قال الله ﷿ (وأحل الله البيع وحرم الربا) البقرة ٢٧٥) وقال (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) النساء ٢٩)
فالبيع هو الإيجاب والقبول والثمن الحلال المعلوم فكل ماحصل هذا فيه فهو بيع صحيح إلا مانهى عنه الرسول ﷺ أو قام على فساده دليل.
والربا حرام بقوله (وحرم الربا) البقرة ٢٧٥) وقوله (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا مابقي من الربا إن كنتم مؤمنين. فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله) الآية البقرة ٢٧٨ - ٢٧٩) وقيل إن ربا الجاهلية كان في الديون إن أن يقضيه وإما أن يُربي له فيه.
ومن الربا بيع الفضة بالفضة والذهب بالذهب متفاضلا نقدا كان ذلك أو نسيئة ولا بأس ببيع الذهب بالفضة والفضة بالذهب متفاضلا يدا بيد ولا يجوز نسيئة ولا يجوز بيع ذهب بذهب ولا ورق بورق إلا مثلا بمثل يدا بيد ولا يجوز متفاضلا ولانسيئة.
وعله الربا عنده هي الكيل والوزن فكل ما كان مكيلا أو موزونا مُقتاتا وغير مُقتات فلا يجوز بيع جنس منه بجنسه متفاضلا نقدا ولا نسيئة ولا بيع بعضه ببعض (إلا) متساويا (وكذا) الموزونات كلها.
ولا يجوز الافتراق عن مجلس الصرف قبل التقابض قولا واحدا فإن فعلا بطل الصرفُ.
[ ١٨٣ ]
وما خرج من المكلي والموزون مأكولا وغير مأكول فلا ربا فيه وبيعُ بعضة ببعض من جنسه ومن غير جنسه متساويا ومتفاضلا نقدا جائز ولا يجوز نسيئة. وقد روي عنه رواية أخرى أن ماكان مطعوما لم يجز التفاضل فيه من جنسه. والأول عنه أصحُ عنه أصحُ وأظهر.
والبُرُ والشعير جنسان والزبيب كله جنس واحد وإن اختلف أنواعه والتمور كلها جنس واحد والقطاني أجناس مختلفة واختلف قوله في لحوم الأزواج الثمانية من الأنعام هل هي جنس واحد أو أجناس مختلفة؟ على روايتين قال في إحداهما إن لم البقر والغنم جنس واحد ولا يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلا نقدا ولا نسيئة وقال في الرواية الأخرى إنها أجناس مختلفة ولا بأس ببيع رطل لحم غنم برطلين لحم بقر وكذلك رطل لحم بقر برطلين لحم جزور يدا بيد. ولا يجوز نسيئة والخلاف عنه في لحوم الوحش من الظباء والأيل كالخلاف في لحوم الأنعام.
فأما الطير فصنف واحد والسمك صنف واحد وشحوم ذلك كلحمه وما تولد من ألبان ذلك فحكمه كحكم لحمه إذا قلنا إن اللحوم أجناس وكذلك الشحوم وإذا قلنا: اللحوم جنس واحد فكذلك الألبان والشحوم ولا خلاف عنه أن لحم السمك والطير جنسان.
قال ولا تكسر سكة المسلمين الجائزة بينهم من غير بأس ومنع من إنفاق الورق المغشوش حتى يُصفى وكره كسر الدراهم الصحاح والدنانير إلا أن يكون فيه غش فلا يجوز إنفاقها حتى تُسبك وتصفى من الغش.
ولا يجوز أن يبيع عشرة دراهم مكسرة بثمانية دراهم صحاحا وفلسين فإن خبيث وإن باعها بذهب نقدا كان جائزا.
قال ولا يجوز أن يبيع ألف درهم صحاحا بألف درهم ومئة درهم مكسرة.
[ ١٨٤ ]
وثوب وكذلك لايجوز أن يبيع ألف درهم صحاحا ودينارا بألف درهم ومئة درهم مكسرة ولا بأس أن يبيع من دينار بعضه بورق ويكون شريكا فيه قال ولو باعه دينارا ونصفا فدفع إليه دينارين ووكله في بيع الزيادة له جاز قال ولو باع من رجل دينارا بدراهم نقدا (جاز) ولا يجوز نسيئة.
وما اختلف أجناسه من ذلك جاز بيع بعضه ببعض من غير جنسه متفاضلا نقدا ولا يجوز نسيئة وقد روى ابن سيرين عن مسلم بن يسار عن عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال «لاتبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق ولا البر بالبر ولا الشعير بالشعير ولا التمر بالتمر ولا الملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين يدا بيد ولكن بيعوا الذهب بالورق والورق بالذهب والبر بالشعير والشعير بالبر والملح بالتمر بالملح كيف شئتم يدا بيد».
وروى أسامة بن زيد أن النبي ﷺ قال (إنما الربا في النسيئة) وذلك محمول على التفاضل في الجنسين المختلفين إلى أجل بدليل حديث عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ (الذهب بالورق ربا إلاهاء والبر بالشعير ربا إلاهاء وهاء» وكأن في هذا الخبر دليل على أن النبي ﷺ إنما أراد بقوله «إنما الربا في النسيئة» أن لا يتفارقا حتى يتقابضا لئلا يدخل النساء فيحصل الربا.
