اختيار القاضي:
اختار -﵀- تحريم استقبال القبلة واستدبارها عند التخلي في الفضاء دون البنيان موافقًا للمشهور من مذهب الحنابلة (^١).
قال ﵀: ( ونقل بكر بن محمد منع ذلك في الصحاري وجوازه في البنيان، وهو أصح، لأن النبي - ﷺ - استقبلها بمقعده قبل موته بعام) (^٢).
سبب الخلاف:
تعارض الأحاديث والآثار في ذلك، فمن العلماء من سلك مسلك الترجيح، ومنهم من ذهب إلى الجمع بين الأحاديث، ومنهم من ذهب مذهب الرجوع إلى البراءة الأصلية عند التعارض، بناء على أن الشك يسقط الحكم ويرفعه، وأنه كَلَا حُكم (^٣)، فلما تعارضت الآثار لم يجب العمل بشيء منها، كالبينتين المتعارضتين (^٤).
_________________
(١) انظر: الإنصاف (١/ ١٠٠)، شرح المنتهي (١/ ٣٦)، كشاف القناع (١/ ٦٤).
(٢) انظر المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٨٠).
(٣) انظر: بداية المجتهد (١/ ٩٥).
(٤) انظر: التمهيد (١/ ٣١١).
[ ١٢٦ ]
الأقوال في هذه المسألة:
اختلف العلماء فيها على خمسة أقوال:
القول الأول: تحريم ذلك مطلقًا.
وبه قال: أبو أيوب الأنصاري (^١)، والحنفية، (^٢) وأحمد في رواية (^٣).
القول الثاني: جواز الاستقبال والاستدبار مطلقًا في البنيان دون الفضاء.
وبه قال: المالكية (^٤)، والشافعية (^٥)، وأحمد (^٦) -في الرواية المشهورة عنه وهي المعتمدة عند أصحابنا الحنابلة (^٧).
_________________
(١) انظر: مصنف ابن أبي شيبة (١/ ١٥٠، ١٥١)، الأوسط (١/ ٣٢٥، ٣٢٦)، الاعتبار: ٢٥، التمهيد (١/ ٣٠٤، ٣٠٩)، المحلى (١/ ١٩٤)، الحاوي الكبير (١/ ١٥١)، المغني (١/ ٢٢١)، المجموع (٢/ ٨١)، شرح السنة للبغوي (١/ ٣٥٨)، وأبو أيوب هو خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبه الأنصاري، من بني النجار، صحابي من السابقين، روى عن النبي -^-، وروى عنه بعض الصحابة والتابعين، شهد العقبة وبدرًا وما بعدها، وهو الذي نزل عنده الرسول -^- لما قدم المدينة مهاجرًا، توفي في غزوة القسطنطينية سنة ٥٠ هـ أو بعدها بقليل. انظر ترجمته في الإصابة (١/ ٤٠٤) برقم ٢١٦٣.
(٢) انظر: شرح معاني الآثار (٤/ ٢٢٣)، رؤوس المسائل للزمخشري: ١٠٧ برقم ١٤، الاختيار (١/ ٤٦)، اللباب للمنيجي (١/ ١٢٣، ١٢٥).
(٣) نقلها عنه الأثرم وإبراهيم بن الحارث انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٨٠)، شرح العمدة (١/ ١٤٨)، الاختيارات الفقهية: ٨.
(٤) انظر: المدونة (١/ ٧)، كتاب التلقين (١/ ٦٠/، ٦١)، المعونة (١/ ١٦٣، ١٦٤)، بداية المجتهد (١/ ٧٦).
(٥) انظر: الحاوي الكبير (١/ ١٥٠، ١٥١)، الوسيط (١/ ٣٩١)، المجموع (٢/ ٨١).
(٦) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين (١/ ٨٠)، المغني (١/ ٢٢١)، شرح العمدة (١/ ١٤٨).
(٧) انظر شرح العمدة (١/ ١٤٨)، الفروع (١/ ١١١)، الإنصاف (١/ ١٠١).
[ ١٢٧ ]
القول الثالث: جواز الاستدبار مطلقًا- سواء كان في الفضاء أو في البنيان –دون الاستقبال.
وبه قال: أبو حنيفة- في رواية (^١)،،وأحمد، في رواية (^٢).
القول الرابع: جواز ذلك مطلقًا.
وبه قال: عروة بن الزبير (^٣)، وداود الظاهري (^٤)، وحكي رواية عن الإمام أحمد، ولكن ردها المرداوي في الإنصاف وتصحيح الفروع (٣).
