه ابن عبد الهادي فقال: أخطأ من حكى الاتفاق على ضعفه، انظر: المحرر في الحديث (١/ ١٢٠)، التلخيص الحبير (١/ ١٢٥).
(٦) ضعفه الشافعي وأبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني انظر: المجموع (٢/ ٢٤٢)، شرح العمدة (١/ ٣٠٨)، والتلخيص الحبير (١/ ١٢٥).
(٧) انظر: المحرر في الحديث (١/ ١٢٠)، التلخيص الحبير (١/ ١٢٥).
(٨) هو محمد بن عيسى بن سَوْرَة بن الضحاك السلمي (أبو عيسى الترمذي)، الحافظ، المحدث، صاحب الجامع في السنن، والعلل، وغيرها، كان ممن جمع وصنّف وحفظ وذاكر، وهو أحد العلماء الذين يفتدى بهم في علم الحديث، مات بَترْمِذ في رججب سنة ٢٧٩ هـ. انظر ترجمته في: تذكرة الحافظ (٢/ ٦٣٣)، طبقات الحفاظ: ٢٨٢ برقم ٦٣٤، شذات الذهب (٢/ ١٧٤).
(٩) انظر: سنن الترمذي (١/ ١٣٢).
[ ٢٤١ ]
الوجه الثاني: أنه -على فرض صحته- منسوخ، فإن وفادة طلق بن علي (^١) على النبي - ﷺ - كانت في السنة الأولى من الهجرة، وهم يؤسسون المسجد، ورواة حديث إيجاب الوضوء من مس الذكر منهم أبو هريرة لم يسلم إلا بعد خيبر في السنة السابعة من الهجرة، وبسرة بنت صفوان أسلمت عام الفتح سنة ثمان من الهجرة (^٢).
ويجاب عنه:
بأنه لا يلزم من تقديم إسلام الراوي وهو طلق - ﵁ - القول بنسخ حديثه لاحتمال أن يكون حدث به عن غيره، أو أن النبي - ﷺ - حدث به بعد مدة طويلة من إسلام طلق لا في أول إسلامه، وإذا تطرق الاحتمال بطل الاستدلال، فيبطل القول بالنسخ.
_________________
(١) راوي حديث عدم النقض بلمس الذكر.
(٢) انظر: الانتصار (١/ ٣٣٥، ٣٣٦)، المغني (١/ ٢٤٢)، المجموع (٢/ ٤٣)، شرح العمدة (١/ ٣٠٨)، شرح الزركشي (١/ ٢٤٧).
[ ٢٤٢ ]
الوجه الثالث: أنه محمول على المسّ من وراء حائل، لأن في بعض روايات هذا الحديث عن طلق قال: خرجنا وفدًا حتى قدمنا على النبي - ﷺ - فبايعناه وصلينا معه، فلما قضى الصلاة، جاء رجل كأنه بدوي فقال: يا رسول الله ما ترى في جل مس ذكره في الصلاة، قال: (هل هو إلا مضغة منك)، أو (بضعة منك) (^١)، والمصلي في الغالب إنما يمسّه من فوق ثيابه (^٢).
وأجيب عنه:
بأن تعليل النبي - ﷺ - بقوله: إنما هو بضعة منك يرد احتمال كونه من وراء حائل (^٣)، ولو كان المراد به ذلك لقال: إنك لم تباشره بالمس، وإنما مسسته من وراء حائل فلا ينتقض وضوؤك، ولكنه عدل عن هذا التعليل إلى تعليل بعلة لا يمكن أن تزول، إذ لا يمكن أن يكون ذكر الإنسان ليس بضعة منه، والحكم يدور مع علته وهذه العلة لا تزول، فلا يزول الحكم (^٤).
الوجه الرابع: أن حديث النقض بالمس ناقل عن الأصل، وحديث عدم النقض مبق على الأصل، والناقل عن الأصل أولى بالترجيح فإنه معه زيادة علم، وإلا للزم القول بالنسخ مرتين (^٥)، فيترجح حديث بسرة وما في معناه على حديث طلق، لأن حديثها ناقل عن الأصل، وحديثه مبق على الأصل.