وقال عمر بن الخطاب ﵁ لمالك بن أوس بن الحدثان وقد صارف
[ ١٨٥ ]
رجلا لا تفارقه حتى تعطيه ورقه أو ترد عليه ذهبه وهو راوي «هاء وهاء» فدلت هذه الأحاديث على أن الربا من وجهين أحدهما في النقد بالزيادة في الكيل والوزن من الجنس الواحد والآخر في النساء بزيادة الأجل في الجنس الواحد والجنسين المختلفين.
وقد يدخل الربا في غير ما سمي بدليل حديث يحيى بن سعيد القطان عن صدقة بن المثنى عن رياح بن الحارث عن عمار: أنه قال في هذا: العبد خير من العبدين والثوب خير من الثوبين فما كان يدا بيد فلا بأس إنما الربا في النساء إلا ماكيل أو وزن.
قال أحمد ﵀: فهذا حديث جامع جعل عمار الربا في جميع ما يكال ويوزن مما يؤكل ومما لا يؤكل كالحديد والنحاس وما في معنى ذلك قال أحمد فلا يباع الفلس بالفلسين ولا السكين بالسكين لأن النحاس بالحديد بمنزلة الذهب والفضة وأصله الوزن.
ولو باعه عينا بورق أو ورقا بعين وأحد النقدين حاضر ثم لم يفترقا من المجلس حتى تقابضا جاز ذلك وكذلك في المكيلات لم يجُز أن يشتري بالدراهم منه ذهبا إلا أن يمضي ليبتاع بالورق من غيره ذهبا قال لا ضمان على الناقد فيما يخطئ فيه من النقد ومتى وجد المتصارفان أو أحدهما بعد التفرق في أحد النقدين زيوفا فعلى روايتين إحداهما يبطل الصرف كله والرواية الأخرى له البدل والصرف صحيح وقد قيل عنه: إنه لابدل له والصرف صحيح. \ومتى اشترى طعاما كيلا معلوما لم يجز له بيعه قبل أن يستوفيه كيلا قولا واحدا فإن ابتاعه جزافا مع جهالتهما بكيله فهل للمشتري بيعه قبل قبضه أم لا؟ على روايتين أجاز ذلك في إحداهما ومنع منه في الأخرى.
[ ١٨٦ ]
ولا بأس ببيع صبر الطعام بالثمن المعلوم إذا جهل البائع والمشتري قدر كيله ولا يجوز ذلك مع علمهما بدر كيله إلا كيلا ولا يجوز بيع صبر الطعام بصر الطعام ولا يعلم كيل هذا ولا كيل هذا.
وحكم الموزون حكم المكيل إذا بيع وزنا أو جزافا.
ولو ابتاع رجلان طعام كيلا وقبضاه كيلا ثم اختار أحدهما بيع حصته منه من شريكة قبل أن يتفرقا فهل يلزمه أن يوفيه ذلك كيلا أم يجزئهما الكيل الأول؟ نقص فعليه.
ومن ابتاع ماليس بمكيل ولا موزون فله بيعه قبل قبضه وكذلك العقار.
وما أصله الكيل فلا يباع بجنسه موزونا وما أصلُه الوزن فلا يباع بجنسه مكيلا.
قال ولا خير فيما يوزن بما يوزن جزافا ولا فيما يكل (بما يكال) جزافا اتفقت الأجناس أم اختلفت.
ولا بأس ببيع المكيل بالموزون جزافا والموزون بالمكيل جزافا على مابيناه.
ولا يجوز بيع المحاقله وهو: بيع السنبل بالحنطة كيلا ولا بيع المزابنه وهو بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر كيلا ولا يجوز بيع رطب بيابس من جنسه متساويا ولا متفاضلا ولا يباع البر بالدقيق كيلا ولا وزنا متساويا ولا متفاضلا نقدا ولا نسيئة ولا يباع السويق بالبر ولا الدقيق متفاضلا قولا واحدا واختلف قوله في بيع البر بالسويق والسويق بالبر ولا الدقيق متفاضلا قولا واحدا واختلف قوله في بيع البر بالسويق والسويق بالبر مثلا بمثل على روايتين أجاز ذلك في إحداهما ومنع منه في الأخرى
[ ١٨٧ ]
ولا يجوز (بيع) التمر بالرطب ولا بأس ببيع الرطب بالرطب مثلا بمثل يدا بيد ولا يجوز نسيئة.
والنسيئة في الصرف هي الربا اختلفت الجناس أم اتفقت.
قال ولا يباع اللحم بالحيوان.
ولا ربا في الفواكه كلها كالبطيخ والباذنجان والقثاء والخيار والكمثرى والسفرجل والرمان ويجوز بيع بعضه ببعض من جنسه ومن غير جنسه متساويا ومتفاضلا يدا بيدا ولا يجوز نسيئة وهذا هو الصحيح من قوله وعليه العمل عندي وعلى الرواية التي يجعل فيها عله الربا الطعم فلا يجوز ذلك.
وبيع الحيوان بالحيوان نقدا جائز متفاضلا ومتساويا لحديث حمار بن سلمه عن ثابت عن أنس بن مالك قال قيل يارسول الله إن قد وقع في سهم دحيه الكلبي جارية جميلة فابتاعها رسول الله ﷺ بسبعة أرؤس ولا نسيئة لحديث سمرة بن جندب عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة.
ولا بأس ببيع ثوب قطن بثوبي كتان نقدا.
