ولا بأس بادخار القوت للعيال.
ولحوم الحمر الأهلية حرام، وكذلك البغال. وألبان ذلك محرمة، كتحريم لحمها. ولحوم حمير الوحش حلال مباحة. ولحوم كل ذي ناب من السباع، وخلب من الطير، ما يفرس ويصيد بمخلبه حرام.
وما قُطع من بهيمة حية، مثل الألية والسنام، وما في معنى ذلك من الأعضاء الثابتة، فهو ميتة حرام.
ولا يأكل الغدة، ولا أذن القلب.
وطعام الفجأة مكروه. قال أحمد ﵁: هو الرجل يتعمد القوم حتى يضعوا طعامهم فيفجأهم، فأما على غير العمد، فلا بأس به.
وكل ما لفظه البحر من السمك فحلال. وكذلك ما طفا منه وقفا.
ولا بأس بأكل السلحفاة والرق إذا ذكيا. وكلب الماء مكروه أكله، وليس بمحرم إذا ذكي. والسرطان يذكى ويؤكل. وقد روي عنه: أنه يؤكل ولا يذكى.
والضفدع حرام، لما رواه عبدالرحمن بن عثمان عن النبي ﷺ أنه نهى عن قتل الضفدع.
واختلف عنه في التمساح، فقيل: إنه يحرم، وقيل: إنه مكروه غير محرم.
وفي الثعلب روايتان: إحداهما: أنه محرم، والأخرى: أنه مباح، واختياري: أنه
[ ٣٨٥ ]
لا يؤكل. وأكل اللحم النيء مما تعافه النفس، وليس بمحرم، وكذلك المذكى القابّ.
ولا بأس بأكل لحم الضب والضبع. قد قُدِّم الضب على مائدة النبي ﷺ.
والجراد حلال، لقوله ﷺ: "أحلت لنا ميتتان ودمان"، يريد: السمك والجراد والكبد والطحال. وقد روي عنه ﷺ في حديث أبي هريرة أنه قال في الجراد: "لا آكله ولا أُحرمه"، أو: "ولا أنهى عنه" أنا شككت.
ولم يختلف قوله في الجراد إذا صيد حيا ثم طرح في الماء والملح حتى مات وطبخ، فإنه حلال. واختلف قوله إذا رأى في الصحراء جرادا ميتا، هل يجوز له أكله أم لا؟ على روايتين: منع منه في إحداهما، وأباحه في الأخرى، والعمل على إباحته، كالطافي من السمك والقافي.
وكذلك اختلف قوله فيمن اصاد سمكة فوجد في جوفها سمكة قد ابتلعتها، هل يأكل السمكة التي أصابها في جوف السمكة أم لا؟ على روايتين: أباح ذلك في إحداهما، ومنع منه في الأخرى.
وقال: لا يؤكل ما أُكل مرة. ولم يختلف قوله في الجراد الموجود في حواصل الطير أنه لا يؤكل.
فأما اليربوع، فإنه نهى عنه في موضع، وأرخص فيه في موضع آخر.
قال: ولا بأس بطبخ اللحم بالعنب.
[ ٣٨٦ ]
واختلف قوله في التنور تشوى فيه المحرمات، هل يخبز فيه أم لا؟ فقيل عنه: إذا لم يلتصق به ما شوي فيه، فلا بأس بالخبز فيه، وقيل عنه: لا، حتى يُغسل. وأرخص في سجر التنور بالنجاسات في موضع، ونهى عنه في موضع آخر.
ولا بأس بالأرنب.
قال: ولا يؤكل القنفذ. قال أبو هريرة: هو حرام.
والفأر محرم أكله. وكذلك الوَرَل.
وابن آوى وابن عرس محرمان. وكذلك الهر والفيل ليس من أطعمة المسلمين.
والدب إن لم يكن له ناب فلا بأس به. وكره لحوم الحيات. قال: لأن للحية نابا. وكذلك كره أكل العقرب.
