قال الله ﷿: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ [المائدة: ٤٥] وقال تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد﴾ الآية [البقرة: ١٧٨].
فمن قتل عمدا قتل، ولا تقتل نفس بنفس إلا ببينة عادلة، أو اعتراف القاتل طوعا، أو بالقسامة إذا وجبت، يُقسم ولاة الدماء خمسين يمينا ويستحقون الدم.
ولا تجب القسامة إلا أن يكون هناك عداوة أو لوث من بينة.
ولا يقبل بالقسامة أكثر من واحد. وإذا نكل مدعو الدم عن اليمين حُلِّف عليهم المدعى عليهم خمسين يمينا بالله تعالى ما قتلوه ولا علموا له قاتلا، وبرئوا. فإن لم يوجد من يحلف من ولاته معه غير المدعى عليه وحده حلف خمسين يمينا وبرئ.
ويحلف من ولاة الدم في طلب الدم خمسون رجلا خمسين يمينا. فإن كانوا أقل من خمسين قسمت الأيمان عليهم. وإن لم تنقسم عليهم إلا بزيادة جبر الكسر عليهم.
ولا يحلف النساء ولا الصبيان في القسامة.
ولو قال المجروح: دمي عند فلان. لم يكن ذلك موجبا للقسامة ما لم يكن هناك عداوة. وسواء كان المقتول مسلما أو ذميا، حرا أو عبدا إذا كان دمه يكافئ
[ ٤٤٥ ]
دم المدعى عليه.
فإن وجد رجل عبده قتيلا، فادعى على رجل أنه قتله، وجاء بشاهد واحد حلف المولى مع شاهده يمينا واحدة أنه قتله، واستحق قيمته على المدعى عليه. وإن لم يكن له بينة، وكان بين المدعى عليه وبين العبد أو السيد ما يوجب القسامة حلف السيد خمسين يمينا واستحق قيمة عبده على المدعى عليه. ولا يُقسم على أكثر من واحد كما قلنا.
والعفو عن دم العمد جائز. وإذا عفا بعض الأولياء عن الدم بطل القود، وصاروا إلى الدية. وعفو البنات صحيح كعفو البنين. وكذلك لو كان فيهم مجنون لا يفيق، أو أبله لم يكن إلى القتل سبيل، وصاروا إلى الدية. ولو كان في الأولياء صغار وكبار لم يجز القود حتى يكبر الصغير. وكذلك الزوجات.
وليس على قاتل العمد حد واجب، ولا شيء واجب إذا عفي عنه.
والدية على أهل الإبل مئة من الإبل، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم.
وأسنان دية العمد: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة.
ودية الخطأ عشرون بنت مخاض، وعشرون ابن مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة.
ودية الخطأ شبه العمد أرباع مثل دية العمد سواء، غير أنها منجمة في ثلاث سنين، وهي على العاقلة. وروي عنه: أن دية الخطأ والعمد مغلظة: ثلاثون حقة،
[ ٤٤٦ ]
وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها. وهي في مال القاتل على هذه الرواية.
وكذلك تغلظ الدية في الحرم بالإحرام عنده، فدية المحرم المقتول في الحل دية وثلث، ودية المحرم المقتول في الحرم شهر حلال دية وثلثا دية، ودية المحرم المقتول في الحرم في شهر حرام ديتان، ودية الحلال المقتول في الحرم دية وثلث. قضى بذلك عثمان بن عفان ﵁.
ودية العمد حالة في مال القاتل قولا واحدا. ودية الخطأ منجمة على العاقلة في ثلاث سنين قولا واحدا.
والعاقلة: الإخوة وأولادهم، والعمومة وأولادهم. والأب من العاقلة في إحدى الروايتين، والابن ليس من عاقلة أمه إلا أن يكون من عصباتها.
فإن اجتمع في قتل الخطأ جماعة، فعلى عواقلهم دية واحدة، وعلى كل واحد من القاتلين عتق رقبة مؤمنة في ماله كفارة لفعله. وقيل عنه: على جماعتهم عتق رقبة واحدة، والأول عنه أظهر.
وقيل عنه: إن كان نصيب كل واحد منهم قدر ثلث الدية حمل ذلك عاقلته. وإن كان أقل، فذلك عليه في ماله، لأن العاقلة لا تحمل أقل من ثلث الدية.
وعاقلة العبد المعتق عصبته. فإن لم يكن له عصبة، فعاقلة سيده المعتق له.
وعاقلة ابن الملاعنة عصبة أمه.
ومن لا عاقلة له لا دية عليه في قتل الخطأ، وعليه عتق رقبة مؤمنة في ماله. وهل يؤدى المقتول من بيت المال أم لا. على روايتين: أظهرهما: لا يلزم الإمام أن يديه من بيت المال.
[ ٤٤٧ ]
واللقيط إذا قتل خطأ لم يعقل عنه أحد، لأنه لا عاقلة له.
ومن قتل مسلما في دار الحرب، قد كان أسلم وكتم إيمانه حتى يقدر على الخروج إلينا يحسبه القاتل كافرا، فلا دية عليه، ولا على عاقلته، وعليه عتق رقبة مؤمنة في ماله، لقوله تعالى: ﴿فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة﴾ [النساء: ٩٢].
ولو أسلم معاهد فقتل خطأ، ولا وارث له من المسلمين، كانت ديته على عاقلة القاتل لبيت مال المسلمين. وعلى القاتل عتق رقبة مؤمنة في ماله.
ومن قتل ذميا في دار الإسلام خطأ، فديته على عاقلة القاتل، وعليه عتق رقبة مؤمنة في ماله، كما لو قتل مسلما خطأ.
ومن قتل حاملا خطأ، فلم تلق جنينها لم يكن على العاقلة أكثر من دية الأم. فإن ألقت جنينا حيا ثم مات ولم يستهل، كانت دية الأم والجنين على عاقلة القاتل. ولا يرث من لم يستهل، ولا يورث. وإن استهل ورث وورث. فإن ضربها فألقت جنينا ميتا، ثم ماتت، كانت ديتها ودية الجنين على العاقلة؛ لأنها جناية واحدة.
ولو وجد قتيل بالطواف وداه الإمام من بيت المال. ومن مات من الزحام يوم الجمعة فديته في بيت المال في إحدى الروايتين.
ودية المرأة الحرة المسلمة نصف دية الرجل الحر المسلم.
ودية اليهودي أو النصراني نصف دية الحر المسلم. وديات نسائهم نصف دياتهم. وقيل عنه: إن دية كل واحد من اليهود والنصارى ثلث دية الحر المسلم. ودية المجوسي ثمان مئة درهم. ودية المرأة المجوسية أربع مئة درهم. وقد روي عنه أنه غلظ دية الذمي إذا قتله المسلم عمدا، فقال فيمن قتل يهوديا أو نصرانيا عمدا: أدرأ عنه القود، وألزمه دية مغلظة ألف دينار. فإن كان مجوسيا لزمته ألف وست مئة درهم.
قال: وكل من درأت عنه الحد غلظت عليه الدية، وهو قول عمر وعثمان
[ ٤٤٨ ]
ومعاوية ﵃.
وكل ما في الإنسان منه شيء واحد ففيه إذا أتلف الدية، وما في الإنسان منه اثنان ففيهما الدية، وفي كل واحد منهما نصف الدية، وما فيه منه ثلاثة ففي جميعها الدية، وفي كل واحد منها ثلث الدية. وما فيه منه أربعة ففيها كلها الدية، وفي كل واحد منها ربع الدية؛ ففي العقل الدية، وفي البصر الدية، وفي السمع الدية، وفي اللسان الناطق الدية، وفي الأنف الدية، وفي المَشامِّ الدية، وفي الطعوم الدية، وفي اللحية إذا لم تنبت الدية. وفي الشارب إذا لم ينبت حكومة، وفي قرع الرأس الدية، وفي الصعر الدية، وهو أن يضربه فيتحول وجهه إلى جانب ثم لا يعود. وفي كسر الصلب الدية، وفي البطن إذا لم يستمسك الدية. وفي المثانة إذا لم يستمسك البول الدية. وروي عنه في المثانة إذا لم تستمسك: ثلث الدية. والأول عنه أظهر.
وفي انقطاع النسل الدية. وفي الذكر الدية. وفي الحشفة مثل ما في جميعه، فإن قطع الحشفة لزمه دية، فإن قطع بعد ذلك باقية كانت فيه حكومة. ويتوجه أن يكون فيه ثلث الدية. وفي الأنثيين الدية، ولو ضربه فحال لونه عن البياض إلى غيره ولم يعد، كان عليه الدية، وفي اليدين الدية، وفي الرجلين الدية، وفي الأذنين الدية، وفي الأليتين الدية، وفي الثديين الدية، وفي الشفتين الدية، وفي العينين الدية. وفي الحاجبين الدية. وفي إسكتي المرأة الدية. وفي كل واحد من هذه نصف الدية. وفي أشفار العين الأربعة الدية، وفي كل واحد منها ربع الدية.