قال ولو قال بعتك هذه المئة شاة بمئة شاة بغير عينها لم يجز فإن قال بعتك هذه المئة شاة بهذه المئة شاة إلا هذه الشاة جاز.
قال ولو باعه بعيرا ببعيرين وعشرة دراهم والحيوان نقدا والدراهم إلى أجل جاز فإن باعه بعيرا ببعيرين وعشرة دراهم والدراهم نقدا والحيوان نسيئة لم يجز وكذلك لو باعه عرضا بعرض وفضل دراهم العرض نقدا والدراهم إلى أجل جاز.
[ ١٨٨ ]
قال: ولا يباع الزيت متفاضلا ولا الزيت بالزيتون متفاضلا ولا يباع اللبن بالزبد متفاضلا ولا الزبد بالسمن متفاضلا في الصحيح من المذهب وكذلك لا يباع المصل بالزبد ولا بالجبن متفاضلا.
وكره بيع التمر بالنوى متفاضلا في موضع وأجازه في موضع أخر نقدا وبهذا أقول.
واختلف قوله في بيع خل العنب بخل التمر متفاضلا على روايتين أجاز ذلك في أحداهما نقدا ومنع منه في الأخرى إلا مثلا بمثل يدا بيد.
واختلف قوله في المتصارفين هل لهما خيار المجلس بعد البيع والتقابض قبل التفرق أم لا؟ على روايتين أثبته لهما في أحداهما ولم يثبته في الأخرى.
ولا بأس باقتضاء أحد النقدين من الآخر الذهب من الورق والورق من الذهب بسعر يومهما ولا يفترقان وبينهما شيء من الثمن.
ولا يجوز بيع الدواة المحلاة ولا السيف المحلا والقلادة والمنطقة والمراكب بلا وزن وما في معنى ذلك بجنس ماعليها حتى تُخلص الحلية منها وتوزن فإن فعلا فالبيع باطل قولا واحدا لحديث فضالة بن عبيد قال بعت عام خيبر قلادة فيها خرز وذهب بسبعة دنانير فقال رسول الله ﷺ «لا حتى تميز بينه وبينه» قال الرجل يارسول الله إنما أردت الخرز فقال «لا حتى تميز بينهما» قال فرده حتى ميز بينهما وفي بيع ذلك بغير جنس ماعليه خلاف عنه والأظهر من قوله أن ذلك لا يجوز مثل أن يبيعه بورق وهو محلى بذهب قال لأنه لو استحق وقد استهلك لم يدر بم يرجع على صاحبه.
[ ١٨٩ ]
ولا يجوز بيع الغرر ولا العبد ولا الطائر قبل أن يصاد ولا السمك في الماء ولا الصوف على ظهور الغنم ولا اللبن في ضروعها وقد قيل عنه أنه رخص في الصوف إذا باعه وجزه مكانه والصحيح الأول.
ولا يجوز بيع الحمل دون أمه ولا الدين بالدين.
ولا بأس ببيع العين الغائبة الموصوفة وبنقد الثمن فيها وهي (في) ضمان البائع حتى يقبضها المبتاع وللمشتري خيار الرؤية إن خالفت الصفة ولا خيار له إن لم تخالفها فأما العين الغائبة غير الموصوفة فلا يجوز بيعها.
ولا بأس ببيع وشرط لحديث مسعر بن كدام عن محارب بن دثار عن جابر بن عبدالله قال ابتاع مني النبي ﷺ بعيرا وشرط لي ظهره إلى المدينة.
ولايجوز شرطان في بيع لما رواه إسماعيل بن أمية عن عطاء عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال لعتاب بن أسيد (إني قد بعثتك إلى أهل الله أهل مكة فانههم عن بيع (ما) لم يُضنم وعن ربح مالم يصيبوا وعن شرطين في بيع وعن سلف وبيع.
ولو باعه بيعا بشرط فاسد كان في ذلك روايتان إحداهما يبطل البيع والشرط والرواية الأخرى يصح البيع ويبطل الشرط.
وبيع الكلب لا يجوز وسواء كان مُعلما أو غير معلم وكذلك لايجوز بيع الفهد والقرد والنمر والنسر والسبع وقال بعض أصحابنا يجوز بيع الفهد المعلم ولا بأس ببيع البزاة والصقور.
ولا يجوز بيع الخمرة ولا يحل ثمنها وثمن الخنزير حرام وثمن الميتة حرام
[ ١٩٠ ]
وثمن جلد غير المذكى قبل الدباغ حرام قولا واحدا وفي بيعه بعد الدباغ خلاف والصحيح من قوله: أنه لا يجوز.
ولا يباع الداذي لمن يتخذه نبيذا والتمر لمن ينبذه ولا العنب لمن يعتصره خمرا ولا السلاح في الفتن.
ولا يجوز بيع المضطر وهو المكره لما رواه مطرف عن بشير بن مسلم عن عبدالله قال قال رسول الله ﷺ (ولا يشتري امرؤ مسلم مال امرئ مسلم ذي ضغطة من سلطان) فإن فعل كان الشراء عندنا باطلا.
ولا تجوز النقيصة من الدين المؤجل على تعجيله في إحدى الروايتين وهو من باب الربا وأرخص فيه في الأخرى ولا بأس في النقيصة من الدين الحال قولا واحدا.