القول الخامس: جواز الاستدبار وحده في البيان دون الفضاء.
وبه قال: الإمام أحمد في إحدى الروايات عنه (^٥).
_________________
(١) انظر: الاختيار (١/ ٤٦)، اللباب للمنيجي (١/ ١٢٥).
(٢) انظر: سنن الترمذي (١/ ١٤)، الإفصاح (١/ ١٢٧)، المغني (١/ ٢٢٢).
(٣) انظر: الأوسط (١/ ٣٢٦)، الاعتبار: ٢٥، المحلى (١/ ١٩٤)، التمهيد (١/ ٣١١)، بداية المجتهد (١/ ٧٦)، المغني (١/ ٢٢٠)، المجموع (٢/ ٨١)، وعروة: هو عروة بن الزبير بن العوام الأسدي القرشي، أبو عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة، من التابعين، فقيه، عالم، قال عنه ابن شهاب: عروة بحر لا ينزف، ولد سنة ٢٣ هـ أو ٢٩ هـ، ومات سنة ٩١ هـ، أو بعدها. ترجمته في: تذكرة الحفاظ (١/ ٦٢)، طبقات الحفاظ: ٢٩ برقم ٤٩.
(٤) انظر: الأوسط (١/ ٣٢٦)،المجموع (٢/ ٨١). وداود الظاهري هو: داود بن علي بن خلف الأصبهاني، أبو سليمان أحد الأئمة المجتهدين، تنسب إليه الطائفة الظاهرية، سميت بذلك لأخذها بظاهر الكتاب والسنة وتركها للقياس وكان داود أول من جهر بهذا القول ولد بالكوفة سنة ٢٠١ هـ، سكن بغداد وانتهت إليه رئاسة العلم بها، وبها توفي سنة ٢٧٠ هـ. انظر: الأعلام ٣/ ٨، والأنساب للسمعاني ص ٣٧٧، والجواهر المضية ٢/ ٤١٩.
(٥) انظر: الفروع مع تصحيحه (١/ ١١٢)، الإنصاف (١/ ١٠١).
[ ١٢٨ ]
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
الدليل الأول: ما رواه سلمان الفارسي - ﵁ - قال: قيل له: "قد علمكم نبيكم - ﷺ - كل شيء حتى الخراءة؟ قال: أجل! لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول " (^١).
الدليل الثاني: حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله ^: (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ) (^٢).
الدليل الثالث: ما رواه أبو أيوب الأنصاري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط ولكن شرقوا أو غربوا) قال أبو أيوب: (فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت قبل القبلة، فننحرف عنها ونستغفر الله) (^٣).
وجه الدلالة من هذه الأحاديث: أنها صريحة في تحريم استقبال القبلة واستدبارها، والأصل في النهي التحريم، وهو عام في الفضاء والبنيان، ومما يدل على عمومه انحراف أبي أيوب - ﵁ - عن القبلة، واستغفاره لربه -﷿- من ذلك، مع كونه في البنيان، والراوي أعلم بما روى.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) رواه أبو داود واللفظ له في كتاب الطهارة، باب كراهة استقبال القبلة عند قضاء الحاجة (١/ ١٨) برقم ٨، ومسلم في كتاب الطهارة، باب الاستطابة (١/ ٢٢٤) برقم ٢٦٥.
(٣) رواه البخاري في كتاب الوضوء، باب لا تستقبل القبلة لغائط أو بول إلا عند البناء: جدار أو نحوه -صحيح البخاري مع الفتح (١/ ٢٤٥) برقم ١٤٤، وفي كتاب الصلاة، باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق- صحيح البخاري مع الفتح (١/ ٤٩٨) برقم ٣٩٤، ومسلم، واللفظ له، في كتاب الطهارة، باب الاستطابة (١/ ٢٢٤) برقم ٢٦٤.
[ ١٢٩ ]
نوقشت هذه الأحاديث من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن أبا أيوب - ﵁ - شك في عموم النهي فاحتاط لنفسه بالاستغفار (^١).
الوجه الثاني: أن هذا مذهبه، ولم ينقله صريحًا عن النبي - ﷺ - وقد خالفه غيره من الصحابة (^٢).
الوجه الثالث: أن هذه الأحاديث عن النبي - ﷺ - محمولة على الصحاري دون البنيان، لأن في بعض ألفاظ حديث أبي أيوب الأنصاري المتقدم: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط) (^٣) والذهاب إنما يطلق على التوجه إلى الصحاري، بخلاف الحمام في المنزل فإنه يقال: إذا دخل أحدكم الحمام ثم إن الغائط هو الموضع المستقل بين عاليين وهذا في الصحراء ليس في البينان (^٤).