[ ٤٤٩ ]
وفي الحرمات الثلاث في الأنف الدية. وفي كل واحد منها ثلث الدية. وفي عين الأعور دية كاملة. وفي الموضحة خمس من الإبل، وفي السن إذا ثغر خمس من الإبل، وكذلك في الضرس. وفي كل أصبع من أصابع اليدين والرجلين عشر من الإبل. وفي كل أنملة إصبع ثلث دية الإصبع، وفي أنملة الإبهام نصف دية الإبهام، لأنها مفصلان. وفي الظفر إذا اسود خمس دية الإصبع.
وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، وهي التي تنقل العظام من مواضعها. والموضحة: ما أوضح العظم ولم ينقله. وفي الهاشمة عشر من الإبل، وهي التي تشق اللحم، وتهشم العظم، ولا تنقله. والسمحاق دون الموضحة، وهو الذي يشق اللحم ويبقى بينه وبين العظم جلدة رقيقة، وفيه أربع من الإبل. والمأمومة التي تؤم الرأس فتكسر العظام، ولا تخرق جلدة الدماغ، وفيها ثلث الدية. وفي الجائفة ثلث الدية، وهي التي تصل إلى الجوف، فإن نفذت فهي جائفتان، وفيهما ثلث الدية. وفي العين القائمة ثلث ديتها، وفي السن السوداء ثلث ديتها، وفي لسان الأخرس ثلث الدية. فإن قطع من اللسان الناطق بعضه لزمه من ديته ما نقص في كلامه من حروف المعجم. وفي اليد الشلاء ثلث ديتها. وفي ذكر الخصي ثلث الدية، وكذلك في ذكر العنين. وقيل عنه: إن في ذكر الخصي حكومة.
وروي عنه رواية أخرى: إن في ذكر العنين دية كاملة، وفي السن السوداء حكومة، وكذلك في الإصبع الزائدة.
وفي الترقوة بعير. وفي كسر الساق بعيران، وفي الفخذ بعيران، وفي الضلع بعير، وفي الزند بعيران في إحدى الروايتين. وفي الرواية الأخرى: في الزند الواحد أربعة أبعرة، لأنه عظمان.
ولو قطع يده من الزند فاندملت ووداها، ثم عاد فقطع ذراعه، فعليه ثلث الدية.
[ ٤٥٠ ]
ولا يجتمع قصاص ودية إلا أن يفقأ عين أعور، فيكون المجني عليه بالخيار عنده بين أن يقلع إحدى عيني الجاني ويأخذ منه نصف الدية، وبين أن يأخذ دية كاملة ولا قصاص.
ولا دية لمن مات من القصاص، ولا لمن أقيم عليه الحد فمات فيه.
وأول الشجاج التي لا توقيت فيها وفيها حكومة: الحارصة، وهي: التي تشق الجلد قليلا، ثم الباضعة، وهي: التي تشق الجلد وتبضع اللحم، والدامية، وهي: التي تدمي، والمتلاحمة، وهي: التي تشق الجلد وتعمل في اللحم، ولا توضح العظم. ففي كل واحدة من هذه الجراح الأربعة حكومة. وكذلك كل ما لم توقت ديته من الجراح، ولا هو نظير لما وقتت ديته، فليس فيه غير الحكومة بحسب اجتهاد الحاكم. وصفة ذلك أن يقوم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به، ثم يقوم وبه الجناية، فما نقص من القيمة بين الصحة والجناية كان له بحسابه من الدية.
وفي الجراح العمد القصاص إلا المتالف منها، كالمأمومة والجائفة، والمنقلة، والفخذ، والأنثيين، والصلب، ونحوه. وكذلك لا قصاص في كسر عظم الساق والذراع، لأنه لا يعلم ما قدره وليس له غاية، ولا قصاص عن مفصل. وفي ذلك كله الدية بعد الاندمال والبرء.
ولا تحمل العاقلة عمدا، ولا عبدا، ولا اعترافا، ولا صلحا، ولا ما دون الثلث.
وتحمل من جراح الخطأ ما كان قدر ثلث الدية فصاعدا. وما كان دون الثلث ففي مال الجاني.
ولا تحمل العاقلة من قتل نفسه عمدا، ولا من قطع بعض أعضائه عمدا. فإن قتل نفسه خطأ، أو قطع بعض أعضاء نفسه خطأ مما ديته قدر ثلث الدية فأكثر، حمل ذلك العاقلة في الأظهر من قوله، وهو قول عمر وعلي ﵄، ولا مخالف لهما في الصحابة.
[ ٤٥١ ]
ولو استعدى على امرأة بالشُّرط، فأسقطت جنينا ميتا، كانت دية الجنين على المستعدي في ماله. وإن أسقطت حيا فاستهل أو لم يستهل ثم مات، فديته على عاقلة المستعدي، وعليه عتق رقبة مؤمنة في ماله في الوجهين جميعا.
وتعادل المرأة الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت جراحها ثلث دية الرجل رجعت إلى ديتها، فكان دية جراحها على النصف من دية الرجل.
بيانه: أن من قطع إصبع امرأة كان فيها عشر من الإبل، فإن قطع منها إصبعين فعشرين من الإبل، فإن قطع ثلاث أصابع، ففيها ثلاثون من الإبل. فإن قطع أربع أصابع منها، ففيها عشرون من الإبل.
وإذا قتل النفر رجلا عمدا قتل جميعهم به في الظاهر من قوله، وهو قول عمر، وعلي ﵉. وقيل عنه: لا يقتل بنفس أكثر من نفس. وهو قول عبدالله ابن عباس، ومعاذ بن جبل رضوان الله عليهما. فعلى هذه الرواية لا يقتلون، وعليهم الدية. وهل يلزم جماعتهم دية واحدة أم على كل واحد منهما دية كاملة؟ على روايتين.
وإذا قتل السكران عمدا قتل.
وعمد الصبي والمجنون خطأ، فإذا قتلا، فالدية على عواقلهما، وإذا اجتمع على القتل صبي وبالغ، أو عاقل ومجنون قتل العاقل والبالق، وكان على عاقلة الصبي أو المجنون نصف الدية في إحدى الروايتين. وفي الرواية الأخرى قال: إذا اجتمع على القتل من يقاد، ومن لا يقاد، فلا قود. وعلى العاقل نصف الدية في ماله، وعلى عاقلة من لا قود عليه من صبي أو مجنون نصف الدية.
[ ٤٥٢ ]
فإن قطع جماعة يد رجل عمدا قطعوا كلهم به. ويتوجه أن لا يقطع واحد منهم على الرواية التي قال فيها: لا تقاد الجماعة بالواحد، ولزمهم دية اليد بينهم.
وتقتل المرأة بالرجل، والرجل بها، وكذلك يقتص لبعضهم من بعض في الجراح، ويقتل البالغ بالصبي، والعاقل بالمجنون، ويقتل الكافر بالمسلم، والعبد بالحر.
فإن قتل ذمي مسلما عمدا، ثم أسلم، لم يدرأ عنه الإسلام القتل، وقتل. فإن قتل حربي مسلما ثم دخل إلينا مسلما، لم يقد بالمسلم.
ولا يقتل مجنون بعاقل، ولا صبي ببالغ، ولا والد بولده قولا واحدا.
واختلف قوله في الابن يقتل أباه عمدا، هل يقاد به أم لا؟ على روايتين: قال في إحداهما: لا أقتل والدا بولده، ولا ولدا بوالده، خطأ كان القتل أو عمدا. وقال في الرواية الأخرى: الابن إذا قتل أباه فإنه يقاد به.
وسئل عن المرأة تقتل ابنها، فقال: لم يبلغني فيها شيء. ولم يقل: إنها تقاد به أو لا تقاد.
واختلف أصحابنا في ذلك على وجهين: منهم من قال: لا تقاد به، كالأب، ومنهم من قال: تقاد به، كالابن يقاد بأبيه. ومن لم يقد بعضهم ببعض من أصحابنا غلظ الدية.
واختلفوا في التغليظ؛ فمن أصحابنا من جعل التغليظ في الأسنان، وجعل الدية ثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين خلفة في بطونها أولادها، كما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ في تغليظ الدية على المدلجي الذي قتل ابنه، فأخذ منه عمر ﵁ ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة في بطونها أولادها، ودفعها إلى أم المقتول وأخيه، ولم يورث الأب منها شيئا لأنه قاتل.