قال ولو أن رجلين لكل واحد منهما على صاحبه مئة درهم دينا فقال كل واحد منهما لصاحبه قد جعلت مالي عليك قضاء بمالك علي جائز فإن كان لحدهما ألف درهم وللآخر خمسون دينار فقال أحدهما لصاحبه قد جعلت مالي عليك قضاء بمالك علي لم يجز إلا أن يكون أحد النقدين حاضر لأنه يكون بيع الدين بالدين فإذا حضر احد النقدين جاز ذلك بسعر يومه لأنه يصير قضاء الدين بالعين.
ولا يجوز بيع العطاء قبل قبضه ولا بيع الصك بعين ولا ورق قولا واحدا.
فإن باعه بعروض جاز في أحدى الروايتين إذا قبض العروض قبل أن يتفرقا.
[ ١٩١ ]
ومنع منه في الأخرى.
ولا يجوز شراء المغانم قبل أن تقسم ولا الصدقات قبل أن تُقبض.
ولا بأس بالسفتجه إذا كانت على وجه المعروف ليس فيها وقاية ولا ريح ولا يعطي دون ما أخذ.
ومن دفع إلى رجل ثوبا وقال بعه بكذا وماازددت فلك كان جائزا.
وحكرة الطعام بمكة وبمدينة النبي ﷺ مكروهة قولا واحدا وفي غيرهما من البلاد ذلك أسهل إلا أن يقع الغلاء ببلد فإنه يكره الاحتكار فيه على كل حال. ولا يختلف قوله أادخار القوت للعيال غير مكروه وليس ذلك من باب الاحتكار في شيء
ولا بأس أن يشتري الجراب فيه كذا وكذا ثوبا وموصوفا فإن سمى ذرعا معلوما جاز فإن زاد فعليه وإن نقص فله.
ولا يجوز بيع الصبي إلا أن يأذن له وليه إلا أن يكون الشيء اليسير كما فعل أبو الدرداء ابتاع من صبي عصفورا.
ومن باع مكيلا أو موزونا كان أجرة الكيال والوزان عليه لأن الوفاء عليه.
فأما ملا يكال ولا يوزن فما لزم عليه كان لازما للمشتري لأنه يملكه بنفس تمام العقد والبيع والإيجاب والقبول على ما ينبت.
ولا ينعقد البيع إلا أن يقول البائع قد بعتك ويقول المشتري قد قبلت.
ومن ابتاع مكيلا أو موزونا أو معدودا كان من ضمن البائع مالم يقبضه المبتاع فإذا قبضه صار من ضمانه ومن ابتاع ماليس بمكيل ولا موزون فهو من ضمانه وإن لم يقبضه مالم يكن البائع منعه من التخلية بينه وبينه.
[ ١٩٢ ]
ولا يختلف قوله أن خيار المجلس ثابت للبائع والمشتري قبل التفوق بالأبدان فإن كل واحد منهما مخير بين إجازة البيع وفسخة مالم يتفرقا وكذلك لو كانا في محمل أو سفينة فتبايعا فكل واحد منهما الخيار حتى يتفرقا بالأبدان ولو أقاما أياما فإن قام أحدهما لحاجته من طهارة أو غيرها حتى غاب عن صاحبة قبل الفسخ بطل خيارهما واستقر البيع وقد دل عليه حديث أبي الوضيء قال كنا في غزاة فباع صاحب لنا فرسا من رجل فلما دنا الرحيل خاصمه فيه إلى أبي برزة فقال أبو برزة سمعت رسول الله ﷺ يقول (البيعان بالخيار مالم يتفرقا) ولا أراكما تفرقتما ويروى أنهما باتا ليلة بعد التبايع فجعل لهما أبو برزة الخيار مع المبيت في مكان واحد بعد البيع.
واختلف قوله في المتبايعين يخير كل منهما صاحبه قبل أن يتفرقا بين إجازة البيع وفسخه فيختار الإجازة هل انقطع بذلك خيار المجلس أم لا؟ على روايتين قال في أحداهما لا ينقطع بذلك خيار المجلس حتى يتفرقا بالأبدان وقال في الأخرى قد انقطع خيار المجلس بينهما وإن لم يتفرقا واستقر البيع وبهذا أقول لحديث نافع عن عبدالله بن عمر أن النبي صلى الله عليه قال (إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار مالم يتفرقا وكانا جميعا أو يخير أحدهما صاحبه فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب).
ولو كان المبيع عبدا أو أمة فأعتقه المشتري قبل التفرق نفذ عتقه لأنه عتق ما ملك وكذلك لو مات كان من مال المشتري فإن أعتقه البائع قبل التفرق لم يقع العتق إلا أن يقول قد فسخت البيع ثم يعتقه فيصير عتيقه.
واختلف قوله إذا أعتق المشتري العبد قبل التفرق ثم اختار البائع فسخ البيع
[ ١٩٣ ]
بماذا يرجع على المشتري؟ على روايتين قال في إحداهما يرجع عليه بقيمة العبد لا بالثمن الذي باعه به وقال في الأخرى ليس له إلا الثمن الذي انعقد البيع به.
ولو اشترى عبدا فوهب له مال قبل التفرق ثم اختار البائع فسخ البيع قبل التفرق فالمال للمشتري دون البائع بضمانه.
ولو كان المبيع بهيمة فنتجت قبل التفرق ثم تفرقا من غير الفسخ فهي وولدها للمشتري فإن تفاسخا البيع قبل التفرق فهي وولدها للبائع.