الدليل الرابع: أنه إنما منع من ذلك لحرمة القبلة، وهذا موجود في البنيان كالصحراء (^٥).
الدليل الخامس: أنه لو كفى الحائل في الصحراء، فإن بيننا وبين الكعبة أودية وجبالًا وأبنية (^٦).
نوقش:
بأن الشرع قد جاء بالتفريق بين قضاء الحاجة في البنيان وبين قضائها في الصحراء، فلا يلتفت إلى قياس أو معنى يخالفه (^٧).
_________________
(١) انظر: المجموع (٢/ ٨٢).
(٢) انظر: المجموع (٢/ ٨٢).
(٣) رواه النسائي كتاب الطهارة، باب النهي عن استقبال القبلة عند الحاجة (١/ ٢١) ح (٢٠)، وصححه ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٣٠٥).
(٤) انظر: الحاوي الكبير (١/ ١٥٤).
(٥) انظر: الحاوي الكبير (١/ ١٥٢)، المجموع (٢/ ٨٢).
(٦) انظر: المجموع (٢/ ٨٢).
(٧) انظر: المجموع (٢/ ٨٢).
[ ١٣٠ ]
أدلة أصحاب القول الثاني:
الدليل الأول: أنه القول التي تجتمع فيه الأدلة ولا تتعارض، وإذا أمكن الجمع تعين المصير إليه، وهو ممكن هنا بحمل أحاديث النهي على ما إذا كان ذلك في الفضاء، وحمل أحاديث الجواز على ما كان في البنيان (^١)، ولهذا أخذوا بأدلة من قال بالجواز (^٢)، وبأدلة من قال بالتحريم (^٣)، فاجتمعت أدلة الأقوال كلها في هذا القول.
الدليل الثاني: ما رواه مروان الأصفر (^٤) قال: (رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أليس قد نهي عن هذا؟ قال: إنما نهي عن هذا في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس) (^٥).
وجه الدلالة:
أنه تفسير من الصحابي (ابن عمر) لنهي رسول الله ^ العام، وفيه جمع بين الأحاديث فيتعين المصير إليه (^٦).
الدليل الثالث: أنه تلحقه مشقة في اجتناب القبلة في البناء دون الصحراء، ولم يجعل الله سبحانه علينا عسرًا ولا حرجًا في ديننا، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها (^٧).
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير (١/ ١٥٣)، المغني (١/ ٢٢١)، المجموع (٢/ ٨٢).
(٢) كحديث جابر وعائشة وابن عمر -﵃-، ستأتي قريبًا.
(٣) كحديث سلمان، وأبي هريرة، وأبي أيوب -﵃-، المتقدمة في القول الأول.
(٤) هو مروان بن خاقان وقيل: سالم، الأصفر، أبو خليفة البصري، ثقة، من الطبقة الرابعة. ترجمته في: تهذيب التهذيب (١٠/ ٩٨)، تقريب التقريب (٢/ ٢٤٠) برقم ١٠٢٧.
(٥) رواه أبو داود، في كتاب الطهارة، باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة (١/ ٢٠) برقم ١١، والدارقطني (١/ ٥٨)، والحاكم (١/ ١٥٤)، والبيهقي (١/ ٩٢)، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وحسنه الحازمي في الاعتبار: ٢٦.
(٦) انظر: المغني (١/ ٢٢١، ٢٢٢).
(٧) انظر: الحاوي الكبير (١/ ١٥٤)، المجموع (٢/ ٨٢).
[ ١٣١ ]
أدلة أصحاب القول الثالث:
الدليل الأول: حديث سلمان المتقدم -وفيه-: (لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول) (^١).
الدليل الثاني: حديث معقل الأسدي - ﵁ - (^٢) قال: (نهى رسول الله - ﷺ - أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط) (^٣).
الدليل الثالث: حديث ابن عمر -المتقدم- -وفيه-: (أنه رأى النبي - ﷺ - على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة) (^٤).
وجه الدلالة من هذه الأحاديث:
أنها نصوص صريحة تدل على إباحة الاستدبار فيبقى الاستقبال على ظاهر النهي في التحريم (^٥).
نوقش:
بأن هذا مردود بحديث جابر وفيه: (أنه نهى عن استقبال القبلة واستدبارها، ثم رآه جابر بعد ذلك يبول مستقبل القبلة) (^٦)، مما يدل على أن الرخصة وردت في الاستقبال أيضًا.