[ ٤٥٣ ]
ومن أصحابنا من جعل التغليظ ههنا الزيادة في الدية، فجعلها دية وثلثا، كما قال أحمد ﵁ في تغليظ الدية بالحرم والإحرام والبلد الحرام.
ومنهم من قال: التغليظ أن تضعف الدية فتصير ديتين، كما قال أحمد ﵁ في من قتل ذميا عمدا: أدرأ عنه القود؛ لأني لا أقتل مسلما بكافر، ولكني أغلظ عليه الدية، فألزمه دية رجل حر مسلم. وكما قال في قاطع التمر والكثر من النخل إذا سرقه: أن لا يقطع وتضعف عليه القيمة ويؤدب.
وكذلك الجد أبو الأب وإن علا لا يقتل بابن ابنه، وابن الابن وإن سفل لا يقتل بجده.
وكذلك اختلف أصحابنا في الجد للأم يقتل ابن ابنته، وابن الابنة يقتل جده لأمه، هل بينهما قصاص أم لا؟ على وجهين: فقال بعضهم: لا يقتص من الجد للأم، كما لا يقتص من الجد للأب، تغلظ عليه الدية، ويقتص من ابن الابنة إذا قتل جده لأمه، كما يقتص من الابن إذا قتل أباه.
وقال بعضهم: لا يقتل أحدهما بالآخر، كما لا يقتل أب بابن، ولا ابن بأب. ويقاد من سوى هؤلاء من ذي رحم محرم بصاحبه في القتل العمر إذا اجتمع الأولياء على طلب القصاص.
فإن قتل عبد حرا، فأولياء المقتول بالخيار بين قتل العبد وبين أخذ قيمته. فإن أبى المولى أن يفديه لم يلزمه إلا تسليمه، فإن تسلمه الأولياء فلم يختاروا قتله واستحقوه، فهل يصير ملكا لهم أم يكون باقيا على ملك مولاه ويرد إليه؟ على روايتين. فإن لم يختر الأولياء قتله واختاروا القيمة وبذلها السيد نُظر، فإن كانت دية العبد بقدر دية المقتول أو أقل، فالقيمة للأولياء قولا واحدا. وإن كانت قيمة العبد أكثر من الدية، فهل يلزم المولى قدر الدية أم جميع قيمة العبد؟ على روايتين: قال
[ ٤٥٤ ]
في إحداهما: ليس على السيد إلا الدية؛ لأن الأولياء إذا عفوا عن القود سقط، ولم يكن لهم أكثر من الدية. وقال في الأخرى: قد استحق الأولياء رقبة العبد، فإذا اختار المولى أن يفديه، فعليه جميع قيمته قلت أو كثرت، أو يسلمه، كما لو كانت قيمة العبد بعض الدية لم يكن على السيد إلا القيمة قولا واحدا أو يسلمه.
فإن قتل عبد حرا فقال الأولياء: قد عفونا عن دمه وهو حر، لم يعتق بذلك، وكان باقيا على ملك سيده، ولا قود ولا قيمة على السيد، وروي عنه رواية أخرى أنه قال: أذهب إلى أن العبد إذا قتل عمدا يدفع إلى أولياء الدم، فإن شاؤوا قتلوه، وإن شاؤوا عفوا واسترقوه.
فوجه قوله في الرواية الأولى: إن عتق الأولياء له باطل، هو: إذا عفوا عن دمه قبل أن يسلمه المولى إليهم، لأنه في هذه الحال باق على ملك السيد، ما لم يختر الأولياء أخذه، لجواز أن يختاروا القيمة، فلا يستحقوا العبد. وأما إذا اختاره الأولياء وسلمه السيد إليهم، فإنهم يملكون رقبته بالقبض. وإذا ملكوه كان لهم قتله إن أحبوا، ولهم أيضا استحياؤه واسترقاقه. ففي هذا الموضع إذا أعتقوا نفذ عتقه وصح.
وقد قيل عنه: إنهم إذا استحقوا دمه، فعفوا عن القتل لا إلى القيمة، كان باقيا على ملك السيد، فلا يصح عتق الأولياء له في هذه الحال. لأن المستحق بقتل العمد هو النفس، وإنما ينتقل إلى الدية بمعنى آخر، والأول أظهر.
والذي بين ذلك من قوله، ما روي عنه في أمة قتلت ابنا لرجل، فسلمها سيدها إلى أبي المقتول ليقتلها، فوقع عليها وحملت منه، قال: لا شيء عليه، هي له. فهذه أوجه الروايتين عندي.
وجراح العبد في قيمته يوم يصاب.
فإن قتل حر وعبد حرا قتلا به، إن كان القتل عمدا. وإن قتلاه خطأ، فعلى روايتين: قال في إحداهما: على عاقلة الحر نصف دية المقتول. فأما العبد فإن
[ ٤٥٥ ]
اختار سيده تسلميه بجنايته فذا إليه، وإن لم يختر أن يسلمه، فداه بنصف دية المقتول، إلا أن تكون قيمته أقل من نصف الدية، فلا يلزم السيد إلا قدر قيمته. والرواية الأخرى: قال في حر وعبد قتلا حرا خطأ: إن كان العبد يسوى نصف دية الحر لزم السيد أن يفديه بها أو يسلمه، وإن كان يسوى ألفا أخذ الأولياء من السيد ألفا، وكان باقي الدية عل عاقلة القاتل الحر.
فإن قتل حر وعبد عبدا عمدا، فلا قود على الحر قولا واحدا، وعليه نصف قيمة العبد في ماله. وأما العبد، فإن شاء سيده فداه بنصف قيمة العبد المقتول، وإن شاء سلمه، ويتوجه أن يكون عليه نصف قيمة عبده لا نصف قيمة العبد المقتول.
وقد روي عنه: أن الخيار في أخذ القيمة أو العبد إلى الأولياء لا إلى السيد.
وروي عنه: بل الخيار للسيد دون الأولياء، وهذا صحيح.
أما إذا كان القتل عمدا، فالخيار للأولياء، وإذا كان خطأ، فالخيار لسيده، ويتوجه أن يكون الخيار للسيد في الوجهين جميعا؛ لأن الذي يستحقه الأولياء في قتل العمد رقبة العبد، وليس للسيد منعهم منه. فإن قالوا: نختار القيمة. كان السيد بالخيار بين أن يدفعها إليهم، أو لا يختار ذلك، فلا يلزمه إلا تسليم العبد.
فإن قطع رجل يد عبد وشجه آخر، ثم مات قبل الاندمال، ولا يعلم من أي الجنايتين تلف، فقيمته عليهما نصفين. فإن قطع حر يد عبد وقتله آخر في الحال، فعلى قاتله قيمة كاملة، وعلى قاطع يده نصف قيمته في ماله. فإن شج حر عبدا ثم أعتق، ثم شجه آخر، فمات قبل اندمال الجراحتين، فعلى الجاني الأول نصف قيمة العبد لمولاه، وعلى الجاني الثاني نصف دية حر لورثة العبد، فإن لم يكن له ورثة، فلمعتقه بالولاء.
فإن فقأ حر عين عبد فأُعتق العبد ثم مات من السراية، كان فيه قيمته للسيد ولا دية.
فإن قطع مسلم يد نصراني، فأسلم، ثم مات من السراية، فلا قود بينهما؛ لأن الجناية كانت وهو ممن لا قصاص بينه وبين مسلم، وعلى القاتل دية حر مسلم.
[ ٤٥٦ ]
ويتوجه أن لا يكون فيه إلا نصف دية مسلم، كما قال في العبد يجرح، ثم يعتق، ثم يموت: إن فيه قيمته، وإن كان مات حرا. وعلى قياس قوله في النصراني، يتوجه أن يكون في اعتبار ديات الجراح روايتان: إحداهما: حال الإصابة. والثانية: حال السراية.
ولو جرح مسلم مسلما عمدا، فارتد المجروح، ثم أسلم، ثم مات من السراية، فالقصاص بينهما ثابت.
ولو قتل مرتد نصرانيا أقيد به. ولو أمسكه رجل وقتله آخر قتل القاتل وحبس الممسك حتى يموت في إحدى الروايتين، وهو قول علي بن أبي طالب ﵁. وقال في الرواية الآخرى: يقتلان جميعا.
ولو ضربه بما الغالب أنه لا يقتل مثله فمات، لم يقتل به.
وإن ضرب بعض أعضائه بشيء لا يقطع مثله، فأتلف العضو اقتص منه. قال بعض أصحابنا: لأن العضو يتلف بأيسر مما تتلف به النفس.
ولو قتل خنثى مشكلا لزمه نصف دية رجل ونصف دية امرأة. وبه قال عبدالله ابن عباس ﵄.
