وما يحرم من الأطعمة والأشربة
قال الله ﷿: ﴿لن ينال اللهَ لحومها ولا دماؤها. ولكن يناله التقوى منكم﴾ الآية [الحج: ٣٧].
فالأضحية سنة مؤكدة، فعلها رسول الله ﷺ، وندب إليها، فهي مستحبة لكل من استطاعها، لحديث زيد بن أرقم أنهم قالوا: يا رسول الله، هذه الأضاحي ما هي؟ قال: "سنة نبيكم"، قالوا: فما لنا فيها: قال: "بكل شعرة حسنة"، قالوا: فالصوف؟ قال: "بكل صوفة حسنة".
وأقل ما يجزئ فيها من الأسنان: الجذع من الضأن، وهو: ابن ستة أشهر إذا كان سمينا نبيلا. والثني من المعز، وهو: ما أوفى سنة، ودخل في الثانية.
ولا يجزئ من غير الضأن من الأزواج الثمانية إلا الثني. والثني من البقر: ما دخل في السنة الرابعة، ومن الإبل: ما كان له ست سنين.
وفحول الضأن في الضحايا أفضل من إناثها، وإناثها أفضل من المعز.
ويستحب الأقرن الأملح من الضأن، والبياض أعجب إليه من السواد.
ويجزئ في الضحايا الخصي المشدوخ غير المجبوب، فإنه أسمن. والإبل والبقر أفضل من الغنم.
[ ٣٧١ ]
والبدنة تجزئ عن سبعة، وكذلك البقرة، والجواميس في الأضاحي كالبقر.
والشاة تجزئ عن واحد، وقد قيل عنه: ولو ضحى بشاة عن أهل البيت جاز، للحديث المروي أن النبي ﷺ ذبح كبشين، قرب أحدهما، فقال: "بسم الله، هذا عن محمد وعن أهل بيته".
فإذا اشترك جماعة في بدنة أو بقرة على أنهم سبعة، فإذا هم ثمانية ذبحوا معها شاة وأجزأتهم.
ومن أراد أن يضحي، فإذا دخل العشر لم يأخذ من شعره، ولا من أظفاره، حتى ينحر. واستحب له أن يحلق رأسه عقيب النحر، لحديث أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يأخذ من شعره، ولا من أظفاره".
ولا يجوز في الأضاحي ولا في الهدايا عوراء بين عورها، وهي المخسوفة العين. فإن كانت العين صحيحة وفيها اليسير من البياض، لم يكن بها بأس. ولا العرجاء البين ظلعها، ولا المريضة البين مرضها، ولا العجفاء التي لا تنقي، وهي التي لا مخ لها، ولا البتراء، لأنه نقص في الخلق، ولا الجداء التي قد يبس ضرعها، ولا العضباء، وهي التي انكسر نصف قرنها فما زاد، ولا الشرقاء وهي التي خرمت السمة أذنها، ولا الخرقاء وهي المشقوقة الأذن، ولا المُقابَةَ، وهي: المقطوعة الأذن من أعلاها، ولا المدابرة، وهو: قطع الأذن من أسفل، فإن كان قطع الشيء اليسير من الأذن فلا بأس بها. ولا يضحي ببقر الوحش ولا بحمير الوحش.
ويستحب أن يتولى ذبح أضحيته بيده إن استطاع، رجلا كان أو امرأة، فإنه أفضل. فإن لم يستطع، فلا يضحيها له، إلا مسلم. فإن ذبح أضحيته ذمي كره له
[ ٣٧٢ ]
ذاك وأجزأته، إن كانت من البقر، أو الغنم في الظاهر من قوله. وقيل عنه: لا تجزئه. فأما إن كانت من الإبل، فلا يجوز أن ينحرها ذمي قولا واحدا، فإن فعل لم تجزه على حال.
ولا يذبح أحد قبل صلاة العيد، فإن فعل لم تجزه، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا ذبح إلا بعد التشريق" يعني بعد الصلاة، كذلك فسره شعبة.
ولا يضحي أحد قبل أن ينحر الإمام، فمن فعل لم يجزه، لحديث أبي بردة بن نيار أنه ذبح يوم النحر قبل أن يذبح النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: "أعد ذبحا"، وذكر باقي الحديث. ومن كان بعيدا عن المصر انتظر حتى يمضي من الوقت بعد صلاة العيد ما يغلب على ظنه أن الإمام قد نحر ثم ينحر أو يذبح.