الدليل الرابع: أن كل حكم تعلق بالقبلة اختص باستقبالها دون استدبارها كالصلاة (^٧).
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبًا.
(٢) هو معقل ابن أبي معقل، ويقال: ابن أم معقل ويقال: ابن الهيثم أو ابن أبي الهيثم الأسدي، من حلفائهم، صحابي، له في السنن حديثان، توفي في خلافة معاوية، ترجمته في: أسماء الصحابة الرواة لابن حزم: ٣١٣ برقم ٤٧٦، الإصابة (٣/ ٤٢٦).
(٣) رواه أبو داود في كتاب الطهارة، باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة (١/ ٢٠) برقم ١٠، وابن ماجة، في كتاب الطهارة وسننها، باب النهي عن استقبال القبلة بالغائط والبول (١/ ١١٥، ١١٦) برقم ٣١٩ وضعفه الحافظ في الفتح (١/ ٢٤٦).
(٤) تقدم تخريجه قريبا.
(٥) انظر: شرح العمدة (١/ ١٤٩).
(٦) رواه أبو داود في كتاب الطهارة، باب الرخصة في ذلك (١/ ٢١) برقم ١٢، وابن ماجة في كتاب الطهارة وسننها، باب الرخصة في ذلك في الكنيف، وإباحته دون الصحاري (١/ ١١٧) برقم ٣٢٥، والترمذي -وحسنه- في كتاب الطهارة، باب ما جاء من الرخصة في ذلك (١/ ١٥) برقم ٩، وصححه الحاكم (١/ ١٥٤)، ووافقه الذهبي، وحسنه النووي في المجموع (٢/ ٨٢).
(٧) انظر: الحاوي الكبير (١/ ١٥٣).
[ ١٣٢ ]
أدلة أصحاب القول الرابع:
الدليل الأول: ما رواه جابر - ﵁ - (نهى نبي الله - ﷺ - أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها) (^١).
وجه الدلالة:
أنه نص صريح على نسخ النهي عن ذلك، فإنه إذا جاز استقبال القبلة ببول جاز استدبارها من باب أولى (^٢).
نوقش:
بأنه محمول على أنه رآه في البنيان أو مستترًا بشيء، ولا يثبت النسخ بالاحتمال، بل يتعين حمله على ذلك لتتفق الأحاديث ولا تتعارض (^٣)، والنسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع، وهو هنا غير متعذر إذ يمكن الجمع بينهما بما ذكرنا (^٤).
الدليل الثاني: ما روته عائشة -﵂- قالت: ذكر عند رسول الله - ﷺ - أن ناسًا كانوا يكرهون استقبال القبلة بفروجهم، فقال رسول الله - ﷺ -: (أوقد (^٥) فعلوها؟! حولّوا بمقعدتي (^٦) إلى القبلة) (^٧).
الدليل الثالث: ما رواه ابن عمر - ﵁ - قال: (رقيت على ظهر بيت فرأيت رسول الله - ﷺ - قاعدًا على لبنتين مستقبلًا بيت المقدس، مستدبرًا الكعبة لقضاء حاجته) (^٨).
وجه الدلالة من الحديثين:
أنهما ناسخان لأحاديث النهي عن استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة.
نوقش: بأنهما محمولان على البنيان فهما خاصان، والخاص يقدم على العام (^٩) أو هما محمولان على ما قبل النهي، والنهي يرجح عليه، لأن النهي ناقل عن الأصل وهو الجواز، والناقل عن الأصل أولى، ثم إن حديث أبي أيوب قول، وحديث ابن عمر فعل، والفعل لا يعارض القول لاحتماله الخصوصية أو النسيان (^١٠).
_________________
(١) تقدم تخرجه قريبًا.
(٢) انظر: التمهيد (١/ ٣١٠)، المغني (١/ ٢٢٠)، المجموع (٢/ ٨٢).
(٣) انظر: المغني (١/ ٢٢١).
(٤) انظر: المجموع (٢/ ٨٣).
(٥) هو بفتح الواو، والواو واو العطف، وهو استفهام توبيخ وتقريع. انظر: المجموع (٢/ ٧٨).
(٦) المقعدة: بفتح الميم، هي موضع القعود لقضاء حاجة الإنسان. انظر: المصدر السابق.
(٧) رواه أحمد (٦/ ١٨٣، ١٨٤)، وابن ماجة في كتاب الطهارة وسننها، باب الرخصة في ذلك في الكنيف، (١/ ١١٧) برقم ٣٢٤، والدارقطني (١/ ٥٩، ٦٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٩٢، ٩٣)، وحسنه النووي في المجموع (٢/ ٨٢)، ولكن ضعفه ابن القيم في زاد المعاد (٢/ ٣٨٥).