وأولياء الدم: كل وارث بالغ، وصغير، وزوجة، وولد، وأخ، وأخت. ولا قود حتى يختاروه جميعا. ويُنتظر بالصغير البلوغ، وبالغائب القدوم، وبالمجنون أن يفيق. وإذا مات من الأولياء من ليس له مطالبة بالقود في الوقت، كالصغير قبل البلوغ، والمجنون قبل الإفاقة، والغائب قبل القدوم، بطل القود، وصاروا إلى الدية.
ولو قتل عمدا وعليه ديون وله وصايا، فعفا الورثة عن القاتل صح عفوهم، ولم يكن لأهل الديون والوصايا منعهم. قال بعض أصحابنا: لأن المال لا يملك
[ ٤٥٧ ]
بالعمد إلا بمشيئة المجني عليه إن كان حيا، وبمشيئة ورثته إن كان ميتا.
ولا تقتل حامل حتى تضع حملها وتفطم ولدها، إلا أن يوجد له مرضعة.
ولو قتل رجل جماعة كان أولياؤهم بالخيار، إن أحبوا جميعا قتله قتلوه، ولم يكن لهم غير ذلك، وإن أحب أحد الأولياء القود، واختار أولياء الباقين الدية كانت الدية لمن اختارها، والقود لمن اختاره.
فإن قطع يد رجل، وقتل آخر، لم يقتل حتى يندمل الجرح، فإن اندمل اقتص منه للمقطوعة يده إذا اختار، ثم قتل بالآخر.
ولو قتل رجل رجلا عمدا، فعدا عليه بعض الأولياء فقتله، لم يكن عليه شيء، لأنه قتل من قد استحق دمه. هذا إذا لم يكن قد عفا بعض الأولياء عن القود.
فإن قطع يد رجل من مفصل الكوع، فلم تندمل حتى قطعها آخر من المرفق ثم مات المجني عليه من السراية، كان القود على الجانيين جميعا في النفس، ولا يقطعان. فإن اندمل الجرحان كان للمجني عليه قطع يد الجاني الأول من الكوع، ولم يكن بينه وبين الجاني الثاني قصاص، وكان له حكومة في إحدى الروايتين، والرواية الأخرى: له عليه ثلث دية يد؛ لأنه قطع ذراعا لا يد فيها.
ولو قتل رجل رجلا فاختار الأولياء القود، وتشاحوا فيه، فقال كل واحد منهم: أنا أتولى استيفاءه بيدي. كان ذلك إلى الإمام يأمر من يشاء باستيفائه للأولياء.
ولو قطع بعض أعضائه، ثم شدخ رأسه فقتله، أو خنقه بحبل وما في معنى ذلك، فعلى روايتين: قال في إحداهما: القتل يأتي على ذلك كله فيقتل ولا يفعل به كما فعل. وقال في الرواية الأخرى: إنه يفعل به مثل ما فعل ثم يقل.
فإن طرحه في النار فقتله، لم يطرح فيها، وقتل بالسيف.
[ ٤٥٨ ]
ولو قطع أصبعه فسرت إلى كفه قطعت كف الجاني. ولو اختار المجني عليه القصاص قبل الاندمال، فاقتص من الجاني فقطع إصبعه، ثم سرت الجناية الأولى إلى نفس المجني عليه أو كفه، لم يكن فيها قصاص؛ لأن رضاه بالقصاص قبل الاندمال إسقاط لما يحدث من السراية.
ولو جرحه موضحة فذهب منها شعره وعيناه، كان عليه القصاص في الموضحة، وكانت دية الشعر والعين على عاقلة الجاني. قال ذلك بعض أصحابنا. ويتوجه فيها: أن تكون الدية في مال الجاني، لأن ذهاب الشعر والبصر كان من السراية، والجنابة عمد. وقال بعض أصحابنا أيضا: إنه يجب القصاص في العين أيضا إذا ذهبت من السراية، وهو أن يطرح فيها الكافور، أو تحمى له المرآة وتُدنى منها ليذهب البصر، ولا تقلع الجارحة.
ولو قطع يد رجل فيها إصبعان شلَّاوان، فلا قصاص بينهما، ويكون له دية اليد، يضع منها ثلثي دية إصبعين. فإن كان فيها أصبعان مقطوعتين، فلا قصاص أيضا، ويكون عليه دية اليد يضع منها دية أصبعين.
فإن ضرب يده فأشلها فعليه دية اليد كاملة، كما لو ضرب عينه فذهب نظرها وهي قائمة: أن عليه ديتها.
فإن قطع يدا فيها ست أصابع، أو كان للقاطع ست أصابع لم يكن بينهما قصاص عند بعض أصحابنا. قال: وكذلك لو قطع أنملة لها طرفان، فإن كان للقاطع مثل ذلك اقتص منه، وإلا كان له دية الأنملة، وحكومة للطرف الزائد.
فإن قطع أذنه فألصقها فالتحمت، فلا قصاص، وعلى الجاني حكومة. فإن سقطت في أي حال علم أنها كانت ميتة، وكان القصاص فيها ثابتا، ويلزم المجني عليه إعادة كل صلاة صلاها من حين ألزقها إلى وقت سقوطها.
فإن قطع يده وقال الجاني: كان شلاء، وقال المجني عليه: بل كانت
[ ٤٥٩ ]
صحيحة، فالقول قول المجني عليه، إلا أن يأتي الجاني ببينة على ما ادعاه.
ومن جُني عليه جناية عمد، فقال المجني عليه: عفوت عن جراحتي وما يحدث منها، فمات منها صح عفوه، ولم يكن للورثة قصاص، لما عفا صار لا حكم للجراحة، فلا حكم لما يحدث منها أيضا.
ولو كانت الجراحة خطأ، فقال: عفوت عن جراحتي وما يحدث منها، كان ذلك في ثلثه؛ وذلك أن المستحق بجراحة الخطأ هو المال، وليس له عند العفو على نفسه التصرف في أكثر من ثلثه، وجراحة العمد لا يستحق بها إلا القصاص، وهو حق له، فإذا عفا عنه سقط، ولأن الحد عندنا لا يورث مع عدم المطالبة به، فكيف يورث بعد العفو عنه؟
ولو جرح عبد حرا فمات، فابتاعه ولي الدم بأرش الجناية أو بغيرها، كان ذلك عفوا منه عن القود.
ولو شجه موضحة فاقتص منها، أو أخذ ديتها، فشجه آخر عليها بعد الاندمال فأوضحها، فلا قصاص، ولا دية، وفيها حكومة.
فإن قطع لسانه فأخذ ديته فنبت وعاد صحيحا، لزمه أن يرد الدية، وكان له أرش القطع. فإن قطعه قاطع ثان، كان فيه القصاص أو الدية، ولا يشبه ذلك ما قلناه في الموضحة؛ لأن الجلد فيها لا يعود إلى ما كان عليه، واللسان يعود كما كان، فإن نبت لسانه ونقص بعض حروف الكلام رد الدية، واحتسب بقدر ما نقص من حروف المعجم. فإن قطع قاطع لسانه ثانية، فلا قصاص فيها للنقصان، وله من الدية بحساب ما يكلم به من حروف المعجم.
ولو ضربه على سنه فاسودت، كان فيها حكومة، ولا قصاص؛ لأن منفعتها قائمة، كما لو ضربه على عينه فاسود بياض عينه، كان فيها حكومة ولا قصاص؛ لأن منفعة النظر باقية. وقد قيل عنه: إذا شرب سنه فاسودت، كان فيها ثلث ديتها.
فإن قطع يد رجل من مرفقه أو من كفه أو كوعه، لم يكن فيها إلا دية واحدة،
[ ٤٦٠ ]
فإن قطع أصابع إحدى يديه، كان فيها نصف الدية. فإن قطع الكف بعد ذلك، كان فيها حكومة.
ولو صاح برجل فمات، كانت ديته على عاقلة الصائح. ولو استعدى بالشرط على رجل فمات، كانت ديته على عاقلة المستعدي. وعلى كل واحد من الصائح والمستعدي عتق رقبة مؤمنة في ماله.
فإن أمر رجل عبده بقتل رجل، فقتله، فعلى روايتين: قال في إحداهما: يقتل السيد ويخلد العبد في السجن. قال: لأن العبد بمنزلة سوط السيد وسيفه. وقال في الرواية الأخرى: يقتل العبد القاتل، ويؤدب السيد. قال بعض أصحابنا: إن كان العبد أعجميا لا يعرف تحريم القتل قتل المولى، وإن كان العبد فصيحا يعرف تحريم القتل، فعلى روايتين.
