المقصود بالمسألة: تأثير خروج وقت الصلاة على صحة التيمم، فهل إذا تيمم للصلاة وخرج وقتها يبطل تيممه؟
اختيار القاضي:
اختار -﵀-، أن خروج وقت الصلاة يبطل تيممه، وعليه إعادة تيممه، موافقًا في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي في ذكر الأقوال.
فقال ﵀: (مسألة: واختلفت هل يبطل التيمم بخروج الوقت أم بالحدث؟ فنقل الجماعة منهم أبو طالب والمروذي أبو داود ويوسف بن موسى أنه يبطل بخروج الوقت، ويجب عليه إعادته عند دخول وقت صلاة ثانية، وهو أصح) (^١).
سبب الخلاف:
هو اختلافهم في التيمم هل هو طهارة ضرورة مبيح لفعل المأمور مع قيام الحدث، أو هو بدل مطلق عن طهارة الماء ورافع للحدث؟ (^٢)
الأقوال في المسألة:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن التيمم لا يبطل بخروج الوقت، فإذا تيمم له أن يصلي مالم يحدث أو يجد الماء.
وهو مذهب الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد (^٣).
القول الثاني: أن خروج الوقت يبطل التيمم.
وهو مذهب الحنابلة (^٤)، وأما المالكية والشافعية، وإن لم ينصوا على أن خروج الوقت مبطل للتيمم إلا أنهم ذهبوا إلى أبعد من ذلك، حيث منعوا صلاة فريضتين بتيمم واحد، والمالكية اشترطوا الموالاة بين التيمم وفعل الصلاة، فإن وجد فاصل بينهما بطل تيممه وهذا القول أبلغ من اعتبار خروج الوقت مبطلًا للتيمم (^٥).
_________________
(١) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٩٠).
(٢) انظر: بدائع الصنائع (١/ ٥٥).
(٣) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٩١).
(٤) انظر: المغني (١/ ١٤٩)،المستوعب (١/ ٢٩٦)،المبدع (١/ ٢٠٦)،الفروع (١/ ٢٣١)،الإنصاف (١/ ٢٦٣).
(٥) انظر: التمهيد (١٩/ ٢٩٥،٢٩٤)، المقدمات (١/ ١١٧)، المعونة (١/ ١٤٩)، الأم (١/ ٤٧)، المهذب (١/ ٣٤).
[ ٢٨٧ ]
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ الآية (^١).
وجه الدلالة:
دلت الآية على أن التيمم مطهر من الحدث ورافع له، فإذا كان كذلك، فلا يبطل وينتقض إلا بنواقض الوضوء وليس منها خروج الوقت.
الدليل الثاني: عن أبي ذر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير) (^٢).
وجه الدلالة:
بين الحديث أن التيمم طهور المسلم حتى يجد الماء، ولم يقيد ذلك بوقت، ولم يقل إن خروج الوقت يبطله (^٣).
الدليل الثالث: أن التيمم بدل عن الماء، والبدل يقوم مقام المبدل في أحكامه، وإن لم يكن مماثلًا له في صفته (^٤).
أدلة أصحاب القول الثاني:
الدليل الأول: ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (من السنة أن لا يصلي الرجل بالتيمم إلا صلاة واحدة، ثم يتيمم للصلاة الأخرى) (^٥).
ونوقش:
أنه أثر ضعيف (^٦).
الدليل الثاني: أن التيمم طهارة ضرورة، فتقدر بقدر الضرورة، وهو وقت الصلاة (^٧).
ونوقش:
بأننا لا نسلم بأن التيمم طهارة ضرورة، بل هو بدل عن طهارة الماء، ورافع للحدث حتى وجود الماء أو القدرة على استعماله لما سبق من أدلة (^٨).
الترجيح:
الراجح والله أعلم هو القول الأول القائل بأن التيمم لا يبطل بخروج الوقت لأن طهارة المتيمم ثبتت بيقين وبمقتضى الدليل الشرعي الصحيح، فلا ترتفع إلا بيقين، وبدليل صحيح صريح وهو مالم يوجد في أدلة القول الثاني، والله أعلم.
_________________
(١) المائدة:٦.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٥٣).
(٤) انظر: المغني (١/ ٣٤١).
(٥) رواه الدارقطني (١/ ١٨٥)، والبيهقي (١/ ٢٢٢،٢٢١)، وفيه الحسن بن عمارة قال في التلخيص (٢١١): (والحسن ضعيف جدًا).
(٦) انظر: التعليق السابق.
(٧) انظر: المغني (١/ ١٤٩)،المستوعب (١/ ٢٩٦)،المبدع (١/ ٢٠٦)،الفروع (١/ ٢٣١)،الإنصاف (١/ ٢٦٣).
(٨) انظر: مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٥٣).
[ ٢٨٨ ]