وكره من الطير ما يأكل الحية، كالرخم والغراب الأبقع. ولا بأس بالصغار من الغربان، يعني الأسود منها، قال: ولا يأكل الكبير، ويأكل الزاغ.
قال: ولا يأكل الخفاش. ولا بأس بأكل النعامة والزرافة. ولا بأس بأكل لحوم الخيل. وكره لحوم الجلالة وألبانها وبيضها، وأحب أن يتوقى عرقها حتى تحبس إلى أن يذهب ما في جوفها، فإن كانت دجاجة ونحوها حبست ثلاثا، وإن كان بعيرا، أو بقرة أو شاة حبس ذلك أربعين يوما، وقيل: إن الشاة تحبس سبعة أيام، وكذلك لو شرب بعير أو بقرة خمرا حبس أربعين يوما ثم أكل. وقيل عنه: إن ذلك محرم حتى يحبس.
ولو سلق بيضا في خمر لم يتشقق أكل. ولا يؤكل ما تشقق منه. ولو غسل
[ ٣٨٧ ]
بيضة وطرحها في قدر فلما قشرها وجد فيها فرخا ميتا. فإن كانت انشقت في القدر لم يؤكل ما فيها، وإن كانت لم تنشق أكل ما في القدر.
قال: ولو سقط طائر في قدر، فمات فيها، طرح ما في القدر. حكي عن عكرمة أنه قال: ألقوا الطير، وأهريقوا المرق، وكلوا اللحم بعد أن يغسل بالماء ثلاثا ويغلى. قال أحمد ﵁: وتركه أعجب إلي؛ لأن اللحم قد يشرب النجاسة.
والذباب إذا سقط في الشراب، أو الثريد، أو القدر فمات فيه، غمس فيه، ثم ألقي، وأكل الطعام، لقول النبي ﷺ: "إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فامقلوه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء".
ولم يختلف قوله: إن الدم العبيط حرام. قال: والدم المسفوح: هو الذي لا يخالطه شيء. قال: ودم السمك ليس بعبيط. واختلف أصحابنا فيه على وجهين: منهم من قال: إنه حلال طاهر. ومنهم من قال: على أصل التحريم والتنجيس.
ولم يختلف قوله: إن اللحم إذا غسل وطبخ، فخرج على المرق حمرة الدم أنه لا بأس به ويؤكل.
قال: ولو ذبح بسكين، ثم مسحها بخرقة، ثم قطع بها جبنا رطبا أو غيره أُكل، ولم يكن به بأس، لأن ذلك مما عفي عنه.
قال: ولا بأس بتقطيع اللحم بالسكين عند أكله. وحديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ: "لا تقطعوا اللحم بالسكين، فإن ذلك من صنع الأعاجم". لا يعرف، وليس بصحيح. والعمل على حديث عمرو بن
[ ٣٨٨ ]
أمية الضَّمري، كان النبي ﷺ يحتز من لحم الشاة، فقام، إلى الصلاة، وجاء عن جامع بن شداد، عن المغيرة بن عبدالله، عن المغيرة بن شعبة: ضِفتُ رسول الله ﷺ ليلة، فأمر بجنب فشوي، ثم أخذ الشفرة فجعل يحز، فجاء بلال يؤذن بالصلاة. قال: فألقى الشفرة وخرج.
ولبن الشاة الميتة حرام نجس. والبيضة المأخوذة من الدجاجة الميتة بعد استحكام قشرها حلال.
وما عجن من الخبز بالماء النجس، أو طبخ به لم يؤكل، ولم يتصدق به. ويعلف للبهائم التي لا يؤكل لحمها.
ومن أصاب في حال الاضطرار ميتة وتمرا في حائط محوط، أو غنما، أو إبلا، أكل من الثمار، أو شرب من اللبن، ولم يأكل الميتة؟ قال: لا، هذا مما قد اختلف فيه، فإن أصاب شاة ميتة وأخرى ذكية أكل من الميتة ولم يتعرض للذكية.