فإن أمر حرا بقتل رجل ففعل، قتل القاتل دون الآمر، وأدب الآمر. وقد يتوجه في الحر المأمور أيضا إن كان أعجميا لا يعرف تحريم القتل أن يُقتل الآمر، ويؤدب المأمور.
قال: فإن قتل عبد حرا خطأ، فعتقه السيد بعد علمه بجنايته نفذ عتقه، ولزم السيد دية المقتول في ماله. وإن كان عتقه غير عالم بجنايته نفذ عتقه، ولم يكن عليه إلا قيمة العبد. ومن أمر عبده أن يجرح رجلا ففعل، كان على السيد أرش الجناية، وإن كانت أكثر من قيمة العبد.
وإذا جنى العبد المأذون له في التجارة جناية، وادَّان دينا، ولحق بدار الحرب، لزم السيد ما ادان دون الجناية، إلا أن يكون أمره بالجناية، فيلزمه حكمها أيضا.
وجناية أم الولد في رقبتها، وعلى السيد أن يفديها بقدر قيمتها ليس عليه أكثر من ذلك، ولا يسلمها، فإن جنت جناية ثانية، فهل عليه أن يفديها أم لا؟ على روايتين: قال في إحداهما: عليه أن يفديها كلما جنت. وقال في الأخرى: ليس عليه أن يفديها ثانية، وجنايتها في رقبتها تُتبع بها إذا عتقت.
[ ٤٦١ ]
فإن حفر عبد بئرا في طريق المسلمين بغير أمر سيده، فوقع فيها آدمي فالجناية في رقبة العبد يفديه السيد أو يسلمه. وإن كان حفرها بأمره، فما أصيب بتلك البئر فعلى السيد، كان ذلك بقدر قيمة العبد أو أكثر.
ومن استعان بعبد غيره بغير إذن سيده ضمنه. وإن جنى العبد في حال اشتغاله بخدمته كانت جنايته على مستخدمه دون سيده، وعلى مستخدمه لسيده أجرة ما عمل.
ومن جرح عبدا جراحة قد وقتت ديتها من الحر، كان لسيده بحساب ذلك من قيمة العبد على الجاني، وما لم توقت ديته من الحر، كان في ذلك ما نقص من قيمة العبد.
ولا قصاص بين حر وعبد في نفس، ولا جراح، ولا بين مسلم وكافر. وجراح أهل الذمة في دياتهم بحساب جراح المسلمين في دياتهم.
وإذا فقأ أعور عين صحيح عمدا، فلا قصاص بينهما، وعليه دية كاملة، وهو قول عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان ﵄. وإذا كان فقأها خطأ لم يكن فيها إلا نصف الدية على عاقلة الجاني.
فإن فقأ عين أعور عمدا كان المجني عليه بالخيار، إن شاء أخذ دية كاملة، ولا قصاص، كذلك يروى عن عمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم، وإن شاء اقتص منه وأخذ منه بعد القصاص نصف الدية.
واختلف قوله في رجل قطعت إحدى يديه في سبيل الله ﷿، أو في غير ذلك، ثم عدا عليه من قطع يده الأخرى على روايتين: قال في إحداهما: المقطوعة
[ ٤٦٢ ]
يده بالخيار بين أن يأخذ من القاطع دية كاملة ولا قصاص، وبين أن يقتص منه، فيقطع إحدى يديه ويأخذ نصف الدية. قياسا على ما قاله في عين الأعور. وقال في الرواية الأخرى: ليس له إلا نصف الدية أو القصاص، ولا يكون ذلك إلا في العين دون غيرها، لأنه يدرك بالعين الواحدة ما يدركه بالعينين، وليس كذلك في غيرها، لأنه لا تقوم إحدى يديه مقام اليدين، وهذا هو الصحيح، وبه أقول.
ومن قتل عبده أدب ولم يقتل. ولو قال حر لعبد: شجني. ففعل، لم يكن عليه شيء. وكذلك لو أمر حر حرا أن يشجه فشجه، لم يكن عليه شيء. وقد قيل عنه: بل يضمن أرش الجناية في ماله، ولا يقاد منه قولا واحدا. فإن قال عبد لحر: شجني. ففعل، ضمن أرش الجناية لمولاه قولا واحدا.
ولو أرسل صبيا في حاجة فما جنى في تلك الحال، فعلى عاقلته في الأنفس، وما بلغ ثلث الدية من الجراح، وفي ماله ما أتلف من الأموال، وما لم يبلغ أرشه ثلث الدية من الجراح. وإن جُني عليه فالذي أرسله ضامن.
والقائد والراكب ضامنون ما وطئت الدابة بيدها دون ما نفحت برجلها، لأنه يقدر على ضبطها من بين يديه، ولا يقدر على ضبطها من ورائه، ولا ضمان على الردف، إذ لا قدرة له على ضبط ولا غيره. فإن نخسها إنسان، أو هيجها فجنت على آدمي، لم يضمن راكبها. ولو ربطها في الطريق لزمه ما جنت. وما كان منها بغير فعلهم أو في حال الإفلات، فهو جُبَار. فإن كان راكبا فكبح الدابة أو حنكها باللجام، فأصابت شيئا بيدها أو برجلها ضمنه. وإن أرسل فِلْوَ الدابة وراءها، فجنى على آدمي ذمن، لأنه يقدر على ضبطه بالشد.
وما مات في بئر أو معدن، فهو جبار.
[ ٤٦٣ ]
ولو استأجر صانعا يحفر له بئرا فوقع عليه فتلف، فلا ضمان على مستأجره.
ومن حفر بئرا في ملكه، فوقع فيه إنسان فمات، فهو هدر. فإن حفرها في غير ملكه ضمن ما هلك بها. وكذلك لو ألقى حجرا في الطريق ضمن ما أصيب به. وكذلك لو صب ماء في الطريق فزلق فيه بعير أو غيره فهلك، أو أصابه كسر، ضمنه في ماله. فإن أصيب بذلك آدمي، فديته على عاقلته.
ولو حفر رجل من بئر أذرعا في غير حقه، ثم جاء آخر فحفرها إلى القرار، فأصيب بها إنسان أو مال، ضمناه جميعا، فما كان من مال، ففي أموالهما، وما كان من نفس فعلى عواقلهما. وكذلك ما كان من جرح حتى يبلغ عقله ثلث الدية، كان على عواقلهما. وإن نقص عقله عن ثلث الدية، ففي أموالهما.
وكذلك لو حفر رجل بئرا في غير حقه، وألقى فيها آخر سكينا، فسقط فيها إنسان، فإن أصيب بالبئر والسكين، ضمناه جميعا، وكانت ديته على عواقلهما.
ولو حفر بئرا لماء المطر ينتفع المسلمون بها، لم يضمن ما أصيب بها.
ولو حفر بئرا في أرض موات ملكها، ولم يضمن ما أصيب بها.
ومن بنى حائطا في غير ملكه فسقط ضمن البنَّاء والآمر ما أصيب، وينظر، فإن كان البناء يعلم أن الآمر أمره بالبناء في غير حقه، لم يرجع عليه بما يغرم. وإن كان لم يعلم ذلك، فله أن يرجع عليه بما يغرم، لأنه قد غره.
وإذا مال الحائط واستهدم لزم نقضه ويأمره بنقضه، فإن فعل وإلا أشهد عليه. فإن سقط بعد الإشهاد فأتلف مالا ضمنه مالكه، وإن أتلف إنسانا، فعلى عاقلة مالكه. وإن لم يكن أشهد عليه، لم يضمن ما أصيب به.
ولو سقط رجل على رجل فمات الأسفل، كان على عاقلة الأعلى ديته، وعليه عتق رقبة مؤمنة في ماله. وإن مات الأعلى لم تضمن عاقلة الأسفل شيئا من ديته.
[ ٤٦٤ ]
وإذا اصطدم الفارسان فماتا، ومات الفرسان، فدية كل واحد منهما على عاقلة الآخر، وقيمة الفرسين في أموالهما. فإن صدم فارس يركض فارسا واقفا، فمات الفارسان والدابتان، ضمن السائر قيمة دابة الواقف في ماله، وكان على عاقلته دية الفارس الواقف، وليس على عاقلة الواقف ضمان دية السائر، ولا في ماله ضمان قيمة فرسه.
وصاحب السفينة المنحدرة ضامن لما أصاب السفينة الصاعدة، إلا أن تكون ريح عظيمة غلبته لا يمكنه معها ضبطها، فلا يضمن.
