اختيار القاضي:
اختار -﵀-: عدم كراهية النفخ إذا كان التراب كثيرًا، موافقًا في اختياره مذهب الحنابلة كما سيأتي.
فقال: (واختلفت في التيمم إذا علق على يديه تراب كثير هل يكره له نفخ التراب ليخف ما عليها؟ فنقل الميموني كراهية ذلك، ونقل جعفر بن محمد نفي الكراهية، وهو أصح لأن النبي - ﷺ - نفخ عن يديه التراب، ويمكن أن تحمل كراهيته لذلك إذا كان النفخ يذهب بجميع التراب، ولا يبقي له غبار يمسح به وجهه، فإنه لا يجوز ذلك) (^١).
الأقوال في المسألة:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يشرع النفخ مطلقًا سواء علق به تراب كثير أو قليل.
وبه قال: الحنفية (^٢)، والمالكية (^٣).
القول الثاني: التفصيل في ذلك، فإن كان التراب كثيرًا نفخ، وإن كان قليلًا لا ينفخ.
وبه قال: الشافعية (^٤)، والحنابلة ونصوا على كراهة نفخ القليل (^٥).
_________________
(١) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٨٩).
(٢) انظر: البحر الرائق (١/ ١٥٣)،أحكام القران للجصاص (٤/ ٢٧)، بدائع الصنائع (١/ ٤٦)،تبيين الحقائق (١/ ٣٨).
(٣) انظر: الذخيره (١/ ٣٥٢)، مواهب الجليل (١/ ٣٥٦)،الفواكه الدواني (١/ ١٥٧)،الشرح الكبير (١/ ١٥٨).
(٤) ونصوا على أن نفخ التراب الكثير سنة، انظر: الحاوي الكبير (١/ ٢٤٧)، البيان (١/ ٢٨٠)، المجموع (٢/ ٢٣٤).
(٥) وعند الحنابلة أنه مخير في نفخ الكثير بين الفعل والترك، وأما القليل فيكره نفخه. انظر: المغني (١/ ١٨٢)، المبدع (١/ ١٩٢)، شرح المنتهى للبهوتي (١/ ١٠١)، كشاف القناع (١/ ١٧٨).
[ ٢٨١ ]
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
الدليل الأول: عن عمار بن ياسر (^١) - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال له: (إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي - ﷺ - بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه) (^٢).
وجه الدلالة:
أن النبي - ﷺ - نفخ يديه في التيمم.
ونوقش:
بأنه علق بيده - ﷺ - شيء كثير من التراب، فأراد تخفيفه لئلا يبقى له أثر في وجهه (^٣).
ويجاب عنه:
بأن هذا مجرد احتمال، ولا يرد به الاستدلال.
الدليل الثاني:
قالوا: أن التيمم ورد بمسح كفٍ مسه التراب على العضوين، لا تلويثهما بالتراب، وأن في النفض صيانة له عن التلوث بالتغبير الذي يشبه المثله (^٤).
أدلة أصحاب القول الثاني:
استدلوا: أن ابن عمر كان إذا تيمم ضرب بيديه ضربة على التراب، ثم مسح وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى، ثم مسح بهما يديه إلى المرفقين ولا ينفض يديه من التراب (^٥).
ويناقش:
بما سبق من فعله - ﷺ -.
الترجيح:
الراجح والله أعلم، هو القول الأول القائل بمشروعية نفخ اليدين في التيمم مطلقًا، لأن النبي - ﷺ - فعله ولمناقشة أدلة القول الثاني، والله أعلم.
_________________
(١) عمار هو: أبو اليقظان عمار بن ياسر بن عامر بن مالك الكناني المذحجي العنسي القحطاني، هاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا وأحدًا والخندق وبيعة الرضوان، وشهد الجمل وصفين مع علي، وقتل بصفين ٣٧ هـ. انظر ترجمته: الاستيعاب (٣/ ١١٣٥)،وطبقات ابن سعد (٣/ ٢٤٦) والأعلام (٥/ ٣٦).
(٢) أخرجه البخاري، كتاب التيمم، باب: المتيمم هل ينفخ فيهما؟ ح/٣٣٨ (١/ ٧٥)، ومسلم في كتاب الحيض، باب التيمم، ح/٣٦٨ (١/ ٢٨٠).
(٣) انظر: فتح الباري (١/ ٤٤).
(٤) انظر: العناية شرح الهداية (١/ ١٢٥)،بدائع الصنائع (١/ ٤٦).
(٥) أخرجه عبدالرزاق في مصنفه، كتاب الطهارة، باب كم التيمم من ضربة برقم ٨١٧، (١/ ٢١١).
[ ٢٨٢ ]