وكذلك لو اضطر فوجد ثمرا قد أحرز في البيوت، أو إبلا قد أوت إلى المراح وميتة، أكل من الميتة، ولم يتعرض للثمر ولا لألبان الإبل. فإن وجد في حال الاضطرار طعاما لآدمي، وعدم الميتة سأله إياه بالثمن، فإن أبى عليه رفق به، فإن أبي أن يعطيه وخاف الموت أخذه منه قهرا بالثمن ما لم يكن لصاحبه ضرورة إليه كضرورته. فأما إن كانت به ضرورة إليه، فلا يتعرض له. وكذلك في الماء يجده مع غيره، وقد خاف الموت من العطش ولا ضرورة بصاحب الماء إليه يجوز له أخذه منه بالثمن لإحياء نفسه به. فإن لم يقدر على أخذه منه إلا بمقاتلته عليه لم يقاتله، فإن الله تعالى يرزقه، فإنه لا يأمن في قتاله أن يؤدي ذلك إلى قتله.
وأكل الطين مكروه، لأنه يضر بالصحة، فإن أكل منه اليسير أرخص فيه.
[ ٣٨٩ ]
وما تساقط من الثمار فله أكله، وما كان منها محوطا عليه لم يدخله إلا بإذن ربه، فإن استأذنه ثلاثا فلم يأذن انصرف، لأن الحائط صار حريما له. وما ليس بمحوط عليه منها، وهو في فضاء، فله أن يأكل منه لحاجة وغير حاجة. وكذلك يأكل من السبيل القائم غير المحوط عليه، ولا يفسد، ولا يتخذ خُبْنَة.
وقال في موضع: إذا لم يجد تحت النخل شيئا من التمر وبه ضرورة، فله أن يصعد فيأكل قدر ما ينفي ضرورته. فلا يختلف قوله في إباحة أكل ما تناثر من الثمار غير المحوط عليها لضرورة وغير ضرورة. ولا يضمن قيمة ما يأكله من ذلك. وما كان محوطا عليه، فلا يقربه لغير ضرورة إلا بإذن ربه قولا واحدا. ويأكل من في حال الاضطرار ما يحيي به نفسه. وهل عليه ثمن ما يأكله من ذلك أم لا؟ على وجهين.
فإن مر بإبل، أو بقر، أو غنم، وبه عطش، فهل له أن يشرب من ألبانها أم لا؟ على روايتين.
وكره نثار العرس، والنثار على الصبيان، لأنه في معنى النهبة. وكان أحمد ﵁ يفرق الجوز على الصبيان.
قال: ولا بأس بإجابة الداعي في الولائم، كالعرس والختان، وهو في النكاح آكد، لأن النبي ﷺ أولم على نسائه، وأمر بذلك. فإن كان صائما دعا وانصرف.
فإن دعي إلى عرس فيه طبل، أو مزمار، أو تخنث، أو غناء لم يحضره.
ولا يأكل من طعام يُشرب عليه الخمر. ولا يجيب دعوة من يُعرف بذلك. وقال بعض أصحابنا: لا يجيب الداعي إلا في وليمة العرس خاصة. ولا يجيب فيما سواها.
[ ٣٩٠ ]
وإن دعي إلى طعام فرأى آنية ذهب أو فضة فلينصرف. كذلك روي عن أربعة من أصحاب رسول الله ﷺ: أبي مسعود الأنصاري، وحذيفة، وعبدالله بن يزيد، وأبي أيوب الأنصاري.
والضيافة حق على كل مسلم، فمن نزل به ضيف كان عليه أن يُضيفه ثلاثا، قال النبي ﷺ: "الضيف حق واجب على كل مسلم". ويلزمه أن يقدر له ما يمونه في الثلاثة الأيام. ولا يلزمه بعد ذلك أن يضيفه، لما روى أبو سعيد الخدري وأبو هريرة عن النبي ﷺ: "الضيافة ثلاثة أيام، فما زاد فهو صدقة".