وإذا رمى قوم بالمنجنيق فأصاب الحجر مسلما فقتله، فديته في بيت المال. فإن لم يده الإمام فديته على عواقل الذين مدوا المنجنيق. وعلى كل واحد منهم عتق رقبة مؤمنة في ماله. فإن رجع الحجر فقتل واحدا منهم، فعلى روايتين: قال في إحداهما: ديته على عواقلهم؛ لأنها جناية واحدة، كما قال فيمن ضرب حاملا فتلفت والجنين: إنها جناية واحدة على العاقلة. وقال في الرواية الأخرى: الدية عليهم في أموالهم، إن كان ما يصيب كل واحد منهم أقل من ثلث الدية، فإن كان أكثر، كانت على عواقلهم.
ولو اقتتل قوم فتلف بعضهم، وجرح بعضهم، كانت دية من قُتل على من جرح يرفع عنه منها بمقدار ديات الجراح.
والديات موروثة على الفرائض.
وفي جنين الحرة غرة: عبد أو وليدة قيمتها خمسون دينارا، أو ست مئة درهم، ويورث على كتاب الله ﷿.
ولو ضربتها فألقت جنينين أو أكثر كان في كل واحد غرة: عبد أو وليدة، قيمتها عشر دية الأم. وهل عليه عتق رقبة واحدة للجميع، أو لكل واحد عتق رقبة مؤمنة؟ فيه وجهان.
[ ٤٦٥ ]
فإن ضربها فألقت جنينا حيا ثم مات، ففيه دية كاملة على عاقلة الضارب. وسواء استهل أو لم يستهل. وعليه عتق رقبة مؤمنة في ماله.
ومن شربت دواء فألقت جنينا حيا ثم مات، فديته على عاقلتها لا ترث هي منها شيئا. وإن ألقته ميتا فالغرة عليها في مالها، وعليها عتق رقبة مؤمنة في مالها في الوجهين جميعا.
ولا يرث قاتل عمد ولا خطأ من دية المقتول ولا غيرها.
وفي جنين الأمة من سيدها ما في جنين الحرة. وإن كان من غيره، ففيه عشر قيمة أمه في إحدى الروايتين، وفي الأخرى: فيه نصف عشر قيمة أمه. والأول عنه أظهر.
وفي جنين اليهودية والنصرانية عشر دية أمه، وكذلك جنين المجوسية.
ومن قتل عبدا، فعليه قيمته بالغة ما بلغت.
وكفارة قتل الخطأ واجبة في مال القاتل، عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله ﷿. وإن عفي عنه في قتل العمد فأعتق إن وجد، أو صام إن لم يجد كان أفضل، وليس ذلك بواجب عليه.
ويقتل الزنديق ولا يستتاب في الأظهر من القول عنه. والزنديق هو: الذي يُظهر الإيمان ويستر الكفر.
ويقتل الساحر إلا أن يتوب، وكذلك الكاهن والعراف.
ويقتل المرتد إلا أن يتوب، ويؤجل للتوبة ثلاثة أيام، رجلا كان أو امرأة، وكذلك كل من وجبت استتابته أجل ثلاثا.
[ ٤٦٦ ]
ومن جحد وجوب الصلاة، أو خصلة من دعائم الإسلام الخمس، كان مرتدا لا أعلم فيه خلافا، ويقتل إلا أن يتوب.
ومن ترك الصلاة غير جاحد لها توانيا وكسلا، دُعي إليها في وقت كل صلاة ثلاثة أيام؛ فإن صلى، وإلا قتل. وهل يكفر بترك فعل الصلاة مع الإقرار بها واعتقاد وجوبها أم لا؟ الظاهر من قوله المنصوص عنه: أنه يكفر بترك الصلاة جاحدا أو غير جاحد إذا تركها تعمدا حتى يخرج وقتها ويدخل وقت غيرها لغير عذر. فعلى هذا من قوله، إذا قتل لأجل تركها بعد الثلاثة أيام، كان ماله فيئا.
واختلف في قدر الترك الذي يكون به كافرا على ثلاث روايات، إحداها: ما ذكرته، والأخرى: إذا ترك صلاتين. والرواية الثالثة: إذا ترك ثلاث صلوات فصاعدا حتى تخرج أوقاتها كلها.
وقال بعض أصحابنا: إنه لا يكفر بالترك مع الإقرار بها، واعتقاد وجوبها، والعزم على قضائها. وقد نص أحمد ﵁ على ذلك في موضع، فقال: الكفر لا يوقف عليه أحد، ولكن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.
وهل تبين منه زوجته أم لا؟ المنصوص عنه أنه قال: تختلع منه، ولم يقل: إنها تبين منه. ويتوجه إذا حكمنا بردته، أن تبين منه الزوجة. فإن تاب وهي في العدة فهي زوجته، وإن لم يتب حتى انقضت عدتها بانت. وإذا قلنا: إنه لا يكون كافرا، فإن تاب، فلا مسألة، ويقضي ما ترك من الصلوات. وإن لم يتب وقتل لأجل تركها، لم تبن منه الزوجة، وكان ماله لورثته من المسلمين.
ولا يكفر بمنع الزكاة مع الإقرار بها واعتقاد وجوبها، في الأظهر من قوله؛ لأن الإمام يأخذها منه قهرا وتجزئه. فإن منع الزكاة عصبة ذوو منعة جحودا لها، قاتلهم الإمام، ولم يسب ذراريهم، ولم يسترقهم. وإن منعوها بخلا من غير جحود لها، فهل يقاتلون عليها أم لا؟ على روايتين.
ومن ترك فعل الحج مع الإقرار به، واعتقاد وجوبه، وقدرته على فعله، لم يكفر
[ ٤٦٧ ]
قولا واحدا. قال: ولكن لا تقبل له شهادة ما لم يحج. فإن مات ولم يحج حجة الفرض حج عنه وليه من صلب ماله، قبل الوصية والميراث إذا كان في ماله فضل.
ومن ترك صوم شهر رمضان، مقرا به، معتقدا لوجوبه، أجبر على الصيام ولم يقتل. وقيل عنه: يستتاب من ذلك ثلاثا، فإن تاب، وإلا قتل. ولا يكفر بذلك في الصحيح عنه.
ومن سب رسول الله ﷺ قتل ولم يستتب. ومن سبه ﷺ من أهل الذمة قتل وإن أسلم.
ومن ادعى النبوة، ومن سب الباري تعالى من مسلم وكافر قتل.
ومال المرتد لبيت مال المسلمين دون ورثته.
والمحارب القاطع الطريق، المخيف السبيل، الذي يعترض الناس خارج المصر، فيأخذ مالهم مجاهرة، إذا أُخذ على محاربته، وظُفر به، قتل إن كان قد قتل ولم يأخذ مالا، ولم يُصلب. فإن كان قد قتل، وأخذ المال، قتل ثم صلب، وإن كان لم يقتل بل أخذ من المال ما يجب القطع في مثله قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى من خلاف في مقام واحد وحُسِمَتا. وإن كان لم يقتل ولا أخذ مالا، حبس ولم يقم عليه شيء من الحدود. والحبس: النفي من الأرض. وقيل عنه: بل نفيه: أن يشرد من بلد إلى بلد. ولا عفو فيه إذا أخذ على محاربته وقد قتل.
وإن تاب من قبل أن يُقدر عليه وجاء تائبا، وضع عنه كل حق لله تعالى كان أتاه في حال المحاربة، وأخذ بحقوق الآدميين من الأنفس والأموال، إلا أن يُعفى له عنها. وقد روي عن أحمد ﵁ رواية أخرى: أن آية المحاربة
[ ٤٦٨ ]
منسوخة، وأنها نزلت في العرنيين الذين استاقوا الإبل وقتلوا الراعي، وكانوا ارتدوا، فأنزل الله تعالى فيهم الآية، وأن ذلك قبل نزول الحدود. قال: فأما اليوم فحكم من خرج لقطع الطريق مرتب على ما نزل في آية الحدود. ولولا قيام الدليل على وجوب قطع الرجل مع اليد للمحارب إذا أخذ المال لكنّا نقول: لا تقطع إلا يده اليمنى كما نقول في السارق. وعلى هذا من قوله، يجيء أن يصح عفو ولي الدم عن المحارب القاتل إذا أُخذ على المحاربة ولا يكون الإمام مخيرا فيه.
واللصوص ضامنون لما أخذوه من الأموال وإن قُطعوا. ومن قاتل منهم وقتل ثم ظفر بهم قتل القاتل منهم دون من لم يقتل.
ومن زنى من حر محصن رجم حتى يموت، ولا يكون محصنا إلا أن يكون الزوجان حرين، بالغين، عاقلين، مسلمين، أو كتابيين، أو الزوج مسلم والزوجة كتابية، ويطؤها في الفرج وطئا صحيحا في نكاح صحيح.
وحد البلوغ الذي تجب به الحدود: الإنزال من الرجال، والحيض من النساء، أو بلوغ خمس عشرة سنة من كل واحد منهما، أو الإنبات.