ولو كان المبيع أمة فوطئها البائع قبل التفرق من غير أن يُخبره وهو عالم بالتحريم حد وإن كان جاهلا لم يُحد فإن وطئها المشتري فلا حد عليه لأنه وطئ ما ملك.
ولو باع المشتري العبد أو وهبه قبل التفرق فعلى روايتين إحداهما بيعه باطل وكذلك هبته حتى يتفرقا والرواية الأخرى ذلك موقوف فإن فعل قبل الفسخ صح وإن اختار البائع الفسخ بطل بيع المشتري وهبته.
ويجوز خيار الشرط أكثر من ثلاث قال ولو قال المشتري اشتريت منك على أن لي الخيار وأنكر ذلك البائع أو قال البائع بعتك على (أن) لي الخيار وأنكر ذلك المشتري فالبيع لازم في الوجهين ولمدعي منهما اليمين على صاحبه عند عدم بينته على دعواه.
ولو قال: بعتك دارا وأنا صغير وقال المشتري بل ابتعتها منك وأنت كبير فالقول قول المشتري لأن البائع قد أقر بالبيع وادعى فساده فلا يقبل قوله ولو قال بعتك بنقد وقال المشتري ابتعت منك بنسيئة فالقول قول البائع مع يمينه.
فإن أقاما بينتين على ما ادعاه كل منهما فالبينة بينه البائع.
واختلف قوله في الإقالة: هل هي بيع أم فسخ؟ على روايتين فأما التولية
[ ١٩٤ ]
فبيع ولو باعه ثم تقايلا فبل التفرق لم يطأها البائع حتى يستبرئها بحيضة إذا قلنا إن الإقالة بيع وإذا قلنا إنها فسخ كان له وطؤها قبل الاستبراء فإن تقايلا بعد التفرق لم يطأها البائع حتى يستبرئها قولا واحدا.
ولو اشترى طعاما مكيلا واكتاله ثم ولاه غيره لم يقبضه المولى إلا بكيل ثان قولا واحدا إذا لم يكن حضر الكيل الأول وإن كان حضر الكيل الأول فعلى روايتين قال في إحداهما لا بد من كيل ثان قولا واحدا وفي الأخرى يُجزئه ألا يكيله إذا كان قد شهد كيله الأول.
ومن باع سلعة إلى أجل بثمن معلوم لم يجز أن يبتاعها من ُمشتريها منه بأقل مما باعها به نقدا فإن ابتاعها بمثل (ما) باعها به أو أكثر نقدا جاز لما رواه شعبة عن أبي إسحاق عن امرأته أنها دخلت على عائشة ﵂ وعندها أم ولد زيد بن أرقم وامرأة أخرى فقالت لها أم ولد زيد بن أرقم: إني بعت غلاما من زيد بن أرقم بثمان مئة درهم نسيئة واشتريته منه بست مئة نقدا فقالت عائشة أبلغي زيد بن أرقم أن قد بطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب بئس ما اشتريت وبئس ما اشترى.
قال ومتى سميا عددا في البيع أو كيلا أو وزنا فلا بد أن يستوفيه كما سميا ولو قال ابيعك بنقد بكذا وبنسيئة بكذا ثم افترقا على إحداهما جاز.
قال ولو ساومه في ثوب وقطع معه ثمنه ثم حمله ليريه أهله فإن رضوه ابتاعه فسرق منه فمن مال المشتري وعليه الثمن وكذلك لو ساومه فيه وأخذه على غير قطع ثمن ليريه أهله فهلك فمن مال القابض وعليه قيمته ولو أخذ الثوب عن غير مساومة ولا قطع بثمن ليريه أهله بإذن مالكه فإن رضوه وزن ثمنه فهلك فهو مال صاحبه هلك ولا ضمان على الاخذ لأنه أمين إلا أن يتعدى
[ ١٩٥ ]
فيه وقيل عنه إنه يضمن قيمته لصاحبه والأول أظهر.
ولو تبايعا سلعة ثم تشاحا في القبض فقال البائع لا أسلم حتى أقبض وقال المشتري لا أسلم الثمن حتى أقبض جعلا بينهما أمينا عدلا يقبض من كل واحد منهما ويُقبضه.
ولو اشترى ثوبا للبائع فيه خيار الشرط فباعه المشتري قبل انقضاء مدة الخيار بربح فالربح للبائع الأول إن أجاز البيع فإن لم يجز لزمه رده وإن هلك فعليه قيمته ماكانت وقد قيل عنه إن الربح للمشتري إذا لم يختر البائع الفسخ لأنه باع ماملك فإن لم يبعه فسرق الثوب أو هلك فمن مال المشتري لأنه من ضمانه فإن كان خيار الشرط للمشتري فباعه قبل انقضاء مدة الخيار بربح بطل خياره حين عرضة على البيع والربح له له ولو ابتاع سلعة بثمن عاجل وأجل جاز.