_________________
(١) هذه رواية النسائي، في كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء من ذلك (١/ ١٠١) برقم ١٦٥.
(٢) انظر: المجموع (٢/ ٤٣).
(٣) انظر: شرح الزركشي (١/ ٢٤٧).
(٤) انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين (١/ ٣٢٥).
(٥) انظر: شرح العمدة (١/ ٣٠٨)، شرح الزركشي (١/ ٢٤٧).
[ ٢٤٣ ]
الوجه الخامس: أنه –على تقدير التعارض بين الحديثين- فإن أحاديث النقض أكثر رواة، وأصح إسنادًا، وأقرب إلى الاحتياط، وذلك يوجب ترجيحها، فإنه إن أعاد الوضوء وصلى، فإما أن يكون على وضوء فهو نور على نور، وإما أن يكون على غير وضوء فيكون مؤديًا فرضه بيقين (^١).
الدليل الثاني: حديث أبي أمامة -﵁- قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن مسّ الذكر، فقال: (إنما هو حِذيَة (^٢) منك) (^٣).
وجه الدلالة:
أنه إذا كان الذكر حذية من الإنسان أي قطعة منه فحكمه كسائر البدن، وسائر البدن لا ينتقض الوضوء بمسه فكذا مس الذكر.
نوقش:
بأنه حديث ضعيف، فلا حجة فيه (^٤).
الدليل الثالث: القياس: حيث أنه مس عضو منه فلم ينتقض كسائر الأعضاء (^٥).
نوقش: بأنه قياس مع الفارق فلا يصح، إذ الذكر تثور الشهوة بمسه غالبًا بخلاف غيره من الأعضاء (^٦)، وتتعلق بإيلاج الذكر أحكام كثرة لا تتعلق بشيء من البدن (^٧)، ثم هو قياس في مقابلة النص فيبطل (^٨).
_________________
(١) انظر: الانتصار (١/ ٣٣٦)، المجموع (٢/ ٤٣)، شرح العمدة (١/ ٣٠٩).
(٢) وفي بعض النسخ (جزء منك)، وفي بعضها: (حِذْوة منك) بمعنى القطعة من اللحم، وهذا اللفظ المذكور (حِذْيَة منك) بمعنى ما قطع طولًا من اللحم. قال محمد فؤاد عبد الباقي المحقق لسنن ابن ماجة، وأثبت لفظ (الجزء) ابن تيمية في شرح العمدة (١/ ٣٠٥)، والبوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ١٩٢).
(٣) رواه ابن ماجة، في كتاب الطهارة وسننها، باب الرخصة في ذلك (١/ ١٦٣)، برقم ٤٨٤.
(٤) قال البوصيري: هذا إسناد فيه جعفر بن الزبير، وقد اتفقوا على ترك حديثه واتهموه. انظر: مصباح الزجاجة (١/ ١٩٢) برقم ١٩٩، وشرح العمدة (١/ ٣٠٨).
(٥) انظر: المغني (١/ ٢٤١)، المجوع (٢/ ٤٢)، شرح العمدة (١/ ٣٠٥).
(٦) انظر: المجموع (٢/ ٤٣).
(٧) انظر: الانتصار (١/ ٣٣٨)، المغني (١/ ٢٤٢).
(٨) انظر: المجموع (٢/ ٤٣).
[ ٢٤٤ ]
أدلة أصحاب القول الثاني: القائلين بالنقض مطلقًا.
الدليل الأول: حديث بسرة (^١) بنت صفوان أنها سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ) (^٢).
الدليل الثاني: حديث أم حبيبة (^٣) ﵂ قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (من مس فرجه فليتوضأ) (^٤).
الدليل الثالث: حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - أنه قال: (من مس ذكره فليتوضأ، أيما امرأة مسَّت فرجها فلتتوضأ) (^٥).