والحرة الصغيرة تحصن الحر البالغ إذا وطئها، ولا يحصنها هو حتى تبلغ المحيض. والحر المراهق يحصن الزوجة الحرة البالغة إذا وطئها ووصل إليها في النكاح الصحيح على ما بينت، ولا تحصنه حتى يبلغ.
ومن زنى من بكر لم يُحصن جلد مئة جلدة، وغرب إلى بلد آخر، وحُبس فيه سنة.
[ ٤٦٩ ]
وقد روي عنه رواية أخرى: أن المحصن يجلد مئة ثم يرجم. وذهب في ذلك إلى حديث عبادة بن الصامت أنه لما نزلت آية الجلد رقي النبي ﷺ المنبر فقال: "خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مئة والرجم". وقد روي عن علي ﵁ أنه جلد شُراحة ثم رجمها، وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ.
ولا رجم على عبد ولا أمة إذا زنيا، وحدهما الجلد، فيجلد كل واحد منهما خمسون جلدة، ولا تغريب عليهما. والبكر الحرة إذا زنت غربت، كما يغرب الرجل، فإن لم يكن لها محرم، غربت إلى بلد لا يكون بينه وبين بلدها ما تقصر في مثله الصلاة.
والعبد لا يحصن الحرة، والأمة لا تحصن الحر، وإن كان وطئها بنكاح.
ولا يجلد أحد في زنى إلا أن يقر أربع مرات طوعا، ويرد، كما فعل النبي ﷺ بماعز، ولا يرجع عن الإقرار، أو يشهد عليه أربعة رجال أحرار عقلاء، بالغين، مسلمين، عدول مرضيين، يرون فرجه في فرجها، كالمرود في المكحلة، ويشهدون في مقام واحد، فإن جاؤوا متفرقين واحدا بعد واحد، والحاكم جالس لم يقم من مجلسه حتى تمت الشهادة، قبلت شهادتهم، وأقيم الحد على المشهود عليه. وإن جاء بعضهم والحاكم جالس فشهد، ثم جاء من بقي منهم بعد قيام الحاكم من مجلسه فشهد، لم تقبل شهادتهم قولا واحدا، والأظهر عنه أنهم قذفة.
ولو شهد منهم ثلاثة، فوصفوا الزنى ولم يتم الرابع الصفة في شهادتهم، جلد
[ ٤٧٠ ]
الثلاثة حد القذف. وإن شهد أربعة عميان بالزنى لم تقبل شهادتهم قولا واحدا. وهل يجلدون أم لا؟ على روايتين، قال في إحداهما: هم أربعة قد أحرزوا ظهورهم، وقال في الأخرى: هم قذفة، لأن الشهادة بالزنى تفتقر إلى المعاينة، وعليهم حد القذف.
ولو شهد أربعة على رجل بالزنى، فرجم، ثم رجعوا عن الشهادة، وقالوا: تعمدنا الشهادة عليه بالزور حتى قتل، قتلوا به. وإن قالوا: أخطأنا أغرموا الدية في أموالهم. فإن رجع بعضهم ألزم حصته من الدية، ولا شيء على من لم يرجع. وإن رجع منهم واحد قبل أن يقام الحد على المشهود عليه، جلد الثلاثة حد القذف.
ولا حد على من لم يبلغ الحلم. فإن زنى بالغ بصبية، ووصل إليها حُدَّ وحده. وإن أمكنت امرأة من نفسها غلاما لم يبلغ الحلم ووصل إليها حُدَّت وحدها.
ومن زنى بأمة والده حد، وقيل: يعزر، ولا يبلغ به الحد، وتحرم الأمة على الأب أبدا، فلا يحل له وطؤها، وله استخدامها وبيعها. ولا يحرم على الابن وطؤها إن ملكها بعد ذلك، إلا أن يكون الأب قد كان وطئها قبل وطء الابن لها، فيحرم وطؤها عليهما أبدا. وكذلك لو أقدم الأب على وطئها بعد وطء الابن لها جاهلا بالتحريم، أو متأولا حرم وطؤها عليهما أبدا. فإن أتت بولد من وطء الابن لم يلحق نسبه به، وكان حرا.
ولا حد على من وطئ أمة ولده، فإن كان الأب قبضها قبضا نوى به التملك لها ثم وطئها، ولم يكن الابن وطئها قبل ذلك بحال، فقد ملكها الأب. وإن أتت بولد منه لحق به، وصارت أم ولد له.
ويؤدب الشريك في وطء الأمة التي بينه وبين شريكه، ولا يبلغ به الحد، وعليه حصة شريكه من عقرها إن لم تحمل. وإن حملت منه كان عليه مع العقر قيمة حق شريكه فيها، والولد حر، وصارت الأمة أم ولد للواطئ.
[ ٤٧١ ]
ولو وقع الشريكان عليها في طهر واحد، فأتت بولد وادعياه، نظر إليه القافة، فإن ألحقوه بأحدهما كان الحكم فيه كما لو كان وطئها واحد إلا في العقر، فلا يلزمه. وإن ألحقوه بهما كان ابنهما والأمة أم ولدهما، ولا يحل لأحدهما وطؤها بعد ذلك بالملك. فإن أعتقاها، تزوجها من شاء منهما بإذنها وأمر الآخر. وإن أعتقها أحدهما بعد الاستيلاد منهما، وهو موسر، سرت الحرية إلى جميعها، ولم يضمن لشريكه شيئا، لأن القيمة تلفت بالاستيلاد، ويحتمل أن لا تسري الحرية إليها موسرا كان المعتق أو معسرا، ولا يعتق منها إلا حصته دون حصة شريكه، ثم لا طريق لأحدهما إلى وطئها في هذا الموضع بملك ولا نكاح.
وإن قالت امرأة بها حمل ولا بعل لها: استُكرهت. صدقت.
والذمي إذا غصب مسلمة فوطئها، قتل أسلم أو لم يسلم؛ لأن القتل قد وجب عليه قبل الإسلام بالفعل.
وإن رجع من أقر بالزنى عن إقراره قُبل رجوعه وأقيل وترك ولم يجلد.
ويقيم المولى حد الزنى على عبده وأمته إذا ثبت ذلك عنده بما يثبت به الزنى من بينة أو إقرار. وقيل عنه: لا يقيم الحدود بحال على حر ولا عبد إلا السلطان.
ومن عمل عمل قوم لوط ببالغ رجما أحصنا أو لم يحصنا في إحدى الروايتين، وهو قول عبدالله بن عباس ﵄. وفي الأخرى: حكمهما حكم الزاني، إن كانا محصنين رجما، وإن كانا بكرين حُدا مئة مئة وغربا، وهو قول علي بن أبي طالب ﵁.
وإن فعل ذلك بالغ بصبي كان الحد على البالغ خاصة على ما بينا من الاختلاف عنه فيه. وإن فعل ذلك دون الدبر لم يحد واحد منهما، وأدبا، ولا يجاوز بهما عشر جلدات.
وإذا أتت المرأة المرأة أدبتا ولم يبلغ بهما الحد. ولا حد على من أتى ميتة ويعزر.
[ ٤٧٢ ]
ومن أحلت فرج جاريتها لزوجها فوطئها جلد مئة. فإن وطئها بغير إذنها رجم إن كان محصنا. فإن أتت بولد في هذا الموضع لم يلحقه. فإن وطئ جارية زوجته بعد وفاتها لم يحد، ولحق به الولد إن أتت به؛ لشبهة ملكه فيها، ويغرم لشركائه فيها قيمة حقوقهم منها.
ومن تزوج ذات محرم ووطئها مستحلا لذلك قتل. وروي عنه أنه يقتل ويؤخذ ماله إلا أن يكون يرى ذلك مباحا، أي: يظن أنه مباح بالعقد، فيُدرأ عنه القتل ويجلد الحد، وكذلك المرأة.
فإن أتاها زنى، فعلى روايتين، قال في إحداهما: يقتل ويؤخذ ماله فجر بها أو تزوج. وقال في الرواية الأخرى: عليه حد الزاني ولا يقتل. والذمي إذا زنى بذمية ثم أسلم أقيم عليه الحد، ولم يدرأه عنه الإسلام.
وعلى القاذف الحر ثمانون جلدة إذا طلب ذلك المقذوف ولم يكن للقاذف بينة، فإن كان القاذف عبدا جُلد أربعين جلدة. فإن قذف رجلا فجُلد له، ثم عاد فقذفه ثانية فهل يجلد له حدا ثانيا أم لا؟ على روايتين: قال في إحداهما: لا يعاد الجلد عليه وإن عاد إلى قذفه. وقال في الأخرى: إن عاد إلى قذفه بعد ما جُلد له يُعاد الجلد عليه. فأما إذا قذفه مرارا ولم يجلد، فليس عليه إلا حد واحد قولا واحدا.