ونهى النبي ﷺ عن تلقي الركبان وأن يبيع حاضر لباد وأن يبيع الرجل على بيع أخيه وعن النجش وعن بيع المضامين وهو ما في بطون الأنعام من الولد وعن بيع الملاقيح وهو بيع مافي ظهورها وعن بيع الملامسة والمنابذة وإلقاء الحجر وعن بيع مالم يُقبض وعن ربح مالم يضمن وعن سلف وبيع وعن شرطين في بيع وعن بيع الغرر فمن تلقى الركابان وابتاع منهم كان شراؤه باطلا في إحدى الروايتين وفي الأخرى قال هم بالخيار إذا دخلوا السوق فعلموا أنهم قد غُبنوا بين فسخ البيع وإجازته
وأما بيع الحاضر للبادي فإن (كان) الحاضر عارف بالأسعار والبادي غير عارف بها لم يبع له الحاضر وتركه يبيع لنفسه ليرزقا لله الناس بعضهم من بعض كما جاء الحديث الذي رواه سفيان بن عيينة عن أبي الزبير عن جابر قال قال رسول الله ﷺ (لايبع حاضر لباد ودعوا الناس يرزق الله بعضهم من
[ ١٩٦ ]
بعض) فإن كان الحاضر لايعرف الأسعار فباع للبادي فعلى روايتين أظهرهما جواز ذلك وكذلك لو كان البادي عالما بالأسعار جاز بيع الحاضر له في الصحيح عنه وباقي ماذكرته من البيوع باطل لايجوز.
ولا يجوز بيع المعاومة وهو بيع الثمر سنين لحديث جابر بن عبدالله أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع السنين. ولا يجوز التدليس في البيع ولا الغش ولا الخلابة ولا الخديعة ولا كتمان العيوب ولا خلط ردئ بجيد ولا يكتم من أمر السلغة ما إذا ذكره كرهه المبتاع أو كان ذكره بخسا في الثمن ولا ينفق سلعته بالحلف.
ومن غبن في البيع بقدر ثلث قيمته المبيع فأكثر فله فسخ البيع إذا علم بالغبن وقيل قد لزمه البيع وليس له فسخ والأول عنه أظهر.
وكذلك كل بيع فاسد فضمانه قبل قبضة من البائع وقد قبضه من المشتري من يوم يقبضه بقيمة مثله إن هلك ولا مثل له وبمثله إن كان له مثل والمثل في كل شيء من مكيل أو موزون معتبر قولا واحدا وفي العقار غير معتبر قولا واحدا وكذلك الحيوان والرقيق عنده مع وجوده وينتقل إلى القيمة عند عدم المثل.
ولا يجوز بيع تراب صاغة الذهب بذهب ويجوز بيعة بورق نقدا وكذلك لا يجوز بيع تراب صاغه الورق بورق ويجوز بذهب نقدا فإن أشكل عليه واختلط فليبعه بعرض ولا يبعه بعين ولا ورق.
والدين المؤجل غير القرض إلى أجله لا يستحق المطالبة به قبل محله ولا يجب إعطاء الكفيل والضمن به قبل محله ولمن ذلك عليه تعجيله قبل محله إن شاء فأما القرض فلا يكون إلا حالا ومتى أجله ربه به لم يصر مؤجلا وله المطالبة
[ ١٩٧ ]
به متى شاء
ولا يجوز بيع الثمار قبل بدو صلاحها على الترك ولا بيع العنب حتى يسود ولا الحب حتى يشتد لما رواه حجاج عن حماد عن حميد عن أنس: أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمارة حتى تزهي وعن بيع العنب حتى يسود وعن بيع الحب حتى يشتد ويجوز بيع ذلك إذا بدا صلاح بعضه وإن كان يسيرا من كثير وقد قيل عنه لايباع منه إلا مابدا صلاحه دون غيره والأول أصح.
ولا يجوز بيع نتاج مانتجت الناقة وهو بيع حبل الحبلة ولا بيع البعير الشارد ولا العبد الآبق.
ولا يجوز بيعتان في بيعة وذلك مثل أن يشتري سلعة بعشرة دراهم نقدا أو بعشرين نسيئة إلى أجل قد لزمت بأحد الثمنين أو يقول أبيعك هذه الدار بدراهم وأدفع إليك بالدراهم عينا بسعر كذا أو يقول: أبتاع منك هذه الدار بكذا فإن أدركتني فيها درك فدارك الأخرى بيع لي بهذا الثمن.
ولا يجوز بيع الزبيب بالعنب كما لا يجوز بيع التمر بالرطب لا متساويا ولا متفاضلا لأن ذلك مما نهي عنه من المزابنة ولا يباع جزاف بمكيل من صنف.
وبيع المرابحة جائز إذا استوى علم البائع والمشتري في السلعة وأخبره بقدر
[ ١٩٨ ]
رأس المال فإن غلط فيما أخبر به من الثمن له أو عليه رد الغلط له وعليه.
وبيع المساومة جائز بقليل الربح وكثيرة.
وبيع الرقم و(التولية) جائز
ولو اشترك اثنان في سلعة فابتاع أحدهما نصفها بخمسين وابتاع الآخر نصفها بمئة فإن باعاها مساومة فالثمن بينهما نصفان وإن باعاها مرابحة فعلى روايتين: قال في إحداهما لافرق بين المرابحة والمساومة في أن الثمن بينهما نصفان اختلفت رؤوس أمولهما أم اتفقت لأن كل واحد منهما مالك لنصف السلعة.
وقال في الرواية الأخرى: المرابحة غير المساومة فإذا باعها مرابحة كل لكل واحد منهما رأس ماله ثم الربع بينهما على رؤوس الأموال.