ومن نحر في أول يوم قبل طلوع الشمس لم يُجزه قولا واحدا، فأما في اليوم الثاني واليوم الثالث، فله أن يذبح بعد طلوع الفجرالثاني وقبل طلوع الشمس قولا واحدا، وفي أي وقت شاء من النهار.
واختلف قوله: هل يجوز أن يضحي في اليومين ليلا أم لا؟ على روايتين: منع منه في إحداهما، وأجازه في الأخرى.
وزمان النحر يوم الأضحى ويومان بعده، ينحر فيها إلى غروب الشمس. واليوم الثالث من أيام التشريق هو زمان للتكبير إلى أن يصلي العصر، وليس بزمان للأضحية. وهو قول خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ: عمر، وعلي، وابن عمر، وأبي هريرة رضوان الله عليهم.
[ ٣٧٣ ]
وأفضل أيام النحر أولها.
ولا يباع شيء من الأضاحي.
واختلف قوله في بيع جلود الإبل والبقر من الأضاحي، فروي عنه أنه قال: إذا باع الجلد واشترى بثمنه أضحية، فلا بأس. وروي عنه كراهة ذلك.
ولا يعطى الجازر منها شيئا، وهو قول علي بن أبي طالب ﵁.
وتوجه الضحية إلى القبلة، وإن ذبحها إلى غير القبلة غير متعمد جاز. وليقل الذابح: بسم الله والله أكبر. وإن زاد فقال: ربنا تقبل منا، فلا بأس.
ومن نسي التسمية عند ذبح الأضحية وغيرها لم يضره، وأُكلت قولا واحدا. وإن ترك التسمية عليها عامدا لم تؤكل في الظاهر من قوله، وقيل عنه: تؤكل.
ويأكل المضحي الثلث، ويهدي الثلث، ويتصدق بالثلث.
ويستحب له أن يتصدق بأفضلها، ويهدي الوسط، ويأكل الأدون. وله الادخار منها ما شاء. وإن زاد على ذلك، أو نقص، أو تصدق بجميعها، فكل جائز.
ومن أوجب أضحية ثم مات قبل أن يذبحها ضحى بها عنه ورثته، لا يسعهم غير ذلك.
ولا بأس أن يضحي عن اليتيم وليه إذا كان في ماله فضلة.
وله شرب لبن أضحيته إذا لم يعجفها، ويكره جز صوفها.
ولم يختلف قوله: إن الأضحية لا تباع بعد إيجابها إلا أن يريد إبدالها، فيبيعها، ويصرف ثمنها فيما هو خير منها من الأضاحي. وقيل عنه: إني لأستوحش منه، يعني من بيعها. وقيل عنه: له أن يبدلها بما هو خير منها، ولا يبدلها بما هو دونها، فصح من قوله: أن بيعها بعد الإيجاب لغير بدل لا يجوز. وإذا أراد الإبدال بما هو خير منها جاز. وإن باعها بشرط أن يضحي بها، صح بيعه قولا واحدا. وإن
[ ٣٧٤ ]
باعها لغير ضحية كان بيعه باطلا في إحدى الروايتين. وفي الأخرى: بيعه جائز.
وإذا ضاعت أضحيته فاشترى غيرها ثم وجدها ذبحهما جميعا، كما قلنا في البدنة.
وإذا اشتراها سليمة، وأوجبها، فحدث بها عيب لو كان بها منع من أن يضحي بها، كان له ذبحها وتجزيه، لأنه أوجبها سليمة.
ولو أوجب سبعة أنفس بقرة أو بدنة، فنُتجت، ذبحت وولدها عن السبعة.
فإن اشترك ثلاثة نفر في بقر أضحية، وقالوا: من جاءنا يريد أضحية شاركنا، فجاء قوم فشاركوهم، لم تجز، ولا تجزئ إلا عن الثلاثة الأول؛ لأنهم أوجبوها عن أنفسهم.
فإن اشترى رجل سُبع بقرة ذبحت للحم على أن يضحي به، لم يجزه. قال أحمد ﵁: هذا لحم اشتراه، وليس بأضحية.
[ ٣٧٥ ]