والكافر إذا قذف كافرا، ورفع إلينا حددناه ثمانين. فإن قذف كافر مسلما فقد برئت منه الذمة. فإن أسلم جلد له إذا طلب المقذوف ذلك. وإن أبى أن يُسلم قتل.
وروي عنه رواية أخرى: أنه يضرب الحد ولا يقتل، وإن لم يسلم. فإن قذف ذمي عبدا مسلما نكل به. وضرب حسب ما يراه الحاكم، ولم يبلغ به الحد.
ولا حد على قاذف الكافر ويعنف. وقيل عنه: يؤدب. والأول اختياري.
فإن قذف مسلم ذمية ولها ولد مسلم، أو هي تحت مسلم، فهل يجلد قاذفها الحد أم لا؟ على روايتين: إحداهما: عليه الحد لحرمة الولد المسلم أو الزوج
[ ٤٧٣ ]
المسلم. والأخرى: لا حد عليه ويؤدب.
ولا حد على من قذف غلاما، له أقل من عشر سنين. فإن كان له عشر فصاعدا جلد قاذفه، قال: لأنه يضرب على ترك الصلاة إذا تمت له عشر سنين.
ولا حد على قاذف جارية، لها دون تسع سنين. فإذا كان لها تسع فصاعدا، أو مثلها تحمل الرجال حُد قاذفها. ولا حد على من لم يبلغ الحلم في قذف ولا وطء. ويتوجه إذا أسقطنا عنه الحدود قبل البلوغ أن لا يحد قاذفه.
ومن نفى رجلا من نسبه فعليه الحد ثمانون جلدة.
وفي التعريض بالقذف الحد في إحدى الروايتين، وفي الرواية الأخرى: لا حد إلا بالتصريح بالقذف.
ومن قذف مسلما بما أتاه في حال الكفر حد لحرمة الإسلام.
ومن ادعى على رجل أنه قذفه وأنكر المدعى عليه، فهل عليه اليمين عند عدم بينة المدعي أم لا؟ على روايتين: قال في إحداهما: يحلف له، فإن نكل عن اليمين أقيم عليه الحد. وقال في الأخرى: لا يمين عليه في ذلك. وهو الأظهر من قوله. ولا يختلف قوله: أن اليمين لا تجب في دعوى القتل. وكل موضع لم تجب فيه اليمين لا يحكم فيه بالنكول.
ومن قال لرجل: يا لوطي، كان قاذفا، وحد له، إلا أن يقول: أردت أنه من قوم لوط. وقد قيل عنه: إنه يجلد ولا يسأل ما أراد.
ومن قذف مجنونا حد له.
ومن قال لرجل: يا ناكح أمه. والأم حية جلد حدين. وكذلك لو قال: يا بن الزانيين، وروي عنه رواية أخرى فيمن قال لرجل: يا بن الزانيين. أنه ليس عليه إلا
[ ٤٧٤ ]
حد واحد. فإن قال له: يا زاني ابن الزاني. جلد حدين في الأظهر عنه. فإن قال له: يا معفوج جلد له الحد.
ومن قذف ولد زنى، أو ولد ملاعنة، أو ذات رحم محرم حد. فإن قذف الأب ابنه لم يجلد، وإن قذف الابن أباه جلد الحد.
ومن قذف زانية قد جلدت لم يحد.
ومن قال لابنه: يا ابن الفاعلة، والأم حية، فإنما قذف زوجته، يلاعنها إن طالبته ويفارقها. وإن أكذب نفسه حد لها ثمانين، وهي زوجته.
فإن قذف حر عبدا لم يحد وأدب. ومن قال لرجل: لست لأبيك. حد. فإن قال له: لست لأمك. لم يكن قاذفا ولم يحد.
ومن قذف زوجته الصغيرة، أو المجنونة، أو الخرساء، لم يحد لها، لأن المطالبة لا تصح منها، ولعلها تعفو أو تترك.
ومن قذف جماعة بكلمة واحدة فحد واحد يلزمه لمن قام به منهم، ثم لا شيء عليه. وقيل عنه: إن قدموه جميعا إلى الحاكم وطالبوه، ضربه لهم حدا واحدا، وإن قدموه إلى الحاكم واحدا بعد واحد، ضربه لكل رجل منهم حدا كاملا. فإن قذفهم متفرقين جلد لكل واحد حدا كاملا قولا واحدا.
فإن قال لرجل: يا حروري، يا كافر، يا ديوث، يا مرابي، يا كشخان، يا شارب خمر، يا عدو الله، يا جائر، يا ظالم، يا كذاب، يا خبيث الفرج، فعليه في ذلك كله أدب، ما بين ثلاث جلدات إلى عشر جلدات. فإن قال له: يا مخنث. فلا
[ ٤٧٥ ]
شيء عليه فيه.
فإن قال لغير سوادي: يا نبطي. أدب. فإن كان سواديا فلا شيء.
ومن قذف أم النبي ﷺ قتل ولم يستتب.
ومن كرر شرب الخمر، أو كرر الزنى فحد واحد ما لم يكن قد حد. فإن حد لذلك ثم عاد إلى فعله حد أيضا. ومن لزمه حد وقتل، فالقتل يأتي على ذلك كله، إلا في القذف، فليحد حد القذف، إذا طلب المقذوف ذلك، ثم يقتل.
ومن شرب خمرا أو مسكرا جلد ثمانين جلدة، سكر أو لم يسكر، في إحدى الروايتين. والرواية الأخرى: قال: حد الشارب أربعون جلدة. ولا يحد السكران حتى يفيق.
ومن احتقن بالخمر، أو استعطَ الخمر وليس بسكران، هل يحد أم لا؟ على روايتين: قال في إحداهما: إذا علم أن ما شربه يسكر حد بحديث عمر بن الخطاب ﵁. وقال في الرواية الأخرى: أرى عليه الأدب. والأول عنه أظهر.
قال: ومن شرب مسكرا في شهر رمضان غلظت عليه الحدود، كمن يأتي الحد في الحرم.
ومن شرب مسكرا غير الخمر على تأويل، ولم يسكر، قبلت شهادته في إحدى الروايتين، وصلي خلفه، وحد ثمانين. وفي الرواية الأخرى: لا تقبل شهادته، ولا تجوز إمامته وعليه الحد، وبهذا أقول.
وعلامة السكر عنده: إذا وضع الشارب ثوبه مع ثياب غيره، فلم يعرفه، أو
[ ٤٧٦ ]
وضع نعله مع نعال، فلم يعرفها، فهو سكران. وكذلك إذا كان قبل الشرب معروفا بقلة الكلام والتماسك فهذى بعد أن شرب، وأكثر كلامه، وخلط، فهو سكران.
ولا يجرد المحدود في القذف، وينزع عنه رداؤه، ويضرب على قميصه سوطا بين السوطين، وضرب الزنى أشد من ضرب القذف، ويضرب الزاني على سائر جسمه؛ ليعطى كل عضو من الضرب حقه. ويتوقى الوجه والرأس والمذاكير، فلا يضربه على ذلك.
ولا يقام الحد في القذف إلا بمشهد من المقذوف، لكيلا يكون قد عفا. وتجلد المرأة جالسة، وهذا من قوله، دليل على أن الرجل يجلد قائما.
ويجلد المريض إذا وجب عليه الحد؛ فقد أقام عمر بن الخطاب ﵁ الحد على قدامة وهو مريض. وقال بعض أصحابنا: فإن كان مُدْنَفًا ضرب بأثكال النخل. وقال بعضهم: لا فرق بين أن يكون مدنفا، أو أن يكون المرض خفيفا، ويضرب الحد في الحالين.
ولا حد على حامل حتى تضع.
ولا يقتل واطئ البهيمة ولا البهيمة. وقيل: بل تقتل البهيمة، ويعاقب واطئها، ولا يبلغ به الحد. وقيل عنه: عليه حد الزاني.
ومن أتى حدا خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم، فهل يقام عليه الحد في الحرم أم لا؟ على روايتين: قال في إحداهما: لا تقام الحدود عليه في الحرم، ولكن لا يبايع، ولا يشارى، ولا يعامل، ولا يكلم، حتى يضيق به الأمر، فيخرج من الحرم فتقام عليه الحدود.
وقال في الأخرى: تقام الحدود كلها عليه في الحرم إلا القتل، فلا يقتل في
[ ٤٧٧ ]
الحرم.
فأما إذا أتى حدا في الحرم، فإنه يقام عليه في الحرم، ما كان من حد وقتل وغيره، قولا واحدا.
[ ٤٧٨ ]