فإن اشتريا متاعا ثم تعاونا عليه واقتسماه فهل لكل واحد منهما بيع ماحصل له منه بالقسمة مرابحة أم لا؟ على روايتين: إحداهما: له بيعه مرابحة إذا أخبره برأس المال وبما لزمه عليه من مؤنه قلت أم كثرت. والرواية الأخرى: لايبيعه مرابحة وله بيعه مساومة.
ولا يبيع ما ليس عنده فإن فعل كان البيع باطلا لقول النبي ﷺ لحكيم بن حزام «لا تبع ماليس عندك)
ومن ابتاع شاة أو بقرة أو ناقة مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام إن شاء أمسكها وإن شاء ردها ومعها صاع من تمر كما جاء في الحديث رواه هشام بن
[ ١٩٩ ]
حسان عن محمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «ومن ابتاع مصراة فهو بالخيار فإن ردها رد معها صاعا من تمر لا سمراء» يعني الحنطة فإن عدم التمر أعطاه قيمته لا قيمة اللبن.
قال: والخراج بالضمان فمن ابتاع غلاما فاستعمله ثم ظهر على عيب فله رده به والغلام له بضمانه كذلك روى عروة عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ «الخراج بالضمان» وروى مسلم بن خالد الزنجي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂: أن رجلا اشترى غلاما فاستعمله زمانا ثم أصاب به عيبا فخاصمه إلى النبي ﷺ فقضى برده فقال: يارسول الله إنه استغل غُلامي فقال رسول الله ﷺ «الخراج بالضمان» فكل ماحدث في ملك المشتري من غلة أو نتاج ماشية أو لد أمة أو خدمة فكله له ولا يرد شيئا منه.
ولو اشترى عبدا فظهر على عيب به فهو بالخيار إن شاء أمسكه وأخذ أرش العيب وإن شاء رده والخيار هنا للمشتري دون البائع وإن كان به عيب وحدث به عيب عند المشتري فهل له رده ورد أرش العيب الحاث عنده أم قد لزمه وله إرش العيب الذي كان به؟ على روايتين أصحهما أنه قد لزمه وله أرش العيب الذي كان به ولو ظهر على عيب فاستغله بعد علمه به أو عرضه على البيع فقد لزمه وليس له رده ولا أرش العيب.
وإن كان المبيع أمة فوطئها المشتري ثم ظهر على عيب فإن كانت ثيبا فله ردها في الصحيح عنه وهل عليه عُقرُها أم لا؟ على روايتين: إحداهما: أن الوطء كالخدمة ولا عُقر عليه والأخرى عليه عُقرها.
وإن كانت بكرا لم يكن له ردها في الصحيح عنه وله أرش العيب وقيل عنه:
[ ٢٠٠ ]
له ردها بالعيب، وعليه عُقرها قولا واحدًا، إلا أن يكون البائع دلَّس العيب على المشتري، فيكون له ردُّها قولا واحدا ولا عُقر عليه.
وكذلك لو باعه ثوبا، فقطعه المشتري أو صبغه، ثم ظهرَ على عيب، فهل له ردُّه أم لا؟ على روايتين: إحداهما: له ردُّه، وعليه أرش القطع. والأخرى: له أرش العيب وليس له ردُّه مقطوعًا، إلا أن يكون البائع دلس العيبَ، فيكون للمشتري الردُّ قولا واحدا. ولا غُرمَ عليه في القطع.
وبيع الخيار جائزٌ إذا ضُربا أجلا معلوما، وإن كان أكثر من ثلاث. فإن ماتَ مَن له الخيار قبل انقضاء مدته بطل الخيارُ، ولم يرثه ورثته. قال أحمد ﵁: ثلاثة أشياء لا تورث ما لم تقع المطالبة بها قبل الموت: خيارُ الشرط والشفعة، والحدود.
فإن أنكر البائع العيب، وكان يمكن حدوثه عند المشتري، وقَبِل بذلك، فادعى البائع حدوثه عند المشتري، وادعى المشتري أنَّه كان به، فهل القول قول البائع أو المشتري؟ على روايتين، وعلى مَنِ القول قولُه منهم اليمين.
ولو ابتاع ثوبين صفقة واحدة فوجد بأحدهما عيبا، فهل له أن يرده بحصته من الثمن أو لا؟ على روايتين؛ إحداهما: هو مخيَّر بين رده بحصته من الثمن وبين أخذ أرش العيب؟ والأخرى: ليس له ذلك، وهو مخير بين أن يردهما جميعا، أو يمسكهما ويأخذ أرش العيب؛ لأن الصفقة لا تتجزأ. وكذلك لو اشترى رجلان ثوبًا بينهما صفقة واحدة، فوجدا به عيبا، فاختار أحدهما إمساكه، واختار الآخر ردَّه، فعلى روايتين؛ إحداهما: ليس له ردُّ نصيبه وله أرشُ العيب. والأخرى: له ردُّ حصته منه، ويكون البائع شريكا للمشتري الراضي بالعيب.
ولو تبايعا عَرَضًا بعَرَض، فوجد أحدهما فيما حصل له عيبا، فله ردُّه وأخذ سلعته، فإن كانت قد هلكت كان له قيمتها. والقول قول الغارم في القيمة مع يمينه.
[ ٢٠١ ]
ولو اشترى أمة ثم ظهر على عيب، فله الأرش. فإن وطئها بعد العلم بالعيب قبل العتق لزمته، والأرش له.