(٨) رواه البخاري، في كتاب الوضوء، باب التبرز في البيوت -صحيح البخاري مع الفتح- (١/ ٢٥٠) برقم ١٤٨، ١٤٩، ومسلم في كتاب الطهارة، باب الاستطابة (١/ ٢٢٥) برقم ٢٦٦.
(٩) انظر: المغني (١/ ٢٢١).
(١٠) انظر: زاد المعاد (٢/ ٣٨٦).
[ ١٣٣ ]
أدلة أصحاب القول الخامس:
الدليل الأول: ما رواه ابن عمر -﵄- قال: (رقيت على ظهر بيت فرأيت رسول الله - ﷺ - قاعدًا على لبنتين مستقبلًا بيت المقدس، مستدبرًا الكعبة لقضاء حاجته) (^١).
وجه الدلالة:
إن هذا الفعل من النبي -^- ورد في الاستدبار في البينان فتخص هذه الحالة من عموم أحاديث النهي، ويبقى ما عداها على المنع.
نوقش:
بأنه في بعض ألفاظ هذا الحديث أنه رآه مستقبل القبلة فبطل التخصيص بالاستدبار (^٢).
الدليل الثاني: أن الاستدبار أهون من الاستقبال، لا سيما في البنيان حيث يجد ما يستره (^٣).
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبًا.
(٢) كحديث جابر المتقدم.
(٣) انظرشرح الممتع (١/ ١٢٦).
[ ١٣٤ ]
الترجيح:
لعل الراجح -والله أعلم- هو القول الثاني القائل بالتفريق بين الفضاء والبنيان فيحرم في الأول دون الثاني، لوجوه كثير من أهمها:
١ - أنه القول الذي تجتمع به الأدلة كلها، فتحمل أحاديث النهي على ما كان في الفضاء، وأحاديث الرخصة على ما كان في البنيان، وقد صرح بذلك ابن عمر في رواية مروان الأصفر، فاجتمعت جميع الأحاديث والآثار على هذا المعنى بلا تعارض ولا اختلاف، فوجب استعمال السنن كلها على وجوهها الممكنة دون ردّ شيء ثابت منها (^١).
٢ - أن أدلة هذا القول قوية بخلاف القول بغيره فإن القول بالجواز مطلقًا معارض بأحاديث النهي، والقول بالنهي عن ذلك مطلقًا يرد عليه أحاديث الجواز والرخصة، والقول بقصر الرخصة على جواز الاستدبار يرد عليه ما ورد بإباحة الاستقبال أيضًا.
٣ - أنه لا يجوز القول بالنسخ مع إمكانية الجمع، فالعمل بالأدلة كلها أولى من إهدار بعضها (^٢).
٤ - أن النهي عن ذلك عام في البنيان والفضاء، والرخصة خاصة بما إذا كان ذلك في البنيان، والخاص يقدم على العام (^٣).
ولهذا قال ابن عبد البر (^٤): لما روى ابن عمر أنه رأى رسول الله -^- قاعدًا لحاجته مستقبل بيت المقدس مستدبر الكعبة، استحال أن يأتي ما نهى عنه ^ فعلمنا أن الحال التي استقبل فيها القبلة بالبول أو الغائط غير الحال التي نهى عنها، فأنزلنا النهي عن ذلك في الصحاري والرخصة في البيوت، لأن حديث ابن عمر في البيوت (^٥).
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير (١/ ١٥٤)، التمهيد (١/ ٣١٢)، الاعتبار: ص ٣٨.
(٢) انظر: المغني (١/ ٢٢١)، المجموع (٢/ ٨٣).
(٣) انظر: المغني (١/ ٢٢١).
(٤) وابن عبد البر هو: أبو عمر، يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النّمري، الأندلسي، القرطبي المالكي، الإمام، العلامة، الحافظ، من تصانيفه: "التمهيد" و"الاستذكار" و"الكافي" و"الاستيعاب" وغيرها. ولد سنة ٣٦٨ هـ وله خمس وتسعون سنة. انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٥٣) برقم ٨٥)، تذكرة الحافظ (٣/ ١١٢٨)، شذرات الذهب (٣/ ٣١٤).
(٥) انظر: الأوسط (١/ ٣٢٨)، التمهيد (١/ ٣٠٧، ٣١١).
[ ١٣٥ ]