_________________
(١) بسرة بنت صفوان بن نوفل بن أسد القرشية روت عن النبي - ﷺ - أحد عشر حديثًا. قال الشافعي: "لها سابقة وهجرة قديمة عاشت إلى ولاية عثمان". الإصابة (٤/ ٢٥٢).
(٢) أخرجه مالك في الموطأ في كتاب الطهارة، باب الوضوء من مسّ الفرج، حديث رقم (٥٨) ١/ ٤٢؛ وأحمد في المسند بلفظ مقارب ٦/ ٤٠٧؛ وأبو داود بلفظ مقارب في كتاب الطهارة، باب الوضوء من مسّ الذكر، حديث رقم (١٨١) ١/ ١٢٥ - ١٢٦؛ والترمذي في كتاب الطهارة، باب الوضوء من مسّ الذكر بلفظ أحمد، حديث رقم (٨٢) ١/ ١٢٦. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وقال البخاري: أصح شيء في هذا الباب حديث بسرة.
(٣) أم حبيبة هي: أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية القرشية الأموية كانت من السابقين إلى الإسلام، هاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش فولدت هناك حبيبة، فتنصر عبيد الله ومات بالحبشة نصرانيا وبقيت أم حبيبة مسلمة بأرض الحبشة، فأرسل رسول الله - ﷺ - يخطبها إلى النجاشي فتزوجها وهي بالحبشة روت عن النبي - ﷺ - أحاديث وعن زينب بنت جحش وروت عنها بنتها حبيبة وأخواها معاوية وعتبة وآخرون. توفيت سنة ٤٤ هـ. انظر: ترجمتها الإصابة (٤/ ٣٠٥)، وأسد الغابة (٥/ ٥٧٣).
(٤) أخرجه ابن ماجة في كتاب الطهارة، باب الوضوء من مسّ الذكر، حديث رقم (٤٨١) ١/ ١٦٢؛ والبيهقي في السنن الكبرى بلفظه في كتاب الطهارة ١/ ١٣٠؛ وصححه الإمام أحمد ويحيى بن معين وأبو زرعة والحاكم انظر: التلخيص الحبير (١/ ١٢٤).
(٥) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٢٢٣؛ والبيهقي بلفظ مقارب في كتاب الطهارة ١/ ١٣٢؛ وصححه البخاري انظر: التلخيص الحبير (١/ ١٢٤).
[ ٢٤٥ ]
الدليل الرابع: عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه، حتى لا يكون بينه وبينه حجاب ولا ستر، فليتوضأ وضوءه للصلاة) (^١).
وجه الدلالة:
أنها نصوص صريحة في وجوب الوضوء من مس الذكر.
ونوقشت:
بأنها أحاديث ضعيفه متكلم فيها، ضعفها يحيى بن معين (^٢)، وقال: ثلاثة أحاديث لا تصح وذكر منها أحاديث نقض الوضوء من مس الذكر (^٣).
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في كتاب الطهارة، باب ما روي في لمس القبل والدبر والذكر والحكم في ذلك ١/ ١٤٧؛ وأخرجه أحمد في المسند ٢/ ٣٣٣ بلفظ مقارب؛ والبيهقي بنحوه في كتاب الطهارة (١/ ١٣٠ - ١٣١).
(٢) هو أبو زكريا يحيى بن معين بن عون بن زياد بن بسطام، وقيل: اسم جدّه غياث بن زياد بن عون بن سطام، الغطفاني، ثم المَرّيَ، مولاهم البغدادي، أحد الأعلام الأئمة، شيخ المحدثين، الحافظ الجهْبذ، ولد سنة ١٥٨ هـ ومات سنة ٢٣٣ هـ، انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (١١/ ٧١)، برقم ٢٨، تذكرة الحفاظ (٢/ ٤٢٩، ٤٣١)، تهذيب التهذيب (١١/ ٢٨٠، ٢٨٨).