ولو اشترى متاعًا، فوجده خيرًا مما اشتراه ردّه على صاحبه، كما لو وجد أردأ كان له رده على بائعه. ولو اشترى متاعًا معيبا في ظروفه، فله خيار الرؤية.
ولو ابتاع بيضا فوجد فيه فروخًا ميتة، أو بطيخًا فوجده مدوّدًا، فعلى روايتين؛ قال في إحداهما: ليس له الرد، إنما له ما ظهر، إلا أن يكون اشترط عليه: إن كان مُرًّا أو مدودًا فعليك؛ فيكون له الردُّ بالشرط. والرواية الأخرى: إن كان له مكسورًا قيمةٌ رجع عليه بأرش العيب بما بين صحيحهِ ومعيبهِ. وإن لم يكن له مكسورًا قيمة؛ كالبيض ونحوه، رجع عليه بجميع الثمن.
ولا يجوز بيع البراءة إلا أن يُعيّن العيوب ويسميها عيبًا عيبًا، ويبرأ منها. فإن ظهر المشتري على عيب لم يذكر في البراءة، فله الرد أو الأرش.
والأيمان في العيوب على البتات في إحدى الروايتين، وفي الأخرى: على العلم.
ولا يفرق بين الأم وولدها قبل بلوغهم في البيع والشراء والسبي جميعا.
ولا يجوز بيع ما ليس عند الإنسان على أن يكون حالًا.
ومَن باع نخلًا قد أُبّرتْ، فثمرتها للبائع، إلا أن يشترطه المبتاعُ. وما لقح من التمر كان مؤبرًا قولا واحدًا. وما تشقَّق طَلعُهُ ولم يُلقَّح فليس بمؤبّر في إحدى الروايتين. وقيل: إنْ تشقق لا يكون مؤبرًا قولا واحدًا. ولا يُباع من الثمار قبل بدو صلاحها. فإن كان نخلًا، فحتى يصفر ويحمر. فإن كان من الفاكهة، فحتى يبدو فيها النضج.
[ ٢٠٢ ]
وبيع الثمار بعد بدو صلاحها على الترك إلى الجَداد جائز. وبيعها قبل بدو صلاحها على الترك باطل. وبيعها قبل بدو صلاحها على القطع جائز. فإن تركها المشتري في النخل حتى بدا صلاحها بطل البيع وكان له الثمن، والثمرة للبائع. وقيل عنه: يتصدَّق البائع بالفضل فيه؛ لأنه نماء في غير ملكه. وقيل عنه: يكون المشتري شريك البائع في النماء. وبالأوَّل أقول.
ولو باع ثمرة حائطه واستثنى منها ثلثًا أو ربعا لم يجز. وكذلك لو استثنى منها صاعًا معلومًا لم يجز. فإن استثنى نخلةً بعينها جاز.
ولو باع شاة واستثنى رأسها أو جلدها جاز ذلك.
وما كان من الثمار خروجه فمًا واحدًا جاز بيعه بعد بدو صلاحه. وما كان منها خروجُه فمًا بعد فم لم يُبع، إلا ما ظهر منه وبلغ لَقَطَة بعد لَقَطَة. وكذلك الرَّطبة جَزَّة بعد جَزَّة.
ولا يُباع القِثَّاء والخيار والبطيخ والباذنجان إلا لَقَطَة لَقَطَة.
ومَن باع حشيشًا على القطع، فتركه المشتري حتى سَنْبل بطل البيع، وكان للبائع وعليه رد الثمن على المشتري.
ولا يُباع الجزَر والسَّلجم والفجل وكل مُغيَّب تحت الأرض إلا مقلوعًا.
ومن باع عبدًا وله مال، فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع.
وسوم الرجل على سوم أخيه مَنهيٌّ عنه إذا أركنا وتقاربا.
والنجش منهي عنه. وصفته: أن يزيد في السلعة وليس هو مشترٍ لها.
[ ٢٠٣ ]
والبيع الفاسد لا يقع به الملك وإن اقترن به القبض. ومَن حلف ألَّا يبيع، فباع بيعًا فاسدًا، لم يحنث. وإذا اختلف المتبايعان في المبيع والثمن، والمبيع قائم، ولا بيِّنة لواحد منهما، تحالفا، ثم المشتري بالخيار؛ إن شاء أخذ السلعة بما قال البائع، وإلّا ترادَّا. والمبتدئ باليمين البائع. وإن كانت السلعة هالكة؛ فالقول قول المشتري في الثمن في إحدى الروايتين. وفي الأخرى: القول قول البائع مع يمينه. وسواءٌ كانت السلعةُ باقيةً أو تالفة.
ولو باعه طعامًا بثمن مؤجَّل، فَقَبْلَ قبض المشتري الطعام ماتَ البائع، فالطعام للمشتري، والثمن عليه إلى أجله.
ولو باعه ثوبًا، واشترط المشتري خياطته أو قصارته، كان البيع والشرط جائزين. وكذلك لو باعه بعيرا واشترط البائع ظهره إلى مكان معلوم، أو باعه غلامًا واشترط خدمته سنةً أو أقل أو أكثر، كان البيع جائزًا، والشرطُ جائزًا.
فإن باعه رطبةً واشترط على البائع جزَّها لم يجُز، وقيل: يجوز، فإذا قلنا: لا يجوز هذا الشرط. فهل يصح البيع ويبطل الشرط أو يبطل البيع لبطلان الشرط؟ على روايتين.
[ ٢٠٤ ]