قال الله ﷿: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ [المائدة: ٩٠].
وروى حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام".
قال أحمد ابن حنبل ﵁: تحريم المسكر من عشرين وجها عن النبي ﷺ، في بعضها: "كل مسكر خمر" وبعضها: "كل مسكر حرام".
فالخمرة حرام، قليلها وكثيرها، وكل ما خامر العقل فأسكره من كل شراب، فهوخمر. وقد روي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "الخمر من هاتين الشجرتين: الكرم والنخلة". وقال أحمد ﵁: حرمت الخمرة يوم حرمت، وشرابهم الفضيخُ: التمر والبسر.
وما أسكر كثيره من الأشربة فقليله حرام. كذلك روى محمد بن المنكدر عن جابر بن عبدالله عن النبي ﷺ، وعبيد الله بن عمر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "ما أسكر كثيره فقليله حرام".
[ ٣٩٢ ]
وروي عنه ﷺ من حديث الزبير بن عدي عن ابن بريدة عن أبيه في حديث طويل أنه قال: "واجتنبوا كل مسكر". فنهى ﷺ عن جنس المسكر قليلا كان أو كثيرا.
والخمرة نجسة العين، ولا يجوز الانتفاع بها، وثمنها حرام. ونهى رسول الله ﷺ عن الخليطين من الأشربة. وذلك أن يخلط عند الانتباذ أو عند الشرب.
قال أحمد: إذا شرب خليطين فسكر، فهو بمنزلة رجل اتخذ لحم خنزير ميت، فهو حرام من الوجهين جميعا. وذلك أن الخنزير حرام أكله، والميتة حرام أكلها، فلما اجتمع المعنيان في شيء واحد كان حراما أكله من وجهين. والخليطان شربهما حرام، وإن لم يسكر إلا أن المسكر عنده محرم قليله وكثيره.
قال: ويشرب نبيذ السقاية إذا لم يكن مسكرا. وأما اليوم وقد وليه من وليه يعملون مسكرا فلا يشرب.
وقد قال في موضع آخر: إن ما أسكر من الأشربة وإن كان حراما، فإنه ليس كالخمرة بعينها، قال: لأن الذي يشرب الخمر مستحلا لها أرى حينئذ أن يُستتاب، فإن تاب وإلا قتل. وأما إذا شربها غير مستحل لها وهو يرى أنها محرمة رأيت عليه الحد ويضعف عليه.
وكان الانتباذ في الدباء، والحَنتَم، والنقير، والمزفت، منهيا عنه، ثم أرخص في سائر الأوعية، ونهي عن المسكر. وكره أحمد ﵁: أن ينبذ في الأوعية كلها إلا في السقاء إذا أوكي. وهذا الظاهر عنه. وقيل: إنه أرخص في انتباذ
[ ٣٩٣ ]
غير المسكر في جميع الأوعية، وكره المزفت له، وكره أيضا أن يشرب نقيع الزبيب والعناب، ونقيع الزبيب والتمر هندي، ونحو هذا من الأدوية، وإن كان لا يسكر، لأجل النهي عن الخليطين. وسواء بقَّاه أياما أو نقعه غدوة وشربه عشاء، أو نقعه عشاء وشربه غدوة، لأن الاسم يتناوله. قال: ولكن إن طبخه وشربه لوقته لم يكن نبيذا، ولم ير به بأسا. وقيل عنه: إنه كره ذلك إذا نقع وغلى، ولم يكرهه قبل أن يغلي.
وما كان من العصير لم يمض له ثلاثة أيام، ولم يغل، فحلال قولا واحدا. وما مضى له ثلاثة أيام، فهو محرم غلى أو لم يغل. وما نشر قبل الثلاث وغلا فقد اختلف عنه فيه. فقيل عنه: إنه حرام، وهو الظاهر من قوله.
وقيل عنه: النبيذ عندنا على ثلاث: حلال، وحرام، وموقوف عنده، فأما الحلال: فنبيذ في سقاء يوكى وكاء شديدا، لأن لا يتنفس، وأما الحرام: فالذي يُسكر كثيره، وأما الموقوف عنده: فهو الذي ينشر.
وقطع في موضع آخر: أنه إذا غلى فقد حرم، وهو الصحيح من قوله.
وكره الخردل يطرح فيه الزبيب. فإن مضى عليه ثلاث لم يؤكل.
قال: والسلجم إذا طرح عليه الدبس والزبيب ممن يأكله ويتخذ منه الناطف والعصائد والحلوى المباحات جائز، وممن يتخذه خمرا لا يجوز، كره سعد، وابن عمر بيع العصير ممن يتخذه خمرا، وحديث عمر: "لعن الله بائع الخمر وحاملها".
[ ٣٩٤ ]
قال: وإذا علم القصاب أن من يشتري منه اللحم يدعو عليه، ويشربون عليه، فلا يبيعه.
قال: ولا يعجبني أن يباع النرجس ممن يشرب المسكر.
قال: وإذا خرط الرجل القناني والأقداح، فلا يبيعها ممن يشرب فيها مسكرا.
وما قلب الله عينه من الخمر فصارت خلا، طهر وحل أكله. وما عولج من الخمر بفعل الآدمي حتى صار خلا لم يطهر ولم يحل، وكان باقيا على حالة التحريم والتنجيس.
قال: ولا بأس بشراء الخل خمرا من الخلال، لأنه على أصل الإباحة.
وما طبخ من العصير حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه كان مباحا. وما بقي منه بعد الطبخ أكثر من الثلث لم يحل.
قال: والمُرِّي الذي يعمل أهل الشام المعروف بمري النِّينان وهو السمك والملح يطرحان في الخمر، ويعمل منه المري، فهو على أصل التحريم والتنجيس، لا يحل بذلك الفعل، ولا يطهر، لأنها خمر أُفسدت بفعل الآدمي.
[ ٣٩٥ ]