(٣) انظر: الانتصار (١/ ٣٢٧)، المجموع (٢/ ٤٢)، تنقيح التحقيق (١/ ٤٤٩، ٤٥٧).
[ ٢٤٦ ]
وأجيب عن ذلك من وجهين:
الوجه الأول: أن هذا الحديث صحيح صححه الجماهير من الأئمة الحفاظ، واحتج به الأئمة الأعلام أهل الحديث والفقه، فلا يقدح فيه تضعيف ابن معين، وقد خالفه الأكثرون فصححوه (^١).
الوجه الثاني: أنه قد جاء عن يحيى بن معين رواية بالنقض (^٢)، فإما أن يكون رجع عن قوله الأول، وإما أن يكون لم يثبت عنه (^٣)، وعلى كل حال فقوله الموافق للحديث أولى لا سيما وقد وافق فيه أكثر العلماء.
أدلة أصحاب القول القول الثالث: القائلين أن الوضوء من مس الذكر مستحب لا واجب.
استدلوا أيضًا بالأدلة الموجبة للوضوء من مس الذكر ولكنهم خصوا ذلك بما إذا كان ذلك بشهوة.
ويجاب عن ذلك:
بأن الأدلة عامة والتخصيص يحتاج إلى دليل ولا دليل معهم.
_________________
(١) انظر: المجموع (٢/ ٤٢).
(٢) فإنه لما اجتمع مع الإمام أحمد وابن المديني في مسجد الخيف بمنى -وتذاكروا نقض الوضوء بمس الذكر- قال يحيى: ينقض، واحتج بحديث بسرة. انظر: سنن الدارقطني (١/ ١٥٠)، الأوسط لابن المنذر (١/ ٢٠٤)، المستدرك للحاكم (١/ ١٣٩)، السنن الكبرى للبيهقي (١/ ١٣٦)، الاستذكار لابن عبد البر (٣/ ٢٧، ٢٨)، الانتصار (١/ ٣٢٩)، تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي، (١/ ٤٥٤)، تنقيح التحقيق للذهبي (١/ ٢١٥، ٢١٦)، التلخيص الحبير (١/ ١٢٢، ١٢٣).
(٣) انظر: الانتصار (١/ ٣٢٩)، تنقيح التحقيق (١/ ٤٥٤).
[ ٢٤٧ ]
أدلة أصحاب القول الرابع: القائلين بالتفريق بين اللمس بشهوة واللمس بغير شهوة، فمن لمس ذكره بشهوة انتقض وضوءه، استدل شيخ الإسلام ابن تيمية لهذا القول: بأن تحمل أحاديث الأمر بالوضوء من مس الذكر على الاستحباب وحمل الأمر على الاستحباب أولى من نسخ أحاديث عدم الوجوب، وبهذا تجتمع الأحاديث والآثار بحمل الأمر به على الاستحباب (^١).
الترجيح:
الأظهر والله أعلم هو ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أن الوضوء من مس الذكر مستحب مطلقًا وذلك لأنه القول الذي تجتمع به الأدلة بحمل الأمر بالوضوء في حديث بسرة للاستحباب، والنفي في حديث طلق لنفي الوجوب (^٢)؛ بدليل أنه سأل عن الوجوب فقال: (أعليه) وكلمة: (على) ظاهرة في الوجوب (^٣).
ولهذا قال شيخ الإسلام -﵀بعدما ساق الخلاف في المسألة: (الوضوء من مس الذكر مستحب لا واجب وهكذا صرح به الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه وبهذا تجتمع الأحاديث والآثار بحمل الأمر به على الاستحباب ليس فيه نسخ قوله: (وهل هو إلا بضعة منك؟)، وحمل الأمر على الاستحباب أولى من النسخ) (^٤).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٤١).
(٢) انظر: المجموع (٢/ ٤٢)، نيل الأوطار (١/ ٢٥١).
(٣) انظر: الشرح الممتع (١/ ٢٨٢).
(٤) مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٤١).
[ ٢٤٨ ]